وهم التغيير من خلال الكنيست

توفيق محمد
شهر وعشرة أيام تفصلنا عن انتخابات الكنيست السادسة والعشرين “المصيرية”، التي تتنافس فيها، في الغالب، أحزاب اليمين الإسرائيلي، وأنا شخصيًا لا أعتقد أنَّ في إسرائيل أحزابًا يسارية بالمعنى السياسي، سوى الأحزاب العربية. نعم، هناك أحزاب يسارية بالمعنى الاجتماعي “الليبرالي”، المهتم، على سبيل المثال لا الحصر، بحقوق الشواذ، ومثل هؤلاء تجدهم في الأحزاب اليمينية “الراديكالية”، كأمير أوحانا، رئيس الكنيست الحالي.
يهمني في هذه المقالة نقاش مسألتين:
- الانتخابات “المصيرية”: لا أذكر أيَّ انتخابات إسرائيلية لم توصف بأنَّها مصيرية؛ فدائمًا كانت الأحزاب العربية المشاركة في انتخابات الكنيست تربط مصير جماهيرنا العربية الفلسطينية في الداخل بانتخابات الكنيست، ودائمًا كانت تسوق المبررات لهذه الجماهير حتى تقنعها بالمشاركة في التصويت في انتخابات الكنيست.
وقد بدأ ذلك منذ فاز حزب الليكود في انتخابات الكنيست عام 1977، ففي ذلك العام أُقيمت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وكما جاء في كتاب “المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني”، الصادر عن مركز الدراسات المعاصرة عام 2006: “إنَّ إقامة الجبهة عام 1977، بعد يوم الأرض، جاء ليخلّص الحزب الشيوعي من ورطته بعد يوم الأرض، حيث إنَّ عملية التصادم بين السلطة والجماهير العربية كانت تجاوزًا لخط الحزب وأهدافه، كما أنَّ عملية تشكيل الجبهة جاءت لوقف عملية التدهور الجماهيري للحزب في السبعينيات. فمن جهة، عبّر يوم الأرض، بصفته مواجهة مباشرة مع السلطة، تجاوزت به الجماهير “القانون الرسمي”، وهذا شكّل تناقضًا مع تطلعات الحزب الرسمية ونهجه التاريخي، وهو في الوقت نفسه يتناقض مع رؤية السلطة وحزب العمل. في هذه النقطة، شكّلت الجبهة الديمقراطية للسلام “صمّام أمان”، وضُبطت من خلالها سلوكيات الحزب والجماهير العربية، وأصبحت الجبهة القابلة القانونية لأيَّة ولادة سياسية في الوسط العربي، وبذلك تم توظيف الجماهير العربية في الداخل ونقلها من النقمة على سياسة حزب العمل (جراء سياسته في يوم الأرض) إلى التجنّد لصالح حزب العمل في سبيل عودته إلى الحكم، ومن أجل إسقاط اليمين والليكود”.
ومنذ تلك الانتخابات، وهدف إسقاط اليمين الإسرائيلي يُعتبر شعارًا مركزيًا في كل دورة انتخابية، وتُعتبر كل انتخابات، انتخابات مصيرية. ففي الانتخابات التي أُجريت في العام 1993، أي قبل 33 عامًا من اليوم، كان شعار الانتخابات المصيرية حينها: “احذروا اليمين الإسرائيلي”. وفي مظاهرة أُجريت في مدينة الناصرة في ذلك العام، وشاركت فيها الأحزاب العربية التي كانت في الكنيست، وهما الحزب الديمقراطي العربي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ورئيس لجنة المتابعة في حينه، المرحوم إبراهيم نمر حسين، والمرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش، وغاب عنها فقط الشيخان رائد صلاح وكمال خطيب، نادى الجميع بدعم يتسحاق رابين، رئيس حزب العمل، لتشكيل الحكومة (61 عضو كنيست، 3 جبهة و2 ديمقراطي عربي، وهو ما عُرف بالكتلة المانعة).
وكانت اتفاقية أوسلو في 13/9/1993، التي اتُّفق فيها على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة خلال خمس سنوات من توقيعها، وعلى تحرير الأسرى. واليوم، بعد 33 سنة من توقيع هذه الاتفاقية، فلا أُقيمت الدولة الفلسطينية ولا حُرِّر الأسرى، بل إنَّ الضفة الغربية تُلتهم، والاستيطان يتمدّد، والقدس تُهوّد، وغزة تنزف، والمستوطنون يزحفون إلى بلداتنا العربية (مجد الكروم – كمثال)، وبقيت الانتخابات المصيرية مصيرية.
بل إنَّ الخطاب السياسي المشارك في انتخابات الكنيست انتقل من مرحلة “الشراكة العربية اليهودية”!! إلى مرحلة الاستجداء بادعاء التأثير من الداخل، وفلسفة: القوانين تُغيَّر في الكنيست، والسياسات تُغيَّر في الحكومات، والحكومات تتغيَّر بإرادة الناس، أي بالانتخابات.
وتحت هذه الفلسفة أصبحنا نسمع عن مشروع الخدمة المدنية، والموافقة على شروط أيٍّ من الأحزاب التي من الممكن أن تقبل بالراغبين بالتأثير من الداخل. وهذه الشروط، كما ذكرها المرشح المحتمل لتكليفه بتشكيل الحكومة القادمة بعد انتخابات الكنيست القادمة -حسب غالبية استطلاعات الرأي- غادي آيزنكوت، تقول إنَّ على أيِّ حزب يرغب أن يكون شريكًا في الحكومة القادمة أن يعترف، أولًا، بأنَّ هذه الدولة هي دولة الشعب اليهودي، والغالبيَّة اليهودية، وثانيًا: الاعتراف بوثيقة الاستقلال، وثالثًا: أن يدعم التجنيد أو الخدمة الوطنية.
وأعتقد أنَّ الذي يسعى للتغيير من الداخل قد وافق على كل هذه الشروط، ولا شك أنَّ هذه الاشتراطات تجعل من العرب ليسوا مواطنين متساوي الحقوق، كما يحلو للأحزاب العربية أن تسوّق مشاريعها الانتخابية، إنما تجعل منهم رعايا في دولة تعتبر التفوق اليهودي أساسًا للموافقة على دعم حكومتها، ولو من الخارج.
- أشارك منذ سنين في جميع اجتماعات لجنة المتابعة العليا، ولا أرى، للأسف، مشاركة من أعضاء الكنيست العرب في هذه الجلسات إلا في بعض الحالات النادرة جدًا. ولكن عند اقتراب موعد الانتخابات، يحضر السادة إلى الجلسات، ويحضر المرشحون أيضًا، وهذا أمر جيد لا أعترض عليه؛ فحضور القيادات السياسية من كل الطيف لاجتماعات لجنة المتابعة أمر إيجابي.
ولكن المزعج هو أن يحصر أولئك، عند حديثهم عن العنف أو عن اعتداءات المستوطنين، الحلَّ لكل ذلك بيوم 27/10/2026، أي يوم الانتخابات، ويعتبروا أنَّ زيادة التمثيل العربي في الكنيست من شأنها أن تغيّر الخارطة السياسية في البلاد، وبالتالي أن تمنع العنصرية، وأن تكافح الجريمة، وأن تقيم الدولة الفلسطينية. وهذا ليس أقل من وهم يُباع للناخبين العرب الواقعين تحت سياسات عنصرية وقمعية غير مسبوقة.
أمَّا الحقيقة فهي تقول: إنَّ ذلك وهم ليس إلا. ولذلك، فالذي أرجوه هو ألّا يستغل أحد اجتماعات لجنة المتابعة لتسويق وهم غير حقيقي، ولتبقى لجنة المتابعة بيتنا الذي يجمعنا في المتفق عليه.