جرعات من الأمل واليقين

جرعات من الأمل واليقين

الشيخ كمال خطيب
ما أجمل عبادة الرضا والتسليم لقضاء الله سبحانه واعتبار أن كل ما نزل ووقع بنا فإنه قد نزل ووقع بعلم الله وإرادته سبحانه، وأن لله تعالى في كل شيء حكمة ومشيئة نحن لا نعلمها ولا نعرفها {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
نحن بل كلنا نحب الصحة والعافية ونكره المرض، ونحب الراحة ونكره التعب، ونحب الغنى ونكره الفقر، فإذا أعطينا الصحة والراحة والمال وهدأة البال شكرنا وحمدنا، وإذا كان عكس ذلك سخطنا وتذمرنا وتأففنا، بل قد يصل الأمر إلى حد عدم التأدب مع الله سبحانه، لماذا يا رب؟ لماذا أنا يا رب؟ وماذا عملت أنا يا رب؟
يقول ابن عطاء السكندري: “ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء”. أي أن المنع والحرمان من الشيء مع أنك كنت تريده وتتمناه، ولكنك لم تكن تعلم ضرر ومثالب ذلك الشيء عليك فإنه يصبح عطاءً لك والعكس هو الصحيح كذلك.
وإن حرمانك الشيء قد يجعلك تقف مع نفسك عن سبب هذا الحرمان فتدرك أنه عقوبة لك عن فعل أنت تعلم أنه كان عظيمًا في ميزان الله وأن الله يمقته، وإذا بهذا الحرمان للشيء الذي كنت تتمناه يزيدك لجوءًا إلى الله ووقوفًا بل تمرغًا على بابه سبحانه ودعاء ورجاء وعودة إليه. فقد حرمك سبحانه وهو منعك، ولكن في ذلك الحرمان والمنع كان الخير كله ليكون بعد ذلك العطاء والكرم الذي لا حدود له، وفي هذا قال عطاء بن أبي رباح: “متى أطلق الله لسانك بالدعاء فاعلم أنه يريد أن يعطيك ما تشاء مهما عظم مرادك وعظم مطلبك”.
كم هي القصص من الواقع البعيد والقريب عن تعثر فعل أو سفر كان أحدهم يهم الشروع فيه فيغضب ويحزن بل ويسخط كيف ولماذا. إنه ذاك الشخص الذي كان ينوي الحج لكنه مرض قبل السفر بأيام قليلة مرضًا منعه من السفر إلى الحج، وما لبثت الأخبار أن تصل أن الحافلة التي كان سيسافر فيها قد انقلبت ومات كثيرون من ركابها الحجاج، ولن يكون مصيره يختلف عنهم لولا إرادة الله وحكمته في مرض نزل به. ومثله فإنه ذلك الشاب كان ينوي السفر في الطائرة، ورغم حرصه الشديد على الاستيقاظ مبكرًا قبل موعد السفر لضمان وصوله في الوقت المناسب إلى المطار إلا أن النوم غلبه وأمه، فلما استيقظ وقد فاته موعد الطائرة راح يصرخ على أمه ولم يكن يعلم أن أخبارًا ستصل بعد قليل عن سقوط تلك الطائرة التي كان سيسافر فيها، فما أجمل التسليم لأمر الله سبحانه والرضى بكل ما يكون منه جل جلاله:
فوحقه لأسلّمن لأمره في كل نازلة وضيق خناق
موسى وإبراهيم لمّا سلّما سلِما من الإغراق والإحراق

يقول الدكتور حسان شمسي باشا: “قد يبتغي الانسان أشياء دنيوية، وهي محض شرّ له، ولعدم علمه بالغيب يُخال أن كل الخير فيها ويستعجل الانسان بدعاء الخير، فإذا تأخر ما أراد إذا هو من القانطين، وما يدري لعلّ الله ادّخر له خيرًا مما سأل وأعطاه أفضل مما أراد. ولو اطّلعتم على الغيب لوجدتم ما فعل ربكم خيرًا. أما أن يريد الإنسان أمرًا دينيًا وطاعة يتقرب بها إلى الله عز وجل فيمنع عنها، فلا بد من التوقف برهة ينقب أسرار توارت عنه. فلربما كان هناك ذنب أصر عليه أو كلمة قالها ولم يلق لها بالًا، أو موقف غلبت عليه شهوة أو علاقة مشبوهة، أو مظلمة عند ضعيف دعا عليه أو أبوان لم يبرّهما، وحين يفهم الانسان لم حُرم حتى من الطاعة التي قد تصاحبها معصية، فإنه سيرضى بل سيفرح، فانه سبحانه: ما أشقاك إلا ليسعدك وما أخذ منك إلا ليعطيك وما أبكاك إلا ليضحكك وما حرمك إلا ليتفضل عليك وما ابتلاك إلا لأنه أحبك.

# وله في كل شيء حكمة رأيه
ما أجملها كلمات الشاعر وهو ينشد ويقول:

وكم لله من لطف خفي يدق خفاه عن فهم الذكي
وكم يسر أتى من بعد عسر وفرج كربة القلب الشجي
وكم أمرًا تساء به صباحًا وتأتيك المسرة بالعشي
إذا ضاقت بك الأحوال يومًا فثق بالواحد الفرد العلي

لم يكن يعقوب يعلم حكمة الله سبحانه في حسد باقي أبنائه لأخيهم يوسف، ولا إلقائهم له في غيابت الجب، ولا بيعهم إياه بدراهم معدودة، إنه لم يكن يعلم أن لله حكمة في ذلك، ولأنه لم يكن يعلم فإنه ظلّ يبكي حزنًا على يوسف حتى ابيضت عيناه. فيعقوب في أحزانه ودموعه، والله الجليل في تدبيره وحكمته ليصبح يوسف حاكم مصر الأول الذي لا تباع في مصر حبة قمح إلّا بإذنه، ثم كانت حكمته سبحانه في سنوات القحط والجفاف التي جعلت أخوة يوسف يذهبون إلى مصر وليكون اللقاء وجمع الشمل بعد طول غياب.
ولم يكن الشهيد محمد مرسي رحمه الله يعلم أن باختياره السيسي وزيرًا للدفاع في حكومته التي شكّلها بعد الثورة وبعد الانتخابات في العام 2012. إنه لم يكن يعلم أن في ذلك حكمة وآية، وإن اعتبرها بعض أصحاب النظرة القصيرة والمراهقة السياسية أو بعض المزايدين أنها كانت تعبّر عن جهل مرسي بالسياسة وعن سهولة التغرير به، لكن أحدًا لم يكن يعلم حكمة الله التي تجلت أولًا في الكشف عن حقيقة هذا الرجل وخطورته، وثانيًا بالكشف عمّن يكون حكام السعودية والإمارات الذين دعموا الانقلاب وموّلوه، رغم أن مرسي صاحب توجه ديني وإسلامي وحافظ للقرآن الكريم. حيث كان يفترض ممن يتظاهرون بأنهم دولة الشريعة وحماة الحرمين أن يسعدوا بوجود أمثال مرسي فى حكم مصر، لكنها إرادة الله وحكمته في كل ما حصل لتزول وتسقط أوراق التوت الأخيرة عن سوءة هؤلاء، ومن يومها وهم من يزدادون تعريًا وانكشافًا.
ففي الألم حكمة، وفي المرض حكمة، وفي العذاب حكمة، وفي الفشل حكمة، وفي الانقلاب حكمة، وفي الهزيمة العسكرية في بعض الحروب حكمة {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} آية 37 سورة الأنفال. {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} آية 7-8 سورة الأنفال.

ومن الناس من يظن أن الحرمان هو في نقص الأموال فيحزن لذلك، وفي عدم امتلاك السيارات الفارهة مثل غيره وإذا بها غصّة في حلقه بل لعله غضب وتمرد، بل لعله يكون سببًا في اعتماد وسائل غير شرعية ولا أخلاقية لتحصيل المال حتى يمتلك تلك السيارات أو البيوت التي امتلكها هؤلاء، وحتى يتخلص من الحرمان الذي يخيّل إليه أنه يعيشه.
يقول الدكتور حسان شمسي باشا: “ولكن المحروم هو من حُرم لذة مناجاة ربه، والمحروم هو من حُرم الصلاة في وقتها في المسجد، والمحروم هو من حُرم برّ الوالدين وطاعتهما ودعاءهما له، والمحروم هو من حُرم لذة البكاء من خشية الله عز وجل، والمحروم هو من حُرم قراءة القرآن وتدبره، والمحروم هو من حُرم قيام الليل بالصلاة والبكاء بين يدي الله تعالى، والمحروم هو من ملك المال الكثير فحُرم عبادة الزكاة والصدقة على الفقراء لأنه اعتبر هذا المال ماله الخاص ولا حق لأحد فيه سواه، والمحروم هو من زحزح عن الجنة وأدخل النار، وما أجمل ما قاله الشاعر:

يا بني آدم توقّر وتجمل وتصبر
ساءك الدهر قليلًا وربما ساءك أكثر
يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر
أكبر الآثام من أحد عند عفو الله أصغر
ليس للإنسان إلا ما قضى الله وقدّر.

# ما حجبه الله كان أعظم
يحكى أن رجلًا خرج في سفر مع ابنه إلى مدينة تبعد عن موطنه مسيرة يومين، وكان معهما حمار يحمل عليه متاعهما. وكان من عادة الأب أن يردد عبارة “ما حجبه الله كان أعظم”. وبينما هما يسيران في طريقهما كسرت ساق الحمار في منتصف الطريق، فقال الرجل ما حجبه الله كان أعظم، ثم أخذ كل منهما بعضًا من المتاع وحملاه على ظهريهما وتابعا الطريق، وخلال المسير كسرت ساق الأب بعد أن تعثّر، فما عاد يقدر على حمل شيء وأصبح يجر رجله جرًا ولكنه ظلّ يردد ويقول ما حجبه الله عنا كان أعظم!. قام الابن فحمل متاعه ومتاع أبيه وانطلقا يكملان المسير ببطء نظرًا لكسر رجل الأب ولثقل الحمل على ظهر الابن. وفي الطريق جلسا يستريحان من التعب تحت ظل شجرة، وإذا بأفعى تلدغ الابن فسقط على الأرض يصرخ ويتألم، فقال الأب ما حجبه الله عنا كان أعظم. هنا غضب الابن وقال لأبيه: هل بقي ما هو أعظم مما أصابنا، كسرت رجل حمارنا وكسرت رجلك أنت وها هي أفعى تلدغني؟
انتظرا فترة من الزمن حتى تعافى الابن وأكملا المسير نحو المدينة التي كانت وجهتهما إليها، ليجدا أن تلك المدينة لم تكن إلا أطلالًا حيث أصابها زلزال دمرها وأهلك أهلها. نظر الرجل إلى ابنه قائلًا: انظر يا بني، فلو لم يصبنا ما أصابنا في رحلتنا لكنا وصلنا في اليوم الذي وقع فيه الزلزال ولكان أصابنا ما هو أعظم ولكنّا مع الهالكين.

ما أجملها عبارة أحد الصالحين لمّا قال: “نحن نسأل الله فإن أعطانا فرحنا مرة، وإن منعنا فرحنا عشر مرات، لأن العطاء اختيارنا والمنع هو اختيار الله، واختيار الله خير من اختيارنا”.
في هذا الظرف العصيب الذي تمر به أمتنا، وفي زمن الفتن الهوجاء وتكالب الأعداء وخيانة الزعماء وضلالة العلماء. في هذا الزمن الذي أصبح الحليم فيه حيران، والسهام تتناوشنا من كل جانب والكثيرون من المسلمين قد وضعوا أنفسهم في خانه اليائسين ووضعوا على عيونهم نظارة سوداء فلا يرون الدنيا إلا سوادًا في سواد. في ظرف كهذا فإن الشيء الوحيد الذي يجعلنا أقوى من اليأس والإحباط والتشاؤم فإنه اليقين التام بأن الأمور كلها بيد الله سبحانه يدبرها كيف يشاء، وأن دوام الحال من المحال، وأن المستقبل لنا ولديننا إن شاء الله وأن بعد العسر يسرا، وبعد الليل فجرًا وبعد الكرب فرجًا.
لأنك الله لا خوف ولا قلق ولا غروب ولا ليل ولا شفق
لأنك الله قلبي كله أمل لأنك الله روحي ملؤها الألق.
نحن إلى الفرج أقرب، فأبشروا.

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون