أحداث هبة القدس والأقصى: تحوّل الذاكرة إلى وعي سياسي

مارية محاجنة
لم تكن أحداث القدس والأقصى عام 2000 مجرد محطة سياسية مؤقتة في تاريخ الفلسطينيين في الداخل، بل كانت لحظة فارقة شكّلت وعي جيل كامل. جيلٌ كان في طفولته أو بدايات فتوّته حين وجد نفسه فجأة أمام مشهد سياسي صادم، شارون مقتحمًا للأقصى في خطوة استفزازية، يليها صرخة: “مات الولد، مات، فما الذي تغيّر بين الأمس واليوم؟” هذا، ولم يكن غريبًا عنه ولا بعيدًا، بل دخل إلى البيوت، والمدارس، والشوارع، وصار جزءًا من الذاكرة العائلية والجماعية.
بالنسبة إلى كثيرين من أبناء ذلك الجيل، لم تكن القضية الفلسطينية موضوعًا يُناقش في الكتب أو ترويه نشرات الأخبار فحسب، بل كانت مشهدًا يُرى بالعين، وصوتًا يُسمع في الشارع، وقلقًا حيًا ينتقل إلى البيت والمدرسة، ليعيد طرح الأسئلة حول الهوية، والانتماء، ومعنى الأرض والمقدسات، ومكانة المسجد الأقصى في وعي المسلمين.
تُظهر الذاكرة الشخصية لأبناء تلك المرحلة كيف تحوّلت الأحداث العامة إلى تجارب عائلية مباشرة. إذ إن إصابة أحد أفراد الأسرة خلال المشاركة في فعاليات الأقصى، أو انتظار قريب معتقل، أو متابعة أخبار المواجهات، كانت تفاصيل كفيلة بأن تجعل السياسة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.
ففي إحدى تلك التجارب، عاد أحد المشاركين في النفير إلى بلدته دون أخيه الذي أُصيب برصاص مطاطي في ساحات المسجد الأقصى بعد صلاة الجمعة، واضطر للبقاء في القدس لتلقي العلاج. هناك، فتحت إحدى العائلات المقدسية بيتها له، بينما عاد أهله إلى بلدتهم يحملون معهم القلق وثقل الانتظار.
مثل هذه التفاصيل الصغيرة كانت في واقعها جزءًا من تجربة أوسع عاشتها عائلات فلسطينية كثيرة في الداخل. فقد تحوّل المسجد الأقصى، بمكانته الدينية والوطنية، إلى حضور دائم في الحياة اليومية، وأصبحت المشاركة في الفعاليات والاحتجاجات إحدى أبرز صور التعبير عن الانتماء.
ولم يتوقف أثر الأحداث عند حدود الشارع، بل دخلت السياسة إلى المدارس وبدأت تطرح أسئلة جديدة: ماذا يستطيع الطالب أن يقول؟ وما الذي يقدر على فعله؟ وكيف يعبّر عن موقفه تجاه ما يجري؟
شارك الطلاب في حملات توعية وفعاليات مدرسية، وظهرت مبادرات لإحياء ذكرى الشهداء وقراءة الفاتحة على أرواحهم، فيما واجه بعضها مخاوف من التبعات أو اعتراضات من الإدارات.
وهنا، ظهرت المدرسة باعتبارها أكثر من مجرد مكان للتعليم؛ بل مساحة تتقاطع فيها الهوية مع التربية، والسياسة مع الحياة اليومية، والخوف مع الرغبة في التعبير.
وفي حالات كثيرة، وجد المعلمون أنفسهم أمام طلاب أكثر انخراطًا في الشأن العام مما اعتادت عليه البيئة المدرسية. وبينما اختار بعضهم الصمت خشية المآلات، شعر آخرون أن من واجبهم احتضان أسئلة طلابهم ودعمهم، حتى وإن بقي ذلك الدعم في حدود غير معلنة.
ثم إنّ أحد أهم التحولات في تجربة ذلك الجيل تمثّل في الانتقال من موقع المتابع للأحداث إلى المشارك فيها.
فلم يعد الشاب أو الفتاة يكتفيان بمتابعة الأخبار؛ بل امتدت خطواتهما إلى المظاهرات والفعاليات العامة، وبدأت الأقلام تكتب، وظهرت الرغبة في الحديث عن القضية في الإذاعة المدرسية وفي النقاشات اليومية، حتى عند تغيّب أحد المعلمين، كنتُ وأبناء صفي نطلب من المعلم البديل أن نجلس في طاولة مستديرة، وتبدأ نقاشاتنا السياسية التي طالما كانت تتحول لساحة مناظرات، مع الحفاظ على الاحترام المتبادل.
كانت تلك المرحلة بمثابة تثبيت “المراكمة” في الوعي والنضال الجماعي. ولم تكن الحركة الوطنية ومبادرات الشارع وليدة اللحظة، بل كانت تتغذى على تراكم يتسع يومًا بعد يوم؛ تراكم في تجربة التظاهر، وفي فهم أدوات المواجهة السلمية والتنظيم الأهلي، وفي قدرة الناس على الالتفاف حول قضاياهم الجامعة. كانت المظاهرة بالنسبة إلى كثيرين تجربة أولى في التعبير الجماعي، وكانت الكتابة محاولة لترجمة الألم والغضب والأسئلة إلى كلمات وتصورات تُبنى عليها مواقف سياسية أكثر نضجًا.
ولذلك، يمكن النظر إلى أحداث الأقصى بوصفها المحطة التي دفعت جيلًا كاملًا من فلسطينيي الداخل إلى اختبار معنى الفعل السياسي والمراكمة عليه في سن مبكرة، عبر الهبات الشعبية والعمل الجماعي المنظم في الميادين.
كما فرضت تجربة الاعتقال حضورها في ذاكرة كثير من العائلات. لم يكن المعتقل هنا اسمًا بعيدًا في نشرة أخبار، بل كان أخًا، أو قريبًا، أو ابن بلدة.
إن اعتقال أحد أفراد العائلة أو مباغتته خلال المواجهات، كان يترك أثرًا يتجاوز الشخص المعتقل ليطال المحيط العائلي والاجتماعي كله. وأضحت الزيارات والتضامن وتفقّد العائلات صورًا من التكافل التلقائي الذي ميّز تلك المرحلة.
مع مرور السنوات، استقرت هذه التجارب في عمق الذاكرة الجمعية، وأصبح الحديث عن عام 2000 في كثير من البيوت مرتبطًا بقصص إصابة، أو اعتقال، أو مظاهرة، أو فقد، وإحياء ذكرى الشهداء الذين ارتقوا برصاص الشرطة الإسرائيلية في حكومة إيهود باراك آنذاك.
غير أن هذا التراكم النضالي والوعي الجماعي المتصاعد لم يمضِ دون مواجهة من نوع آخر؛ إذ لم يمضِ وقت طويل حتى شهدت بلدات الداخل تحولًا جائرًا تمثّل في استشراء الجريمة المنظمة وسلاح السيطرة الفوضوي.
لم تكن الجريمة المنظمة مجرد ظاهرة مؤقتة، بل تم إدراكها واختبارها باعتبارها أداة اختراق عميقة للنسيج الاجتماعي والوعي السياسي. فحين يُغرق الشارع بالسلاح والسوق السوداء، وتُغضّ المؤسسة الرسمية أطرافها عن عصابات الجريمة، يتحول قلق الناس اليومي من سؤال “الحقوق والعدالة والكرامة الوطنية” إلى سؤال “الأمان الشخصي والنجاة الفردية”.
لقد شكّل هذا الاختراق ضربة للبنية التضامنية التي بُنيت في هبة الأقصى؛ إذ جرى إشغال المجتمع بذاته، وتحويل الشارع من فضاء نضالي ومساحة للتعبير عن الهوية والعمل العام، إلى ساحة خوف واستنزاف داخلي مستمر. وهكذا تحولت الجريمة إلى وسيلة لتفكيك ذلك النضال الشعبي والحدّ من قدرة الجيل على استكمال بناء وعيه السياسي والتراكمي.
بعد أكثر من عقدين، تبدو أهمية تلك المرحلة في أنها لم تنتهِ بانتهاء أحداثها المباشرة؛ إذ إن استعادة أحداث الأقصى لا تعني حنينًا إلى الماضي والعيش في بوتقته، بل محاولة لفهم الكيفية التي يتشكل بها الوعي السياسي لدى الأجيال وكيف يُحارب هذا الوعي. فالوعي لا يولد دائمًا داخل المؤسسات أو عبر الأحزاب، بل قد يبدأ من مشهد يراه طفل، أو إصابة يتابعها داخل أسرته، أو مظاهرة يشارك فيها للمرة الأولى، أو سؤال يطرحه في مدرسته.لقد كانت تلك الأحداث بالنسبة إلى الكثيرين بداية كتابة ومشاركة واحتكاك بالشأن العام. ولهذا السبب تحديدًا، ظلت حاضرة في الذاكرة بعد كل هذه السنوات، رغم كل محاولات التفكيك والاختراق.
ومن هنا، فإن السؤال الذي بقي من تلك المرحلة ليس فقط ماذا حدث عام 2000، بل: كيف ترك ما حدث أثره في جيل كامل؟ وكيف يمكن لهذا الجيل أن يحمي تراكمه النضالي ووعيه من التفريغ والتشويه، فيحافظ على هويته وذاكرته وحقه، وفي الوقت نفسه يتمسك بإنسانيته وقدرته على رؤية الآخر دون أن يفقد بوصلته؟ خاصة مع انحسار دور الأحزاب العربية وتأثيرها داخل المجتمع، وقدرتها على إنتاج نضالات شعبية جماعية تحدّ من الهجمة الشرسة التي تخوضها المؤسسة ضد الوعي الفلسطيني بهويته وانتمائه.
