رغم كلفته الباهظة.. الحمار وسيلة التنقل الأبرز في غزة (شاهد)

على مفترق طرق رئيسي في مدينة غزة يرفع الشاب بلال معروف صوته بنداء المواطنين، عارضا عليهم نقلهم عبر عربته التي يجرها حمار إلى شاطئ البحر مقابل 5 شواكل (نحو 1.7 دولار) عن كل شخص.
ورغم بطء حركة العربات وصعوبة سيرها على الطرق المتضررة من حرب الإبادة في قطاع غزة، فإن الاعتماد على الحمير تحول من خيار اضطراري فرضته أزمة المواصلات التي تفاقمت خلال الحرب، إلى وسيلة لا يمكن الاستغناء عنها رغم تكلفتها المرتفعة.
وفي الوقت الذي بدا فيه التذمر على وجوه المواطنين الذين يقضون وقتا طويلا على الحمير حتى يصلوا إلى وجهتهم، يشتكي مالكو العربات من ارتفاع تكاليف إطعام ورعاية الحمير التي نفقت أعداد كبيرة منها خلال العدوان الإسرائيلي الأخير.
بديل اضطراري
وتغيرت مهام الحمير في غزة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فبينما كان يخصص معظمها للعمل الزراعي ونقل مواد البناء والأثاث، أصبحت وسيلة أساسية لتنقل المواطنين، كما يقول الشاب معروف.
وأشار مالك العربة إلى أن تدمير قوات الاحتلال لقطاع واسع من المركبات العمومية والخاصة، وقصف معظم الشوارع والطرقات أدى إلى ارتفاع كلفة النقل، وبالتالي زاد استخدام الحمير التي تضررت أيضا في الحرب وتراجعت أعدادها بعد نفوق الكثير منها نتيجة الاستهداف المباشر، وتجويعها، وشح الأدوية البيطرية الخاصة بها.
ونوه معروف إلى أن المواطنين يلجؤون إلى العربات لنقل احتياجاتهم من الأسواق وفي تنقلاتهم بين المناطق، في وقت أصبحت فيه وسائل النقل الأخرى أقل توفرا وأكثر كلفة.
رصدت وسائل إعلام إسرائيلية قيام الجيش بنقل عشرات الحمير من قطاع غزة إلى داخل إسرائيل، ثم إلى ملاجئ حيوانات في فرنسا وبلجيكا بمزاعم "إنقاذها من ظروف قاسية".. تابع التفاصيل#رقمي #حرب_غزة pic.twitter.com/lexJKh37WQ
— الجزيرة فلسطين (@AJA_Palestine) July 16, 2025
بطء وكلفة زائدة
أما المواطنة وفاء الدرهلي فأمضت ما يزيد على عشر دقائق تنتظر على العربة قبل أن يكتمل عدد ركابها، وقالت: نضطر إلى استخدام العربات لعدم توفر السيارات، ولم يعد أمامنا سوى الحمير للوصول إلى سكننا في المناطق الشمالية الغربية من مدينة غزة التي تعرضت شوارعها ومبانيها لدمار كبير.
وأوضحت أن العربة لا تمثل حلا مناسبا بالنسبة لها بسبب بطء الحمار، خصوصا عندما تكون بحاجة إلى الوصول سريعا لإنجاز مهمة أو شراء احتياجات أساسية.
وطالبت بعودة وسائل النقل إلى العمل بصورة طبيعية وبأجور يستطيع المواطنون تحملها، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار متطلبات الحياة اليومية والمواصلات ضاعف الأعباء على الأسر.

كلفة الاقتناء
وبالتوازي مع أزمة النقل، ارتفعت كلفة تشغيل العربات، في ظل زيادة أسعار الحمير والأعلاف وصعوبة توفير العلاج البيطري.
ويشير أصحاب العربات إلى أن نفوق أعداد كبيرة من الحيوانات خلال الحرب، إلى جانب صعوبة إدخال حيوانات جديدة إلى القطاع، أسهم في انخفاض أعداد الحمير المتاحة للعمل وارتفاع أسعارها بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
وارتفع سعر الحمار في القطاع من نحو 1500 شيكل (نحو 500 دولار) قبل الحرب، إلى أكثر من 35 ألف شيكل (11.660 دولارا) اليوم، أي أكثر من 23 ضعف سعره السابق.
ويقول معاذ أبو عميرة -العامل على عربة- إن ارتفاع أسعار الحيوانات جعل شراء حمار جديد أمرا مكلفا، ليس بمقدور معظم من يتخذون الحمير مصدرا لدخلهم.
بعد 8 أشهر من الحرب.. كيف تحولت عربات الكارو التي تجرها الحمير إلى وسيلة النقل الشائعة وبتكلفة مالية باهظة في غزة؟ #حرب_غزة #الجزيرة_فيديو #رقمي pic.twitter.com/Fa3DrX3IY4
— الجزيرة فلسطين (@AJA_Palestine) May 26, 2024
عبء إضافي
ولا يقتصر ارتفاع الكلفة على شراء الحمير، إذ أصبح إطعامها عبئا إضافيا على أصحاب العربات، وصار توفير الأعلاف تحديا يضاف إلى كلفة إعالة الأسرة.
ويشير أبو عميرة إلى أن كلفة تغيير إطار واحد فقط للعربة -مستعملا وليس جديدا- يحتاج حاليا إلى 3 آلاف شيكل (نحو 1000 دولار)، مما يزيد التكاليف التشغيلية للحمار، بعدما كان ثمن الإطار قبل الحرب لا يتجاوز 250 شيكلا (نحو 83 دولارا).
ويلخص العامل المعضلة بالقول إن صاحب العربة أصبح مطالبا بتوفير الطعام لأسرته والحيوان الذي يعمل به، وكذلك تحمل جميع تكاليف علاج الحمار وصيانة عربته الباهظة، لأن توقف الحمار عن العمل يعني توقف مصدر رزقه.
نفوق ونقص في العلاج
من جهته، يعزو الطبيب البيطري محمد أبو وردة جانبا من حالات نفوق الحيوانات والدواجن إلى نقص الأدوية واللقاحات والأعلاف، مشيرا إلى أن القطاع يعاني منذ بداية الحرب من فقدان معظم الأدوية البيطرية الأساسية.
ويضيف أن نحو 99% من الأدوية البيطرية الأساسية مفقودة، بما يشمل المضادات الحيوية والمسكنات واللقاحات، التي لم تعد متوافرة بصورة كافية، مبينا أن نقص الأدوية تزامن مع أزمة الأعلاف وسوء التغذية، مما يزيد من أخطار إصابة الحيوانات ومنها الحمير بالأمراض ونفوقها.
وفق الطبيب البيطري فإن بعض أصحاب الحيوانات والأطباء يضطرون إلى الاعتماد على كميات محدودة من الأدوية التي كانت متوفرة قبل الحرب، رغم أن جزءا منها أصبح منتهي الصلاحية أو لم يعد من الأدوية الأساسية المطلوبة.
ولا تتوافر إحصائية رسمية توضح أعداد الحمير التي نفقت خلال الحرب. وكان تعداد زراعي فلسطين عام 2021 قد أفاد بوجود نحو 3560 حمارا في قطاع غزة.
يظهر ارتفاع أسعار الأعلاف حجم الأزمة التي يواجهها أصحاب الحيوانات، إذ يقول الطبيب البيطري أبو وردة إن سعر كيس الشعير (50 كيلوغراما) كان قبل الحرب يتراوح بين 60 و65 شيكلا (نحو 20 دولارا)، لكنه ارتفع خلالها إلى نحو ألفي شيكل (نحو 660 دولارا)، قبل أن يتراجع إلى نحو 170 شيكلا (نحو 56 دولارا) بعد توفر كميات جديدة.

إجلاء حمير
يؤكد أبو وردة أن الأولوية تتمثل في إدخال الأعلاف والأدوية واللقاحات البيطرية إلى القطاع، لحماية ما بقي من الثروة الحيوانية والإنتاج المحلي.
وبالنسبة لأصحاب العربات، فإن زيادة أسعار الأعلاف والأدوات والعلاجات تعني ارتفاع تكلفة كل رحلة، في وقت لا يستطيع فيه المواطنون تحمل أجور نقل مرتفعة، مما يجعل هامش الربح محدودا رغم ساعات العمل الطويلة.
ويقول أبو عميرة إن تكلفة بعض العلاجات نحو 500 شيكل (نحو 166 دولارا)، في حين يضطر أصحاب الحيوانات أحيانا إلى استخدام ما يتوفر لديهم من علاجات ومواد بسيطة للتعامل مع الإصابات.
جدير بالذكر أنه خلال الحرب على غزة أشارت تقارير إلى إجلاء عشرات الحمير من القطاع ونقلها إلى ملاذات آمنة في أوروبا، بينها نحو 50 حمارا نُقلت جوا إلى أوروبا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ولا يتوافر رقم رسمي شامل يحدد إجمالي الحمير التي أُخرجت من القطاع منذ بدء الحرب.
المصدر: الجزيرة
