أخبار عاجلةمقالاتومضات

حين لا يحمي الولاءُ الأرضَ ولا يضمن الحقوق

أحمد سليمان

في الأسبوع الأخير قبل الانتخابات، تعود إلينا الدعوة ذاتها بثياب مختلفة: شاركوا كي تؤثّروا، اندمجوا كي تحصلوا على حقوقكم، وقدّموا المزيد من التنازلات لتثبتوا أهليّتكم للمساواة. وكأنّ المشكلة تكمن في مقدار مشاركتنا وولائنا، لا في بنية دولة تريدنا أصواتًا حين تحتاج إلينا، ثم تعود لتعاملنا كمواطنين منقوصي الحقوق فور إغلاق صناديق الاقتراع.

وكما يقول المثل: “الشاطر يتعلم من أخطائه، والأشطر من يتعلم من خطأ غيره”. ولنا في تجربة الدروز، أبناء الطائفة المعروفية، مثال واضح. فقد ارتبطت هذه الطائفة بما عُرف بـ”حلف الدم”، واندمجت في المؤسستين العسكرية والسياسية، ووصل أبناؤها إلى مناصب رفيعة في الدولة. لكن هذا الاندماج لم يمنع استمرار التمييز، ولا مصادرة الأراضي، ولا التضييق على البلدات الدرزية.

فالتمثيل الذي يعجز عن حماية الأرض، وتوسيع مسطحات البناء، ووقف الهدم، وانتزاع حقوق متساوية، يبقى تمثيلًا محدود الأثر، مهما ارتفع أصحابه في سلّم المناصب.

وجاء “قانون القومية” ليكشف حدود هذا الاندماج. فعندما كُرّست إسرائيل دستوريًا دولةً قوميةً للشعب اليهودي، لم تشفع للدروز خدمتهم العسكرية ولا مناصبهم الرفيعة. في تلك اللحظة، اكتشف كثيرون أن أداء الواجبات لا يضمن الشراكة الكاملة، وأن الاندماج لا يغيّر بالضرورة مكانة الجماعة التي يبقى تعريف الدولة خارجًا عنها. لقد طُلب من الدرزي أن يموت مواطنًا كاملًا في ساحة المعركة، وأن يعيش مواطنًا ناقصًا في وطنه.

إنّ هذه التجربة تحمل رسالة مباشرة لكل من يطالب العرب بمزيد من الاندماج أو بتخفيف خطابهم الوطني مقابل المساواة. فإذا كان الدروز الذين اندمجوا في المؤسستين العسكرية والسياسية لم يسلموا من التمييز ومصادرة الأراضي، فما الذي يُطلب من بقية العرب تقديمه أكثر من ذلك؟ الخلل إذن لا يكمن في درجة الاندماج، بل في نظام لا يعترف فعليًا بالمساواة الجماعية.

وفي السنوات الأخيرة، ارتفعت نسبة الامتناع عن التصويت في المجتمع الدرزي، حيث وصلت إلى 45% (لا تشمل قرى الجولان المحتل)، تعبيرًا عن تراجع الثقة بقدرة العملية الانتخابية على إحداث تغيير جوهري. والمثير أنّ أحدًا لا يحمّل المقاطعين الدروز أو اليهود، الذين تصل نسبة الممتنعين عن التصويت بينهم إلى نحو 30%، مسؤولية تشكيل الحكومات أو صعود اليمين، ولا يطالبهم بإنقاذ “الديمقراطية الإسرائيلية”.

أما عندما يتعلق الأمر بالعرب، فيبدأ خطاب التخويف والابتزاز السياسي، حيث يُطلب منهم التصويت لا باعتباره حقًا، بل باعتباره واجبًا أخلاقيًا لمنع الأسوأ. وكأنّ المواطن العربي مسؤول عن نتائج نظام لم يكن شريكًا متساويًا فيه أصلًا.
السؤال الذي يواجهنا اليوم ليس: من سيفوز؟ بل: ماذا تغيّر بالنسبة إلينا بعد عقود من المشاركة البرلمانية؟ لقد تبدّلت الحكومات والائتلافات، وجرّبنا أشكالًا متعددة من العمل الانتخابي: من القوائم المشتركة إلى القوائم المنفصلة، ومن المعارضة إلى دعم الحكومات من الخارج، بل وحتى المشاركة في الائتلاف.

