من مقاعد الدراسة بعد أربعة عقود إلى الماجستير.. عالية ضعيّف من عارة تبحث في “أثر فقه الموازنات الدعوية في فتاوى المجلس الإسلامي للإفتاء في الداخل الفلسطيني”
ضعيّف لـ”موقع موطني 48”: فقه الموازنات يربط التأصيل الشرعي بفهم الواقع ومآلات الأحكام

طه اغبارية، مارية محاجنة
ناقشت الباحثة عالية محمّد علي ضعيّف، من قرية عارة، يوم السبت الماضي، رسالتها لنيل درجة الماجستير في الدعوة الإسلامية، والتي حملت عنوان: “أثر فقه الموازنات الدعوية في فتاوى المجلس الإسلامي للإفتاء في الداخل الفلسطيني”، وذلك ضمن مسيرتها العلمية التي استمرت سنوات طويلة، وتخللتها محطات من التوقف والعودة إلى مقاعد الدراسة، قبل أن تواصل طريقها في العلوم الشرعية وتبلغ مرحلة الدراسات العليا.
وتكوّنت لجنة المناقشة من الأستاذ الدكتور مشهور فواز، رئيسًا ومشرفًا، والأستاذ الدكتور إسماعيل الشندي، منسق قسم ماجستير الدعوة الإسلامية في جامعة القدس المفتوحة، مناقشًا داخليًا، والأستاذ الدكتور عودة عبد الله، رئيس قسم أصول الدين في جامعة النجاح، مناقشًا خارجيًا.
ومنحت اللجنة الباحثة درجة الماجستير بالإجماع، مثنية على الرسالة من حيث عنوانها وموضوعها ومنهجيتها العلمية، كما أعربت عن تقديرها لجهود المجلس الإسلامي للإفتاء ومنهجيته التي وصفتها بالمتزنة والمعتدلة.
واعتبر الأستاذ الدكتور مشهور فواز، رئيس المجلس الإسلامي للإفتاء، أن الدراسة تشكل “رافعة علمية ودعوية للمجلس والقائمين عليه”، مثمنًا إشادة اللجنة العلمية بالرسالة، ومهنئًا الباحثة عالية ضعيّف على هذا الإنجاز، ومتمنيًا لها دوام التوفيق والنجاح.
بدأت الباحثة عالية ضعيّف رحلتها مع العلم قبل نحو أربعة عقود، وتوقفت أكثر من مرة بفعل الظروف، قبل أن تعود إلى مقاعد الدراسة من جديد، مدفوعة برغبة لم تنقطع في التفقه في الدين ودراسة العلوم الشرعية. وبين دراسة التربية والعمل في مجال الطفولة المبكرة، واصلت طريقها حتى أتمت دراستها في كلية الدعوة والعلوم الإسلامية في أم الفحم، ثم تابعت مسيرتها الأكاديمية في العلوم الشرعية.
وفي رسالتها للقب الثاني، اختارت ضعيّف موضوعًا يرتبط بصورة مباشرة بالواقع الإفتائي والدعوي في الداخل الفلسطيني، من خلال دراسة حضور “فقه الموازنات الدعوية” في منهجية وفتاوى المجلس الإسلامي للإفتاء، والوقوف على كيفية تعامل الفتوى مع تعقيدات الواقع، والموازنة بين المصالح والمفاسد، والثوابت الشرعية والمتغيرات، ومآلات الأحكام.
في هذا الحوار، تتحدث الباحثة عالية ضعيّف لـ”موقع موطني 48” عن رحلتها العلمية، ودوافع اختيار موضوع الرسالة، وما توصلت إليه من نتائج بشأن منهجية المجلس الإسلامي للإفتاء، فضلًا عن أبرز التحديات التي تواجه العمل الإفتائي في الداخل الفلسطيني.
موقع موطني 48: بدايةً، حدّثينا عن نفسكِ وعن رحلتكِ العلمية، وما الذي أبقاكِ متمسكةً بطلب العلم الشرعي رغم محطات التوقف؟
عالية ضعيّف: كانت لمسيرتي العلمية محطات كثيرة، تخللتها عقبات وتحديات، غير أن حلم التعلم ظل حاضرًا في داخلي، يرافقني رغم ما اعترض طريقي من ظروف.
