هل بات الحجاب خطرًا يهدد الأمن القومي للكوكب؟!

أمية جبارين (أم البراء)
في ظل الحرب المعلنة على الإسلام، أصبح كل ما هو إسلامي في قفص الاتهام الدولي، وبات كل رمز يرمز إلى الإسلام يُعدّ تخلفًا وتعصبًا. فانتشر مصطلح ما يُعرف بالإسلاموفوبيا، أو الإسلام الإرهابي، انتشار النار في الهشيم في الغرب، بل وانتشر كذلك في معظم دولنا الإسلامية! وبدأ العمل بشكل ممنهج من أجل تدمير الإسلام ومحاربته بكل الطرق والوسائل.
فتارةً من خلال علمنة الأنظمة الإسلامية، وتمييع المفاهيم والعقائد الإسلامية وتضييعها تحت شعارات كاذبة وخادعة، وتارةً تحت مسمى حقوق الإنسان وحريته، وتارةً تحت مسمى حقوق المرأة وتمكينها، ليصوّبوا سهامهم المسمومة نحو الإسلام ويطعنوا به، وما إلى ذلك من ادعاءات باطلة يحاول من خلالها أعداء الإسلام، بل أعداء الإنسانية، ضرب المجتمعات الإسلامية وإصابتها في مقتل، من خلال التخلي عن كل القيم والأعراف والثوابت العقدية والاجتماعية.
وقد سهّل هذا الأمر وجود حكومات عربية وإسلامية تخلّت عن الحكم وفق الشريعة الإسلامية، واتبعت الحكم العلماني الذي ينادي بفصل الدين عن الدولة. فأصبحت حكومات إسلامية بالاسم، وأصبحت هذه الحكومات هي من تحارب الإسلام وشريعته. وهذا هو الوجه الغالب في دولنا العربية والإسلامية التي باتت تحكمنا بمفاهيم العلمانية!
ويجدر بي أن أنوّه لحضراتكم إلى أنه قد ثبت، وبالوقائع الملموسة، أن نظام العلمانية يحترم جميع العقائد إلا عقيدة الإسلام، ويحترم كل اللباس إلا اللباس الإسلامي، ويحترم كل الحريات إلا حرية الإسلام!
وحتى تثبت هذه الدول ولاءها وإخلاصها للغرب، باتت تسنّ قوانين تضر بالمسلمين أكثر مما تفعل دول الغرب! بل إن عاقبة مثل هذه القوانين ستصبح وبالًا يصيب المسلمين في الغرب. ومثال على ذلك ما قامت به دولة أذربيجان، الدولة العلمانية المتطرفة، مع أن الغالبية العظمى من سكان أذربيجان مسلمون!
ففي 23 سبتمبر 2026، أقرت حكومة أذربيجان قرارًا يمنع إضافة أي شيء إلى اللباس الرسمي للطالبات والمعلمات، ويؤكد أن العلمانية هي الإطار الرئيس للعمل داخل الدولة.
ومع أن القرار لم يمنع الحجاب مباشرةً، فإن تطبيقه يمنع الحجاب؛ لأنه يعتبره إضافةً إلى الزي الرسمي! وبذلك، مُنع الحجاب بطريقة شيطانية، دون أن يُذكر اسمه.
وقوبل هذا القرار برفض شعبي كبير في أذربيجان، وسط انتقادات دولية محدودة جدًا، وفي ظل غياب تضامن ما يسمّون أنفسهم منظمات حقوقية، وخاصة تلك التي تختص بحقوق المرأة، وغياب صوت النسويات اللاتي يدّعين زورًا وبهتانًا أنهن جمعيات لمساندة كل النساء في نيل حقوقهن، بغض النظر عن العرق أو الدين!
ولكن اللافت في الأمر أن هذه الجمعيات النسوية ولجان التعليم المنبثقة عن منظمة اليونيسف كانت من أوائل المتضامنين مع المرأة الأفغانية حين فُرض عليها، قبل نحو عامين، عدم إكمال تعليمها الثانوي والجامعي من قبل نظام طالبان. (وهذا، طبعًا، قرار مجحف وظالم بحق المرأة الأفغانية، باعتقادي). فأقامت النسويات الدنيا ولم تقعدها احتجاجًا على هذا القانون، وادّعت أن نظام طالبان ظالم ويسعى إلى عدم تمكين المرأة وتطورها وتقدمها العلمي!
والسؤال الذي يطرح نفسه: أين هذه الجمعيات من حرمان الطالبات الأذربيجانيات من تعليمهن بسبب ارتداء الحجاب، الذي لم يُفرض عليهن بالقوة؟ أليس هذا الحرمان ظلمًا وإجحافًا وتعسفًا بحق الطالبات والمعلمات أيضًا؟ أم يحق للإسلامي ما لا يحق لغيره إذا تعلق الموضوع بالإسلام؟!
أم إنها ازدواجية المعايير المقيتة التي يتعامل بها الغرب تجاه كل ما هو إسلامي، كما نلحظ؟ فإذا تعلق الأمر بحرية المعتقد لغير المسلمين أو المتأسلمين، عندها يكون هذا الأمر حريةً شخصيةً يجب الوقوف إلى جانب أصحابها والتضامن معهم، كما يحدث مع الشواذ أو مع من يطالبون بالحرية الجنسية، وغير ذلك. ولكن حين يتعلق الأمر بالمسلمين، فلا نرى أي رد فعل على انتهاكات حقوقهم أو معتقداتهم؛ لأن الإسلام والمسلمين لا بواكي لهم في هذه المنظمات المقيتة!
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل أصبح الحجاب خطرًا أمنيًا على الأنظمة العلمانية؟ أم أن الحجاب أصبح عائقًا أمام تعليم الطالبات واستيعابهن؟ حتى باتت هذه الأنظمة تتسابق فيما بينها من أجل حظر ارتداء الحجاب ومنعه، وسنّ قوانين لذلك!
وكما نعلم، فإن أذربيجان لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة، في محاربة الحجاب.
ففي عام 1936، منعت إيران الحجاب إبان الحكم العلماني فيها.
وفي عام 1996، منعت تركيا الحجاب.
وفي عام 2004، منعت فرنسا الحجاب.
أما أذربيجان، فكانت محاولتها الأولى لمنع الحجاب في عام 2010، وقد فشلت، وها هي الآن تعيد الكرة لتطبيق قانون منع الحجاب.
وهناك العديد من الدول الغربية والعربية التي تشدد القيود على النساء اللاتي يرتدين الحجاب في التعليم والوظائف. وآخر ما نسمع به أن هناك مطالب بإلغاء النقاب مع حلول عام 2030 في السعودية! مع أنه، منذ أيام قليلة، تم تصنيف العالمة السعودية المتنقبة نجلاء الردادي، للسنة الرابعة على التوالي، ضمن أكثر العلماء تأثيرًا في العالم، في قائمة تضم نخبة الـ2% من علماء العالم، وفق تصنيف جامعة ستانفورد، تقديرًا لإسهاماتها في الطب الحيوي. مما يؤكد أن الحجاب لا يحجب العقل والإبداع، وإنما يحجب ما حرّمه الله من عورات النساء. وهناك العديد من العالمات المسلمات المتحجبات، لا يتسع المقام لذكرهن.
وبناءً على ما ذكرته، يتضح لنا أن العلمانيين لا يتعاملون مع الحجاب على أنه حق ديني وشخصي للمرأة المسلمة، بل أصبح رمزًا وتعبيرًا عن الحرب على العلمانية بصورة واضحة؛ لأن الحجاب، بوضوحه على رأس المرأة، يؤكد أن الدين هو من يحكمنا، وليس نحن من نحكم الدين. لذلك، يريد أتباع العلمانية تدمير رمز تحكّم الدين في الحياة.
ولو نظرنا إلى موضوع الحجاب وارتدائه من جهة حقوق المرأة التي يتغنون بها ويصدعون بها الرؤوس، لوجدنا أن هذا القانون يؤذي المرأة التي تختار الحجاب بكامل وعيها وإيمانها به، ويظلمها. تمامًا كما لو فُرض قانون يُجبر المرأة على ارتداء الحجاب غصبًا عنها!
وكما يقولون: وراء الأكمة ما وراءها! لأن أبعاد فرض هذا القانون من قبل دول إسلامية تعطي الضوء الأخضر لدول الغرب لسنّ قوانين مشابهة تمنع الحجاب أو تمنع أي مظهر ديني، حتى تحاصر المسلمين المقيمين في تلك الدول، مما يضطرهم إلى مغادرتها، خاصةً بعد تصاعد التطرف الغربي ومطالبة أصحابه المسلمين بالعودة إلى بلادهم.
ولكنني أقولها بكل فخر وعزة: إن الحجاب سيبقى تاجًا على رؤوس المسلمات، ورمزًا لإسلامنا.
