غزة.. حين يصبح البقاء معركة مع تفاصيل الحياة

في غزة، لم تعد المخاطر التي تهدد السكان مرتبطة فقط بما يحدث في الميدان، بل بما تركته الحرب خلفها من منظومة متداعية يصعب تشغيلها أو إصلاحها.
فالحياة اليومية باتت محكومة بسلسلة من الأزمات المتشابكة؛ تعطل خدمة ينعكس على أخرى، ونقص مادة واحدة قد يوقف جزءًا كاملًا من الخدمات التي يعتمد عليها السكان.
مستشفى يعمل بنصف القدرة.. ومريض يدفع الثمن
داخل المستشفيات، لا تبدو الأزمة في شكل نقص دواء فقط، وإنما في تراجع القدرة على تقديم الخدمة أصلًا. فالأكسجين، والمختبرات، والمعدات الطبية، وقطع الغيار، كلها أصبحت حلقات في سلسلة واحدة من الاستنزاف.
وتشير المعطيات إلى أن 12 محطة أكسجين فقط من أصل 34 لا تزال تعمل، فيما لا يعمل سوى 4 أجهزة من أصل 30 جهازًا، في وقت يحتاج فيه مرضى الحالات الحرجة إلى إمداد مستمر لا يحتمل الانقطاع.
وتتسع الفجوة لتشمل الأدوية والمستلزمات، مع عجز يبلغ 47% في الأدوية، ونسب أعلى في أدوية السرطان والدم وصحة الأم والطفل وأدوية الكلى، إضافة إلى نقص كبير في المواد المخبرية الضرورية للتشخيص والمتابعة.
حين يصبح إصلاح العطل أصعب من احتمال العطل
المشكلة الأكبر أن المؤسسات التي يفترض أن تعالج الأزمات نفسها تعاني من أزمة تشغيل.
نقص قطع الغيار والزيوت والمعدات، إلى جانب صعوبة إدخال المواد اللازمة للصيانة، يجعل الأعطال أكثر خطورة؛ لأن إصلاحها لم يعد إجراءً روتينيًا.
وهكذا تتحول الآلة المعطلة إلى خدمة متوقفة، والخدمة المتوقفة إلى مشكلة تمس آلاف الأشخاص.
المياه.. ما يصل إلى الناس أقل مما يحتاجونه
بعيدًا عن المستشفيات، تتراجع قدرة شبكات المياه على تلبية احتياجات السكان.
ففي خانيونس تعرض نحو 75% من النظام المائي للدمار، بينما تواجه عشرات الغواطس والمرافق المائية صعوبات تشغيلية.
ومع تراجع الشبكات، يعتمد السكان بصورة أكبر على المياه المنقولة بالشاحنات، وهي عملية تحتاج إلى وقود ومركبات ومصادر تمويل، ما يجعل الوصول إلى المياه مرتبطًا بسلسلة طويلة من الاحتياجات التي يصعب تأمينها باستمرار.
الصرف الصحي.. الخطر الذي لا يظهر فورًا
قد لا يبدو تعطل آلية لشفط مياه الصرف الصحي أزمة في لحظتها الأولى، لكن تأثيرها يتضاعف سريعًا في المناطق المكتظة.
فالآليات التي تنظف الشبكات وتتعامل مع الطفح الصحي تحتاج إلى وقود وزيوت وقطع غيار. ومع تعطلها، ترتفع احتمالات تجمع المياه العادمة في الشوارع وبين أماكن إقامة النازحين، لتتحول الأزمة الخدمية إلى تهديد صحي وبيئي.
النفايات تتقدم.. والبلديات تتراجع
في مدينة مدمرة، تصبح عملية جمع النفايات أكثر من مجرد خدمة بلدية. إنها خط دفاع عن الصحة العامة.
لكن قدرة البلديات على جمع وترحيل النفايات ورفع الركام تتآكل في ظل نقص المعدات والوقود ومواد الصيانة.
وفي أيار/مايو الماضي، تحدثت الأمم المتحدة عن وصول ارتفاع تراكمات النفايات في موقع مؤقت بمدينة غزة إلى نحو 14 مترًا، فيما قدرت تراكم نحو 470 ألف متر مكعب من النفايات في جنوب القطاع.
ومع استمرار التراكم، لا تبقى المشكلة محصورة في الرائحة والمشهد، بل تمتد إلى الحرائق والقوارض والحشرات والتلوث وانتشار الأمراض.
الركام.. مدينة محاصرة بما تبقى من مبانيها
الركام في غزة ليس مجرد آثار للمباني التي دمرت. إنه عائق أمام فتح الطرق، وإيصال الخدمات، والوصول إلى المناطق السكنية، وإعادة تشغيل شبكات المياه والصرف الصحي.
ومع كل تأخير في إزالته، تتسع دائرة التعطيل؛ فالطريق المغلق يؤخر مركبة الإسعاف، والركام المحيط بشبكة مياه يعطل إصلاحها، ومخلفات المباني تضيف عبئًا جديدًا على البلديات التي تعاني أصلًا من نقص الإمكانات.
الأزمة واحدة.. لكن وجوهها كثيرة
ما يحدث في غزة لا يمكن فصل أزماته عن بعضها. نقص الوقود يعرقل النقل وتشغيل الآليات، ونقص قطع الغيار يطيل عمر الأعطال، وتعطل المياه يرفع الحاجة إلى الصهاريج، وتراجع خدمات الصرف الصحي يزيد المخاطر الصحية، بينما يؤدي تراكم النفايات والركام إلى خلق بيئة أكثر خطورة.
حين يصبح الحد الأدنى من الحياة إنجازًا
في غزة، لم تعد المعركة اليومية تقتصر على البحث عن مكان آمن أو الحصول على الغذاء والدواء؛ بل باتت تمتد إلى تفاصيل تبدو في الظروف الطبيعية بديهية: ماء يمكن الوصول إليه، مستشفى قادر على تشغيل أجهزته، شارع يمكن فتحه، نفايات يمكن جمعها، وشبكة صرف صحي يمكن صيانتها.
ومع تآكل هذه الخدمات واحدة تلو الأخرى، يصبح السؤال أبعد من كيفية إعادة إعمار المباني؛ إذ يتعلق بكيفية إعادة تشغيل منظومة حياة كاملة فقدت كثيرًا من مقوماتها.