بدأت هذه المسيرة قبل نحو أربعين عامًا، عندما التحقت بمعهد قلقيلية للعلوم الإسلامية. وكانت هناك حاجة كبيرة إلى تأهيل داعيات متمكنات من العلم الشرعي وأساليب الدعوة في مجتمعنا في الداخل الفلسطيني، لكن الانتفاضة الأولى حالت دون إكمال سنوات الدراسة، واضطررنا إلى التوقف.
ومع ذلك، لم يتوقف الحلم؛ فقد ظلت رغبتي في تعلم العلوم الشرعية والتفقه في الدين حاضرة في نفسي. وعندما افتتحت كلية الدعوة والعلوم الإسلامية في أم الفحم، التحقت بها، على أمل أن أواصل الطريق الذي بدأته قبل سنوات، إلا أن ظروفًا خاصة حالت مرة أخرى دون إتمام الدراسة، فاضطررت إلى التوقف من جديد.
وفي تلك المرحلة، اتجهت إلى مجال علمي آخر، فحصلت على اللقب الأول (BA) في التربية، وتخصصت في مجال الطفولة المبكرة، وعملت في هذا المجال. إلا أن رغبتي في التفقه في الدين ودراسة العلوم الشرعية لم تفارقني، وبقيت تدفعني إلى العودة إلى الطريق الذي بدأت منه.
وبعد سنوات، عدت مرة أخرى إلى مقاعد الدراسة لأكمل ما بدأته، فلم يكن هدفي مجرد الحصول على شهادة، وإنما مواصلة طلب العلم؛ حتى أكرمني الله بإتمام اللقب الأول في كلية الدعوة والعلوم الإسلامية في أم الفحم عام 2024. ثم واصلت مسيرتي العلمية حتى أكرمني الله بالحصول على اللقب الثاني في العلوم الشرعية.
موقع موطني 48: كيف وُلدت فكرة البحث؟ ولماذا اخترتِ تحديدًا “فقه الموازنات الدعوية” في فتاوى المجلس الإسلامي للإفتاء؟
عالية ضعيّف: بدأت فكرة البحث من ملاحظة الحاجة إلى دراسة منهجية الفتوى في الداخل الفلسطيني، في ظل ما يواجهه المجتمع من قضايا ونوازل مستجدة، وما تفرضه خصوصية الواقع من حاجة إلى فقه يوازن بين الثوابت الشرعية ومتغيرات الواقع.
أمّا اختيار المجلس الإسلامي للإفتاء تحديدًا، فجاء لكونه الهيئة العلمية المستقلة الأبرز في الداخل الفلسطيني المتخصصة في الإفتاء، والذي يرأسه فضيلة الأستاذ الدكتور مشهور فواز محاجنة، ويضم في عضويته نحو 27 عضوًا متخصصًا في الشريعة الإسلامية.
ولا يقتصر دور المجلس على إصدار الفتاوى فحسب، بل يمتد إلى الجوانب العلمية والدعوية، وهو ما جعل فتاواه مادة غنية ومناسبة لدراسة فقه الموازنات في معالجة القضايا المعاصرة.
ومن هنا جاء اختيار موضوع “أثر فقه الموازنات الدعوية في فتاوى المجلس الإسلامي للإفتاء في الداخل الفلسطيني”، بهدف الكشف عن مدى حضور هذا الفقه في الممارسة الإفتائية، وكيفية الجمع بين التأصيل الشرعي، وفهم الواقع، ومراعاة المصالح والمفاسد ومآلات الفتوى.
موقع موطني 48: مصطلح “فقه الموازنات” يتكرر في عنوان رسالتكِ ومحاورها. ماذا يعني هذا المصطلح، ولماذا تزداد أهميته في التعامل مع القضايا المعاصرة؟
عالية ضعيّف: يُقصد بفقه الموازنات الترجيح بين المصالح والمفاسد وفق معايير شرعية، بما يحقق مقاصد الشريعة. وهو مهم لكل مسلم، ومنه ما لا يُعذر المسلم الجهل به، كتقديم الفرض على النفل، وتقديم درء الحرام على درء المكروه، وغير ذلك مما يحتاجه المسلم في حياته اليومية.
وتزداد أهميته للداعية والمفتي والفقيه، لما يعينهم عليه من اختيار الأصلح، وترتيب الأولويات، والموازنة بين المصالح والمفاسد، ومراعاة مآلات الأحكام والفتاوى، وتقديم الأنفع للأمة عند تزاحم المصالح أو تعارضها.
وتتأكد أهمية هذا الفقه في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتداخل فيه التحديات، بحيث لا يكفي مجرد معرفة الأحكام الشرعية المجردة، بل يتطلب الأمر فهمًا دقيقًا لمقاصد الشريعة.
موقع موطني 48: بعد دراسة فتاوى المجلس الإسلامي للإفتاء، ماذا كشفت لكِ الدراسة عن المنهجية التي يعتمدها المجلس في إصدار الفتاوى؟
عالية ضعيّف: بيّنت الدراسة أن المجلس الإسلامي للإفتاء اعتمد في منهجه الإفتائي والدعوي على جملة من المرتكزات، من أبرزها الالتزام بما استقرت عليه المذاهب الفقهية الأربعة المعتبرة، والالتزام بالاجتهاد الجماعي، ومبدأ الشورى، مع الإفادة من الرخص الشرعية المنضبطة، دون تتبع الأقوال الشاذة والضعيفة. وهو منهج أسهم في تعزيز الانضباط والاتزان في الفتوى، والمحافظة على استقرار العمل الإفتائي.
موقع موطني 48: إلى أي مدى أسهم العمل الإفتائي في تلبية احتياجات المجتمع الفلسطيني في الداخل خلال السنوات الأخيرة؟ وما الدور الذي لمستهِ للمجلس إلى جانب إصدار الفتاوى؟
عالية ضعيّف: أظهرت الدراسة أن جهود الإفتاء في الداخل الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة أسهمت في تلبية حاجة المجتمع إلى مرجعية شرعية تعالج قضاياه الدينية والاجتماعية في ضوء الشريعة ومراعاة الواقع.
وقد امتد دور المجلس الإسلامي للإفتاء من إصدار الفتاوى إلى أداء دور إصلاحي ودعوي مؤثر في المجتمع، من خلال نشر الثقافة الشرعية، وتعزيز الوعي الديني، والإسهام في معالجة عدد من القضايا الفكرية والاجتماعية، إلى جانب دعم الأئمة والدعاة، وترسيخ ثقافة الحوار والاجتهاد المنضبط، والتقريب بين المدارس والاجتهادات الدعوية، ونبذ التعصب الحزبي والمذهبي، بما يعزز وحدة الصف ويحفظ الثوابت الشرعية.
موقع موطني 48: هل وجدتِ أن خصوصية المجتمع الفلسطيني في الداخل تفرض موازنات خاصة على المفتي عند التعامل مع قضايا الناس وأسئلتهم؟
عالية ضعيّف: يتميز الداخل الفلسطيني بتحديات فكرية واجتماعية وسياسية متشابكة، مما يفرض على المفتي مراعاة خصوصية الواقع وظروف الناس عند معالجة القضايا والنوازل المعاصرة.
وقد بيّنت الدراسة أن المجلس الإسلامي للإفتاء راعى هذه الخصوصية دون إخلال بالثوابت الشرعية، فوازن بين الأحكام الثابتة والمتغيرات الاجتهادية، وبين المصالح والمفاسد، مع مراعاة الظروف الاجتماعية والقانونية والسياسية المؤثرة في حياة المسلمين. وهذا يعكس حضور فقه الموازنات في فتاواه وقراراته، ويجمع بين الأصالة ومواكبة الواقع.
موقع موطني 48: في ظل تعقّد القضايا والنوازل التي يعيشها المجتمع في الداخل، ما أبرز التحديات التي تواجه العمل الإفتائي؟ وما الذي يحتاجه هذا المجال لتعزيز حضوره وتأثيره؟
عالية ضعيّف: من أبرز التحديات التي تواجه العمل الإفتائي في الداخل الفلسطيني تعقّد النوازل المستجدة، وتسارع المتغيرات، وتشابك الأبعاد الاجتماعية والقانونية والسياسية، إلى جانب الحاجة إلى تحقيق التوازن بين المحافظة على الثوابت والاستجابة لمتطلبات الواقع. ويحتاج هذا المجال إلى مزيد من ترسيخ المنهجية المؤسسية في الإفتاء، وتعزيز الاجتهاد الجماعي، وتأهيل المفتين لفهم الواقع ومآلات الأحكام، مما يساعد على مواكبة القضايا المستجدة وفهم واقع المجتمع.
موقع موطني 48: ما أبرز النتائج التي توصلتِ إليها من خلال دراسة فتاوى المجلس؟ وهل كانت هناك نتيجة لافتة لم تكن متوقعة قبل بدء البحث؟
عالية ضعيّف: أظهرت الدراسة أن فقه الموازنات لم يظهر في فتاوى المجلس كمفهوم نظري فحسب، بل تجلى بصورة عملية في معالجة النوازل والقضايا المستجدة، من خلال الموازنة بين المصالح والمفاسد، ومراعاة المآلات، وتعزيز الهوية الدينية للمسلمين في الداخل الفلسطيني من خلال خطابه الإفتائي والدعوي، بما يدعم الحفاظ على الثوابت الإسلامية في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة.
والحقيقة أن النتيجة اللافتة التي لم أتوقعها قبل البدء بالبحث، أن تجربة المجلس الإسلامي للإفتاء تمثل نموذجًا معاصرًا لتطبيق فقه الموازنات في العمل الإفتائي والدعوي، من خلال الجمع بين التأصيل الشرعي، وفقه الواقع، وتحقيق مقاصد الشريعة في معالجة القضايا والنوازل المستجدة.
موقع موطني 48: برأيكِ، كيف يمكن لمثل هذه الدراسات الأكاديمية أن تسهم في تطوير العمل الإفتائي والدعوي؟ وما الذي تأملين أن تضيفه رسالتكِ للمجلس وللباحثين؟
عالية ضعيّف: أرى أن مثل هذه الدراسات تسهم في تطوير العمل الإفتائي والدعوي من خلال ربط التأصيل الشرعي بفهم الواقع، ومراعاة مقاصد الشريعة ومآلات الأحكام، بما يساعد على التعامل مع القضايا المستجدة بقدر أكبر من الوعي والاتزان.
وأتمنى أن تضيف هذه الرسالة للمجلس قراءة علمية لمنهجيته في الإفتاء، وتبرز جوانب القوة فيها، وتفتح المجال لمزيد من الدراسات التي تتناول الفتوى والعمل الدعوي في الداخل الفلسطيني، بما يسهم في تطوير الممارسة الإفتائية وخدمة المجتمع.
وتوجهت الباحثة ضعيّف في ختام اللقاء “بالشكر والتقدير إلى مشرف رسالتي، الأستاذ الدكتور مشهور فواز محاجنة، على ما قدّمه لي من توجيه علمي ومتابعة أكاديمية طوال مراحل إعداد الرسالة، وما قدّمه من ملاحظات قيّمة وإرشادات أسهمت في تطوير البحث وإخراجه بالصورة التي وصل إليها، أسأل الله أن يجزيه عنّي خير الجزاء، وأن يبارك في علمه وعطائه، وينفع به. كما أتوجّه بجزيل الشكر والتقدير إلى أعضاء لجنة المناقشة، على ما قدّموه من ملاحظات علمية قيّمة وتوجيهات بنّاءة أسهمت في إثراء البحث وتطويره. فجزاهم الله عنّي خير الجزاء، ونفع الأمة بعلمهم”.
