أخبار وتقاريرمحلياتمقالاتومضات

التحريض الدموي على الفلسطينيين.. أين لجنة المتابعة؟

مهند مصطفى

أفترض أن من وظائف لجنة المتابعة حماية المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، على مستوى الأفراد والمجموعة. وفي حال لم تبادر إلى أيّ خطوة في هذا الصدد، في إطار المتاح، وهو واسع وكبير، فلا حاجة لها. وفي حال لم يبادر أعضاء لجنة المتابعة بمتابعة هذا الملف، الذي سأطرحه لاحقًا، فلا حاجة لأن يُزيّنوا مقاعد جلسات اللجنة، وليستغلوا وقتهم بعمل مفيد لهم شخصيًا. ليس موضوع هذا المقال القصير تقييم عمل ودور لجنة المتابعة، حتى لا يتحول إلى كلام مكرر، لا فائدة ولا طائل منه.

انتقل التحريض على الفلسطينيين في إسرائيل من دائرة التحريض “التقليدي” الذي تعودنا عليه وتعايشنا معه، وهو خطأ كبير، إلى دائرة التحريض الدموي، ذلك التحريض الذي يشبه تحريض النظام النازي في ألمانيا في الثلاثينيات، من خلال ماكينة دعايته الإعلامية على اليهود في ألمانيا وأوروبا. ليس هنالك فرق بين الماكينة الإعلامية النازية ضد اليهود، وبين الماكينة الإعلامية التحريضية الحالية على الفلسطينيين. ليست هذه مقولة دعائية، بل هي مقاربة تاريخية ونظرية متأنية، يشاركني فيها العديد من الأكاديميين اليهود الإسرائيليين وغير الإسرائيليين. ليس للنظام في إسرائيل ماكينة دعائية رسمية، ولكن لديه قنوات تحرّض، ومن تستضيفهم، على الفلسطينيين، كما كان يحرض النازيون على اليهود قبل إبادتهم، ويشترك في هذا التحريض سياسيون ووزراء رسميون أيضًا.

لا تهدف هذه الماكينة إلى تبنّي أدوات الإبادة النازية، بل تتبنى مفردات وجوهر الخطاب النازي، وهي تهدف إلى إبادة سياسية، وبناء نظام بنيوي كامل من التمييز يتحول لاحقًا إلى ممارسات إدارية، وفي النهاية قانونية. هذا النظام يسمى فصلًا عنصريًا، وهو قائم إجرائيًا في إسرائيل. فوزير الأمن القومي التافه، أبو التماسيح، الذي نشرتُ عنه، وعن حزبه، مؤخرًا دراسة أكاديمية بيّنت خلالها اشتراك أفكاره مع حركات النازية الجديدة في أوروبا وأستراليا وأمريكا، يُمارس نظام فصل عنصري إجرائيًا، من خلال التنفيذ وليس القانون، ولا يختلف خطابه عن حركات النازية الجديدة في أوروبا (راجع دراستي في “مدى الكرمل”).

السكوت على التحريض الدموي هو تواطؤ معه، ومشاركة في تطبيعه، وتحويله إلى خطاب طبيعي، وسوف يتحول إلى سياسات؛ في البداية ستكون غير رسمية وإجرائية، وبعدها إلى سياسات رسمية، فضلًا عن أنها سوف تتحول إلى ثقافة شوارعية غوغائية، تُعمّق من ثقافة ممارسة العنف ضد الفلسطينيين، وتشجّع على تنفيذ ممارسات إدارية ضدهم في المؤسسات المختلفة.

وظيفة لجنة المتابعة هي تحدي هذا التحريض، والوقوف ضده بمثابرة، ومواجهته قضائيًا وإعلاميًا ودوليًا.

ينفذ موقع “موطني 48” عملًا رائعًا في توثيق التحريض على القنوات الإسرائيلية التي تدخل في إطار التحريض الدموي، والحث على ممارسة العنف المؤسسي والفردي ضد الفلسطينيين.

