أخبار عاجلةمقالات

رحلة في الغيب..

أسماء علي كريم

يغيب عن بال كثير منّا كُنه الموت حقًا وطعم الموت، و (كل نفس ذائقة الموت) وهو أقرب ما يكون منا، يطلّ علينا ليلًا ونهارًا فيخدش هذا وذاك ويصيبنا من غباره فيحز ضلوعنا وجوارحنا كمدًا وفقدًا وحزنًا، ولكننا مع هذا كله لم نشعر بالموت حقا، هل لأننا نخشى أن نتفكر فيه فتطيش عقولنا؟ أم لأننا نراه شرًا ونتمنى أن يبقى بعيدا عنا؟ هل نتناسى الموت لئلا يفسد علينا أفراحنا وانغماسنا في الحياة؟ أم أننا نغض الطرف عن المهد الذي لا مهرب منه ولا ملاذ؟

لا بد لنا أن نبحر في بحر الموت ونتفكر لحظات، ونمخر عباب الأمواج المتلاطمة، ونحسب لتلك الرحلة الحساب على أي شاكلة سنقع؟ وبأي ختم ستوسم نهايتنا؟ بأي مفتاح سيوصد بابنا وبأي قفل سنلتصق؟

لقد رحل أحباب لنا كثر كانوا هم الأنس في حياتنا، كانت بسماتهم وكلماتهم هي الوقود الذي به نسير والضوء الذي به نستنير، فاين هم الآن! تركوا أسرتهم وأوراقهم، تركوا محابرهم وكتبهم، تركوا المال والثياب والأعراض كلها ورحلوا الى الله.

تركوا خلفهم أهدافًا وافكارًا وحسرات، طويت في صدورهم ودفنت في بطون المقابر. فهل لنا في ذلك عبرة؟ وهل أزيحت عن ناظرينا الغبرة؟ هل انجلت الحقائق واستيقظت رقائق القلوب! إن الموت هو الحياة التي توقظنا فلا تتغاضوا عنه لحظة.

لا تمسحوا دموعكم بسرعة، خلّوها لعل حرارتها تنسج لكم مسارا جديدا في الحياة، لا تقفلوا دفاتر الذكريات مع من رحلوا، لعل الذكريات تلهب لنا نارا تتأجج في صدورنا فتصنع لنا رغبات بالتأسي بمحاسنهم والتعلم من أخطائنا معهم.

إنه الموت، المهد الساكن، الذي يرقد هناك في عتمة الليل وعتمة التراب وظلمة الوحشة والوحدة. إنه الأمر الذي يخلع القلوب حقا، لولا أنك ترجو وترنو أن يكون تحت التراب نعيم وهناء.

لا تتغافلوا عن ذكر الموت، ولا ترهبوا فإن ذكر الموت لو غاب لحظة عنّا لفسدت منا القلوب وتكسدت بها الاعطان والمساوئ.

تذكروا الموت، وغوصوا في تفاصيله، ولا تأخذكم المخاوف، فإنه واقع حقًا وما له من دافع ولا مفر. تذكروه فإن الذكرى تصنع دافعا للعمل وحافزا للتغيير وموقظا من الغفلة والرتابة والملل. لعل زيارة إلى بيوت التراب وتفقد الأحباب والجلسة الساكنة هناك للحظات هي هي التي ستحيي القلوب وتسح ماء العيون وتركن بنا إلى التواضع والنزول عن عروش العجب والكبرياء، إلى سجود وركوع وطول قنوت.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى