أخبار وتقاريردين ودنياومضات

خطوات في منتصف الطريق

د. نواعم شبلي جبارين

في منتصف الطريق، حين تخفّ وطأة البدايات ويغيب عن العين بريق النهايات، يقف الإنسان أمام نفسه أكثر وضوحًا، ويسأل: هل أواصل المسير أم أعود؟

ولعلّ أجمل ما في منتصف الطريق أنه لا يمنحنا إجابات جاهزة، بل يعلّمنا كيف نصنع إجاباتنا بالصبر والتجربة والنضج.

فليست كل خطوة نخطوها تقرّبنا من المكان الذي نريده، لكنها قد تقرّبنا من الإنسان الذي ينبغي أن نكونه.

كم من طريق ظننّاه طويلًا، ثم اكتشفنا أن قيمته لم تكن في الوصول، بل في الدروس التي تركها في أرواحنا.

وفي منتصف الرحلة، نتعلم أن التعثر ليس سقوطًا نهائيًا، وأن التأخر لا يعني الفشل، وأن تغيير الاتجاه أحيانًا هو عين الحكمة.

هناك خطوات نمشيها بثقة، وأخرى نمشيها بخوف، لكن كلاهما يصنع في داخلنا خبرة لا تُكتسب من الوقوف في المكان نفسه.

لا تنظر إلى المسافة التي قطعتها بحسرة، ولا إلى المسافة المتبقية بقلق؛ انظر إلى ما تعلمته بينهما بفخر.

فالحياة لا تقيس الإنسان بعدد خطواته، بل بقدرته على النهوض كلما أثقلته الطريق.

وقد يكون منتصف الطريق هو أجمل نقطة لاكتشاف الذات؛ حيث تسقط بعض الأوهام، وتتضح بعض الحقائق، وتنضج بعض الأمنيات.

لا تستعجل الوصول، فبعض النهايات الجميلة تحتاج إلى خطوات هادئة، وقرارات واعية، وقلب يعرف متى يصبر ومتى يتقدم.

وإذا شعرت بالتعب، فاسترح قليلًا، لكن لا تجعل الاستراحة عنوانًا للإقامة؛ فالطريق خُلق ليُقطع، لا ليُراقب من بعيد. تذكّر أن كل خطوة صغيرة تُؤخذ بإصرار قد تكون بداية لتحول كبير، وأن الثبات الهادئ أقوى من الاندفاع العابر.

وفي منتصف الطريق تحديدًا، لا تحتاج إلى أن تكون كاملًا؛ يكفي أن تكون صادقًا مع نفسك، واضحًا في وجهتك، ومؤمنًا بأن القادم يستحق المحاولة. فامضِ بخطوات تعرف قيمتها، واترك خلفك ما لم يعد يشبهك، واحمل معك من التجارب ما يجعلك أكثر حكمة وأقل انكسارًا.

وفي النهاية، ستدرك أن الطريق لم يكن مجرد مسافة بين نقطتين، بل كان رحلة صنعت منك نسخة أعمق، وأقوى، وأكثر قدرة على الوصول.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى