إفرحي يا قدس وافرح أيها المسجد الأقصى

إفرحي يا قدس وافرح أيها المسجد الأقصى

د. أنس سليمان أحمد

هكذا كانت بُشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قال فيها: “لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرُ أميرُها ولنعم الجيشُ ذلك الجيش” وهذه البشرى حديث حسن رواه الإمام أحمد، وهي تبدأ كما نلاحظ بفعل “لتفتحن” وهذا الفعل يبدأ بلام التأكيد، مما يؤكد يقينية هذه البشرى، فهي بُشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست مجرد إستشراف بشري ظني لمستقبل القسطنطينية، وما ثبت أنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو وحي من الله تعالى كما قال الله تعالى: (وما ينطق عن الهوى() إن هو إلا وحي يوحى) وما دام هو وحي فلا بد أن سيقع في الوقت الذي يعلمه الله تعالى، لأن هذ البشرى أكدّت وقوع فتح القسطنطينية بلام التأكيد ولم تحدد لنا الزمن الذي سيقع فيه هذا الفتح، مما دفع الصحابة رضي الله عنهم ثم التابعين ثم أتباع التابعين ثم أتباع أتباع التابعين، ثم من جاء بعدهم، مما دفع كل جيل من هذه الأجيال أن يظن ان فتح القسطنطينية سيتحقق على يديه وسينال شرف فتح القسطنطينية، ومما يؤكد بشرى فتح القسطنطينية المؤكدة أصلاً بناء على دلالات الحديث النبوي السابق، مما يؤكد بشرى هذا الفتح ما رواه أبو قبيل قال: كنا عند عبدالله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية، فدعا عبدالله بصندوق له حلق قال: فأخرج منه كتاباً قال: فقال عبدالله بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تُفتح أولاً القسطنطينية أو رومية فقال صلى الله عليه وسلم: “مدينة هرقل تُفتح أولاً” يعني القسطنطينية. مما يعني أن الرؤية النبوية المستقبلية هي رؤية يقينية تؤكد لنا أن القسطنطينية ستفتح أولاُ، ومما يعني كذلك أن هذه الرؤية النبوية المستقبلية كانت واضحة وضوحاً يقينياً لجيل الصحابة رضي الله عنهم، والذين كان من ضمنهم عبد الله بن عمرو بن العاص الذي يحتفظ بهذه الرؤية النبوية المستقبلية مكتوبة في صندوق، وبناءً عليها أكد لما سُئل استنادا إلى هذه الرؤية النبوية المستقبلية اليقينية أن القسطنطينية ستُفتح قبل رومية. ثم إستناداً إلى هذه الرؤية النبوية المستقبلية اليقينية فقد انضمت جهود بعض الصحابة رضي الله عنهم إلى جهود التابعين كمحاولة منهم لفتح القسطنطينية ظناً منهم وطمعاً أن يتحقق هذا الفتح على أيديهم وأن ينالوا شرف تحقق بشرى هذا الفتح على أيديهم، وكان الصحابي أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه من ضمن الصحابة الذين نذروا ما تبقى من حياتهم لفتح القسطنطينية، وكان يطمع أن ينال شرف إحدى بشريين أو كلاهما، البشرى الأولى أن ينال شرف بشرى فتح القسطنطينية، وإلا أن ينال شرف البشرى الثانية التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يُدفن عند أسوار القسطنطينية رجل صالح”، ولذلك بينما كانت القسطنطينية محاصرة من قبل جيش الفتح الإسلامي وكان فيهم أبو أيوب الأنصاري مرض أبو أيوب، ولمّا إشتدّ عليه المرض وأنهكه قال: “إني سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: يُدفن عند أسوار القسطنطينية رجل صالح وإني أرجو الله أن أكون أنا هو”!! ثم مات أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه ودُفن عند أسوار القسطنطينية ونال شرف بشرى هذا الحديث النبوي: “يُدفن عند أسوار القسطنطينية رجل صالح”!! وهكذا كان أبو أيوب رضي الله عنه من ضمن أولى المحاولات لفتح القسطنطينية التي كانت على عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بقيادة فضالة بن عبيد الأنصاري في عام 668، ثم أرسل له الخليفة معاوية تعزيزاً كبيرا بقيادة سفيان بن عوف، ثم أرسل له تعزيزاً ثالثاً كبيرا بقيادة إبنه يزيد، ثم قامت محاولة ثانية لفتح القسطنطينية في عهد الخليفة معاوية رضي الله عنه بقيادة جنادة بن أبي أمية الأزدي، ثم قامت محاولة ثالثة لفتح القسطنطينية على عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك بقيادة مسلمة بن عبد الملك، ثم قامت محاولة رابعة لفتح القسطنطينية على عهد الخليفة العباسي المهدي بقيادة إبنه هارون الرشيد، ثم قامت محاولة خامسة لفتح القسطنطينية على عهد السلطان التركي مراد الثاني، ثم تحقق فتح القسطنطينية على عهد السلطان التركي الشاب محمد الثاني المعروف باسم محمد الفاتح، بتاريخ 29 أيار 1453 . مما يعني أن كثرة هذه المحاولات لفتح القسطنطينية قد إمتدت منذ عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه حتى عهد السلطان التركي محمد الفاتح، ومما يعني أن محاولات فتح القسطنطينية تواصلت على مدار 785 سنة بلا أدنى شك عند الخلفاء المسلمين، بل بيقين لا ريب فيه أن القسطنطينية ستفتح مهما طال الزمان لأن بشرى فتحها تقوم على رؤية نبوية مستقبلية يقينية، ومما يعني أن إحدى دوافع حركة التاريخ الإسلامي هي السعي الجاد لتحقيق مبشرات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تحقق قسم كبير منها ولو بعد مرور مئات الأعوام على موت رسول الله صلى عليه وسلم، وفتح القسطنطينية هو مثال بارز على ذلك، وهناك من المبشرات النبوية اليقينية التي لم تتحقق حتى الآن ونحن في عام 2020م، ولكنها ستتحقق يقيناً، لماذا ؟! لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يبشّر بها بوحي من الله تعالى، وكمثال على ذلك قول رسول الله صلى عليه وسلم: “يا إين حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة، فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك” فهذا الحديث الشريف يُبشرنا أنه سيأتي يوم تنزل فيه الخلافة (الأرض المقدسة) أي أن القدس المباركة ستكون عاصمة لهذه الخلافة، وهذا ما لم يتحقق حتى الآن، ولكنه سيتحقق يقينا، لماذا ؟ لأن رسول الله صلى عليه وسلم بشّر بذلك بوحي من الله تعالى، فافرحي يا قدس، إفرح أيها المسجد الأقصى المبارك، نحن وأنتما بين يدي سعادة وسرور، وأيام عزة وكرامة، وأيام استقلال وحرية، وأيام سيادة وريادة ستتكلل فيها القدس المباركة عاصمة لخلافة قادمة على نهج النبوة، يومها سيرتفع الأذان من على مآذن المسجد الأقصى، ويومئذ سيفرح كل أحرار وحرائر أمتنا المسلمة وعالمنا العربي وشعبنا الفلسطيني، بل كل أحرار وحرائر كل الأرض.