لا أتحدث عن تحريض “تقليدي”، بل عن تحريض أصنّفه بالتحريض النازي على الفلسطينيين. هنالك قنوات معروفة صدر عنها تحريض نازي على الفلسطينيين، واستضافت شخصيات حرّضت على الفلسطينيين، كما كانت تحرّض أبواق النظام النازي على اليهود في أوروبا.

لن أتحدث هنا عن تفاهة هذه الشخصيات العنصرية، وجهلها، وضحالة ثقافتها، كما تتميز بها قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، التي تتوارث الجهل بتاريخ اليهود جيلًا بعد جيل، لدرجة أن كراهيتها للفلسطيني، وكراهية نجاحه وتقدمه بسبب مثابرته وجهده، من سائق الحافلة، مرورًا بالموظف والمقاول، وصاحب المهنة الصناعية، وانتهاءً بمدير قسم عربي في مستشفى، حوّلت خطابهم العدائي والعنصري والحاقد والحاسد إلى خطاب شبيه بالخطاب النازي ضد اليهود في بداية صعود الحزب النازي في أوروبا. فكيف “للسيد” اليهودي أن يكون أقل نجاحًا من الفلسطيني، وهو “صاحب البيت”؟

لذلك، على لجنة المتابعة أن تأخذ هذا الموضوع كمشروع وطني، والتصدي له وملاحقته من خلال ثلاثة مسارات:

أولًا: مسار قضائي: بناء طاقم حقوقي وقانوني، ليس بالضرورة حكرًا على مؤسسات فاعلة في هذا المجال، يعمل هذا الطاقم على بناء دعوى قضائية متكاملة ضد القنوات والشخصيات التي حرّضت على الفلسطينيين بهذا المستوى من التحريض، وملاحقتهم قضائيًا.

ثانيًا: مسار إعلامي دولي، وحتى إسرائيلي: يهدف إلى كشف تغلغل الأفكار النازية في خطابات إسرائيلية، وخطورتها على الفلسطينيين، وتواطؤ كل مؤسسات الدولة مع هذا الخطاب، الذي يصدر حتى عن سياسيين، وتواطؤ الشرطة ومؤسسات إنفاذ القانون وجهاز الأمن العام (“الشاباك”، الذي من المفروض، حسب القانون، الحفاظ على النظام الديمقراطي ـ للسخرية)، والذي لا يفعل أي إجراء ضد هؤلاء المحرّضين. ولو كانوا فلسطينيين، لأعتقلهم جميعًا. هذا هو نظام فصل عنصري إجرائي عملي.

كما يحدث في الضفة الغربية، لا يتم اعتقال إرهابيين يهود، ولو كانوا فلسطينيين لتم قتلهم جميعًا. لا يحتاج نظام الفصل العنصري إلى قانون فصل عنصري، بل يحتاج إلى ممارسات فصل عنصري بقوة المؤسسات السياسية، ووجود دعم شعبي لها، وتواطؤ وصمت وجبن مؤسسات إنفاذ القانون.

ثالثًا: مسار أكاديمي: يُساهم هذا المسار في كتابة أوراق بحثية حول المقاربة النازية للخطاب التحريضي على الفلسطينيين. فعلت ذلك في دراستي الأخيرة حول وزير الأمن القومي التافه، أبو التماسيح، وحزبه. يهدف هذا المسار إلى إمداد المسارين الأوليين بدراسات أكاديمية حول تطور الخطاب التحريضي ضد الفلسطينيين، وهنالك أكاديميون يهود إسرائيليون وغير إسرائيليين قد يكونون مستعدين للمساهمة في ذلك، وذلك بحكم تخصصهم ومعرفتهم بهذا الموضوع.

هذا مقترح، وهنا دور لجنة المتابعة. إذا لم تتحرك، وليس بالضرورة بناءً على مقترحي، فمن الممكن تقديم مقترح آخر، ولكن الفكرة هي التحرك، ووضع الموضوع كقضية مركزية. إذا لم تفعل ذلك، فلا حاجة لها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى