على ضوء انتخابات ثالثة..نحو انحطاط سياسي

على ضوء انتخابات ثالثة..نحو انحطاط سياسي

صالح لطفي-باحث ومحلل سياسي
عادة ما يكون الحفاظ على التطور السياسي ناجم عن التوازن في أي دولة تتبنى النظام الديموقراطي، وتعمل على ترسيخه في حيواتها اليومية والاستراتيجية بين قواه السياسية والمجتمعية الحية المشاركة في الفعلين السياسي الرسمي وغير الرسمي، إذ كلاهما يعملان تحت سقف القانون ومسوغاته ومسوداته مستغلين الفُسح التي يمنحها القانون لتأسيس فعل سياسي له أثر مجتمعي آخر اجتماعي، وعادة ما تكون منافسات شديدة بين القوى السياسية الممثلة برلمانيا للوصول الى الحكم أو/ و للمشاركة فيه، وعن مثل هذه العملية ينجم فعل تراكمي يخلق حياة سياسية نشطة داخل المجتمع، ويبقى هذا التطور ويدوم ما دام هذا التوازن قائما.
والتوازن هنا، لا يعني بحال الاستقرار بمفهومه الفيزيائي “إستاتيكية سياسية”، بل هو كما في منظوراتنا الشرعية تدافع، وهنا استدعي مصطلح التدافع للتعبير عن صورة راقية داخل المجتمعات المؤمنة بالعملية الديموقراطية والمؤمنة بضرورات حيازة الأقليات فيها على حقوقها كاملة دون مِنَةِّ من الأغلبية.
إنَّ تمتع النظام الديموقراطي بمرونة عالية ستؤهله لمواكبة التغيرات والحفاظ على النمو والتطور السياسيين بالسياقات المجتمعية-الاجتماعية والسياسية-الاقتصادية وفي ظل هذا التوازن السليم تتخلق مجموعات الطبقة الوسطى، دون عوائق ويرتقي عموم المجتمع منسحبا من الفقر الى مكانة أعلى بفضل هذا التوزان من جهة، والنمو المستمر للنظام وحفاظه على منظومات من القيم الراسخة الداعمة له وللمجتمع، من أهمها الحيلولة دون تغول الأغلبية المتغلبة سواء سياسيا أو بشريا على المكونات الأخرى السياسية والبشرية، وعمليا هذا هو مقتل النُظُم الديموقراطية تاريخيا فقد مارست القوى المتغلبة القوة للبقاء على نفوذها وعلى دوام سيطرتها سواء داخل أوطانها أو خارجها في مستعمراتها- ولعل الاستعمار الفرنسي والبلجيكي الانموذج الأسوأ في التاريخ المعاصر -، وهذه القوى تتواجد في كل نظام ديموقراطي أي كان، وقد يتمثل في أحزاب سيطرة على السلطة عدد سنين وأوجدت حالة من الهيمنة المخفية كما حصل في امتدادات عصر المباي وحاليا عصر الليكود، بيدَّ انَّ ما يميز السلطة الليكودية المؤمنة بالسياسات النيوليبرالية في الاقتصاد فاشيتها السياسية مع الآخر، خاصة بعد سيطرة شبه مطلقة لنتنياهو على مفاصل حزب الليكود ونقله الحزب بذكاء حاد مستغلا الظروف المحيطة به اجتماعيا وسياسيا والتحولات الجارية في اليهود الشرقيين عموما، من الجابوتنسكية الى البنتسيونية (نسبة الى والده المؤرخ بن تسيون نتنياهو ) إلى تبنيه المطلق للسياسات النيوليبرالية وخصخصته معالم كثيرة من الدولة، وهوما أدى الى ظهور الجريمة المنظمة كهامش طبيعي أزعم أنه من تجليات هذه النيوليبرالية التي مهدّ لدخولها يوم كان وزيرا للمالية، ويمارسها بكل عنف في هذه اللحظات التاريخية من مسيرة هذه الدولة والمجتمع الإسرائيلي.
نحو انحطاط سياسي
عدم تمكن الأحزاب الإسرائيلية من تشكيل حكومة خلال جولتين انتخابيتين يشي بأن حالة من الانحطاط السياسي قد حطت رحالها في جنبات العملية السياسية، ومن قبل في جنبات المجتمع الإسرائيلي ذاته أذ الانحطاط كما في نظريات الحضارة يتغلغل ببطء شديد الى المجتمع ذاته، ومن ثم الى مكوناته السياسية، وأخيرا الى المنظومة الحاكمة ذاتها، بما تشكله من أدوات حكم، ولعل عطب كبير قد أصاب المنظومة السياسية الإسرائيلية الناظمة للعملية السياسية والانتخابات، بحكم التزامها بمقررات الحركة الصهيونية، بوجوب تمثيل كل يهودي في الكنيست، وهو ما سيدفع لاحقا لخلق حالة من التكتلات تمظهرت حاليا في حزب أزرق أبيض، وستتمظهر مستقبلا في كتل أكبر تتجاوز أزمة تشكيل حكومة تدير البلاد.
استمرار حزب أو مجموعة متآلفة فكرا وسياسة بالسيطرة على البلاد لسنوات طويلة، يمثل بالقطع مع مرور الوقت حالة من الشلل السياسي ويخلق في المقابل شللية سياسية تكون هي بحد ذاتها معلمٌ من معالم الانحطاط الذي يصيب المجتمع والساسة والعملية السياسية، ففي عصر الليكود تخلقت مع مرور الوقت طبقة وسطى في البلاد يشكل الشرقيون حيزا هاما فيها، وهذه المجموعة قد استفادت بالمطلق من وجود حزب الليكود حاكما وبسبب هذه الاستفادة البينية تخلقت حالة من الزبائنية تُوزعُ فيها الوظائف والمناصب على أساس من المحسوبية والرعاية السياسية، وإذا كانت الطبقة الوسطى في النظم الديموقراطية هي العمود الفقري لنمو المجتمع وتقدمه والضاغطة نحو تغيير سياسي يضمن حياة الدولة سياسيا، فإننا في الحالة الإسرائيلية في عصر الليكود، أمام عملية تحالف علني تارة ومسكوت عنه أحيانا بين مجموعات من هذه الطبقة التي تخلقت في عصره وبينه وخاصة نتنياهو الذي لعب دورا أساس في نموها وتطورها، وهي في هذه اللحظات تبادله الوفاء على مبدأ من المصلحة المشتركة لكلا الطرفين، وبذلك تكون هذه الطبقة التي تشكل مساحة عريضة من المجموع الكلي للمجتمع الإسرائيلي، قد تهتكت أركانها وتواطأت مع المؤسسة الحاكمة في كل شيء تقريبا، فهي تحمل أفكارا يمينية اتجاه الموقف من القضية الفلسطينية والعرب ومن يعيش في الداخل الفلسطيني، والفارق بين مكونات هذه المجموعة جدًّ طفيفة والاختلاف حول قضايا مطلبية أثبتت احداث عام 2011 استحالة قيام مجموعات إسرائيلية بالمظاهرات ضد نظام حكم اليمين لمدد طويلة كما يحدث في كل دول العالم الديموقراطي، وذلك بسبب استغلال الحزب الحاكم للحالة السياسية السائلة في المنطقة عموما والقضة الفلسطينية خصوصا، وإحالتها إسرائيليا الى حالة تتعلق بالكيانية والوجود.
في الحالة الإسرائيلية ثمة عوامل تشي بتغييرات جادة تتخلق في المجتمع الإسرائيلي تُنذِرُ بتآكل الديموقراطية الإسرائيلية المتحصلة منذ عام 1948 بين مكونات المؤسسة السياسية الإسرائيلية التي سمحت الحركة الصهيونية لها بالمشاركة.
من هذه العوامل، على سبيل المثال لا الحصر، حالة التآكل المستمرة في عديد الأحزاب الإسرائيلية خاصة الأحزاب التي تزعم انها تمثل خارطة اليسار، والحقيقة التاريخية أنه لم يكن في إسرائيل يسار، إلا ما وافقت عليه الحركة الصهيونية وانسجم مع أهدافها، فمن أهم شروط تلكم اللحظة التاريخية دورها في قيام الدولة من جهة، وكونها رقم يستحيل تجاوزه من جهة أخرى، ويشكل قسمة أساس من قسمات تلكم اللحظة برسم تخلق الهوية ذاتها، وقد تَمَثَلَ هذا في الأحزاب الحاريدية الرافضة أصلا للمشروع الصهيوني، واعتبرت هذه الموافقة من الطرفين للمشاركة في العملية السياسية وبناء الدولة، أمرا هاما ومٌحْدَثَّا في عالم السياسة آنذاك، ودليل أساس على أهمية بناء الدولة ضمن منطق التوازنات لا المغالبات.
وواضح في السنوات الأخيرة أن اليمين الإسرائيلي يهاجم منافسيه من الإسرائيليين بقسوة غير معهودة تُنذرُ بتشظِّ كبير في المكونات السياسية، ولعل من بدايات تلكم الإشارات وصول المعراخ، حزب العمل في رحلته السياسية الى المحطة الأخيرة من مسيرته السياسية بعد سلسلة من الخسارات بدأت مباشرة بعد مقتل زعيمه رابين، ولا زالت مستمرة الى هذه اللحظات، والتوقع انه إذا تم الإعلان عن انتخابات للمرة الرابعة خلال هذه العام أن يختفي حزب أسس الدولة، عن الخارطة السياسية، وما يحدث تحديدا مع هذا الحزب- طبعا هو ليس من أحزاب اليسار بأي حال من الأحوال- بل هو من باب الأدلة الواضحة على حالة الانحطاط السياسي، إلى جانب دخول اليمين الفاشي الى العملية السياسية بأريحية عالية ودون رفض من أحد، اللهم إلا ضريبة كلامية تصدر من هنا وهناك.
بما أن إسرائيل لم تترسخ فيها قيم الحرية والتعددية السياسية والمساواة والعدل، فإنَّ هذه الديموقراطية بنت السبعين عاما في خطر شديد، إذ لا يمكننا أن نزعم أنَّ هذه الديموقراطية راسخة بحكم أن الأحزاب الصهيونية متواجدة قبل قيام إسرائيل بعقود فالمسرح السياسي الإسرائيلي يسيطر عليه اليوم يمين لا يمكننا الادعاء أنه منتم للجابوتنسكية التي آمنت بالليبرالية وهو ما سأتحدث عنه مستقبلا.