وفي كل مرة، قيل لنا إنّ بضعة مقاعد إضافية ستغيّر الواقع، لكن القضايا الأساسية بقيت على حالها: أزمة الأرض والمسكن، وهدم البيوت، والتمييز القومي، وشحّ الميزانيات، وتفشي الجريمة.

ولا يمكن إنكار أنّ العمل البرلماني نجح أحيانًا في تحصيل بعض الميزانيات أو الحدّ من سياسات ضارة، إلا أنّ هذه الإنجازات الجزئية جاءت مقابل تنازلات أخرى، بعضها مؤلم، فضلًا عن أنّها لم تعالج المشكلات البنيوية المرتبطة بالمكانة القومية للعرب، ولا بأزمة الأرض والمسكن. ولهذا، تتجه شريحة متزايدة إلى البحث عن أدوات نضال أخرى تتجاوز حدود الكنيست.

وليست المعضلة في عدد الأصوات التي نضعها في صندوق الاقتراع، بل في السؤال الذي يسبق الصندوق نفسه: هل تُمنح الكرامة لأنها حق، أم تُكافأ بها الطاعة؟ فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تفقد حقوقها حين تعجز عن إثبات ولائها، بل حين تقبل أن يصبح الولاء شرطًا للحقوق. وعندما تُختزل المواطنة في امتحان دائم لإثبات الجدارة، يصبح الامتحان أبديًا، وتبقى المساواة مؤجلة مهما ارتفعت درجات النجاح.

إنّ المقاطعة ليست نقيضًا للعمل السياسي، بل رفض لاختزال السياسة في صندوق اقتراع يُفتح مرة كل عدة أعوام ثم يُغلق، بينما تبقى القضايا الجوهرية دون حل. وهي، في نظر مؤيديها، محاولة لاستعادة المعنى الحقيقي للعمل السياسي وربطه بالفعل الشعبي والمجتمعي المستمر.

ومع ذلك، فإنّ هذا الواقع لا يدعو إلى اليأس. فإدراك حدود اللعبة البرلمانية قد يكون الخطوة الأولى نحو بناء قوة ذاتية أكثر فاعلية. في مجتمعنا طاقات شبابية وشعبية كبيرة قادرة على إنتاج مبادرات ومؤسسات وأطر نضالية تدافع عن الأرض والحقوق والهوية. فالأمل لا ينبع من تبديل الوجوه داخل المنظومة، بل من قدرة المجتمع على تنظيم نفسه وتعزيز صموده وبناء أدوات تأثيره المستقلة.

وفي الأيام الأخيرة قبل الانتخابات، لا ينبغي أن يتحول الخوف إلى بديل عن التفكير، ولا أن نقبل تحميل الضحية مسؤولية السياسات الممارسة ضدها. قد تتبدل الحكومات وتتغير أسماء الوزراء والأعضاء، لكن الحقوق لا تتحقق بمجرد المزيد من الاندماج في منظومة تطلب منا التنازل أكثر مما تعترف لنا بحقوقنا.

ومن هنا تنبع أهمية المقاطعة لدى مؤيديها، لا بوصفها نهاية للعمل السياسي، بل باعتبارها احتجاجًا على معادلة تمنح الشرعية ولا تمنح المساواة، ودعوةً للبحث عن مسارات أخرى أكثر قدرة على حماية الأرض وصون الحقوق. وهو موقف لا بد من التشبث به، لأنه نابع من تفكير عميق ورؤية استراتيجية، وليس ترفًا سياسيًا.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى