أخبار وتقاريرمقالاتومضات

اتفاق مكة.. “NATO” إسلامي جديد أم تحالف لفرض نفوذ جديد في المنطقة؟

الإعلامي أحمد حازم

في الثامن والعشرين من شهر مايو/أيار هذا العام، كتبت مقالًا بعنوان: “هل تستطيع السعودية التغريد خارج السرب الأمريكي؟”، تساءلت فيه عما إذا كانت دولة الحرمين الشريفين بإمكانها أن تخطو أي خطوة باتجاه تحالف عسكري دون ضوء أخضر من واشنطن.

وفي الرابع والعشرين من شهر يناير/كانون الثاني هذا العام، كان عنوان مقالي الأسبوعي: “تحالف ثلاثي إسلامي استراتيجي.. هل يغيّر موازين القوى في المنطقة والعالم؟”. قلت فيه إن التحالفات والأحلاف العسكرية موجودة في العالم منذ زمن طويل، حيث شهدت الحرب العالمية الثانية (1939–1945) تشكُّل تحالفين رئيسيين: دول المحور (ألمانيا، إيطاليا، اليابان) في مواجهة دول الحلفاء (بريطانيا، الولايات المتحدة، الاتحاد السوفيتي، الصين وفرنسا). وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء، ظهر حلفان عسكريان بين الشرق والغرب؛ أي بين الشيوعية من جهة، بزعامة الاتحاد السوفيتي وتكتل أوروبا الشرقية، والرأسمالية من جهة أخرى، بزعامة الولايات المتحدة وتكتل أوروبا الغربية. وفي تلك المرحلة تأسس حلف وارسو العسكري (الشرقي) وحلف شمال الأطلسي (الناتو) الغربي.

في ظل الأحداث السياسية والتوترات التي تشهدها المنطقة، والخطوات التي تتخذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحركات الإسلامية، ظهر تحالف إسلامي جديد قد يغيّر وجه المنطقة، وربما العالم أيضًا. ففي شهر أيلول/سبتمبر من العام الماضي، وخلال زيارة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى السعودية، تم توقيع اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك بين السعودية وباكستان، تنص على أن أي هجوم خارجي مسلح على أحد البلدين يُعدّ هجومًا على كليهما.

هذه الخطوة، التي وُصفت بالتاريخية، تحمل أبعادًا استراتيجية عميقة، ولم تأتِ من فراغ، بل هي امتداد لعلاقات بين البلدين يزيد عمرها على ثمانين عامًا، وتحمل رسائل واضحة للمنطقة والعالم. وقد قالت قناة “سكاي نيوز عربية” إن الاتفاقية تمثل أرضية لمشروع الأمن القومي العربي، وإن التوقيع مع باكستان، بوصفها دولة نووية، يضفي على الاتفاق ثقلًا إضافيًا في ميزان الردع، في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة.

اتفاقية الدفاع المشترك انضمت إليها تركيا. ولم يكن هذا الاتفاق في مكة مفاجئًا، بل كان متوقعًا في ظل تطور الأحداث الأمنية والسياسية في المنطقة. هذا الاتفاق هو تحالف دفاعي ثلاثي، يعني في المفهومين السياسي والأمني أن أي هجوم على إحدى الدول الثلاث هو هجوم على الدول الثلاث. لا ينبغي الاستهانة بالاتفاقية الدفاعية التي أُبرمت بين السعودية وباكستان وتركيا في مكة المكرمة في السابع من أغسطس/آب. فهي تُعدّ نتيجة رئيسية للهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في الثامن والعشرين من فبراير/شباط، والذي أخلّ بالتوازنات القائمة منذ زمن طويل في الشرق الأوسط.

هذه الاتفاقية تمنح السعودية حماية تتجاوز شراكتها الأمنية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، كما تعزز الاتفاقية الردع السعودي وتشكل جبهة عسكرية موحدة بقيادة سنية في مواجهة التهديد الإيراني المتصاعد. كما تأتي في وقت توسع فيه إسرائيل نطاق تحركاتها العسكرية في المنطقة، بينما تشهد العلاقات بين الرياض وجارتها الإمارات العربية المتحدة حالة من التوتر.

هذا الاتفاق يجمع ثلاث قوى إقليمية قررت توحيد جهودها المتكاملة: تركيا تمتلك جيشًا متمرسًا وخبرة في مجال الطائرات المسيّرة، وهو سلاح اكتسب أهمية استراتيجية في أوكرانيا، ولا تزال باكستان حتى اليوم القوة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية، ويمكن للسعودية أن تُتيح لهذا التحالف الناشئ جزءًا من العائدات الهائلة التي تجنيها البلاد من ثروتها النفطية الضخمة.

يُحاكي هذا التحالف، كما يراه محللون، نموذج حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وينص على أن أي هجوم مسلح خارجي ضد أي من الدول الثلاث الموقعة عليه يُعتبر هجومًا على جميع الدول. وعلى الرغم من أنه لا يستهدف دولة بعينها، إلا أنه لا يُمكن أن يُرضي إيران ولا إسرائيل.

بشكل عام، فإن الاتفاقية الموقعة في مكة تمثل رسالة تحذير لطهران: فشن أي هجوم كبير آخر على السعودية قد يؤدي إلى تفعيل بنود الاتفاقية، ويجرّ باكستان وتركيا إلى الصراع، ويؤدي إلى توسيع نطاق الحرب بشكل كبير.

وليس من المستبعد أن تبحث إسرائيل عن تعميق علاقاتها مع الهند واليونان وقبرص، والهند ستحتاج إلى موازنة صعود باكستان وتركيا، فيما ستسعى إيران إلى منع تحول الحلف إلى منصة لاحتوائها، وربما تستخدم علاقاتها مع باكستان وتركيا لتفكيك أي اتجاه عدائي داخله.

صحيفة “معاريف” فاجأت قراءها قبل فترة بمقال لخبير سعودي اسمه مبارك العاطي، يقول فيه إن السعودية تعمل على تعزيز تحالف جديد مع باكستان وتركيا وقطر، لتشكيل كتلة عربية-إسلامية جديدة، مع تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة ومحاولة كبح النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى