لجنة المتابعة.. من إدارة الواقع إلى قيادة التغيير

المحامي علي حيدر
هنالك ثلاث سمات أساسية تنطبق على حالة الفلسطينيين في الداخل، كما تنطبق بدرجات متفاوتة على مجمل المؤسسات الفلسطينية الجامعة للشعب الفلسطيني، وهي: غياب قيادة سياسية موحدة للمجتمع الفلسطيني، ووجود أزمة تمثيل وطني نتيجة ضعف المؤسسات الوطنية واستقطابها وانقسامها، وغياب المرجعيات الوطنية الواضحة والرؤى المستقبلية المتفق عليها.
إلى جانب ذلك، تبرز إشكالية محدودية الموارد المادية والبشرية، وتعثر محاولات تحديث البنية التنظيمية للجنة المتابعة نتيجة الاختلافات السياسية والمصالح الحزبية والحركية، والفروق في الرؤى المستقبلية وأساليب تنظيم الجماهير العربية واستراتيجيات التعامل مع الدولة والمجتمع اليهودي.
لقد أُقيمت لجنة المتابعة قبل أربعة عقود، في سياق سياسي واجتماعي معين، وبدأت كلجنة متابعة تصوغ موقف الجماهير العربية من القضايا الطارئة، واقتصر دورها في مراحلها الأولى إلى حد كبير على ردود الفعل والمبادرة إلى إحياء المناسبات الوطنية. وبالرغم من الإنجازات المتعددة التي حققتها، لم تطرأ خلال هذه الفترة تطورات جوهرية على غاياتها أو بنيتها التنظيمية، كما أنها لم تنجح في بلورة رؤى وبرامج جماعية تتعاطى مع تطلعات المجتمع، رغم وجود برامج سياسية لدى كل واحد من مركباتها.
وطورت اللجنة ومركباتها أنماط عمل وثقافة سياسية اتسمت في كثير من الأحيان بالتكرار أكثر من التطور والتغيير، ووُضع جزء كبير من الجهد في استراتيجية الاحتجاج بوصفها إحدى أدوات العمل المركزية. كما أثرت النزاعات الحزبية والخلافات الشخصية في هيبة اللجنة، وانعكست على مستوى شرعيتها وثقة الجمهور بها.
ومن هنا، وفي ضوء التغيرات التي طرأت على السياق المحلي والإقليمي والدولي، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة جدية لدور لجنة المتابعة ومكانتها وبنيتها، وإلى إجراء عملية تخطيط استراتيجية شاملة تفضي إلى الاتفاق على مشروع سياسي فلسطيني موحد ومركزي، مع احترام الشرعية التعددية، وإلى تطوير بنية تنظيمية قادرة على حمل هذا المشروع.
لا خلاف على ضرورة وجود جسم تمثيلي وحدوي وقيادي يعكس مختلف التوجهات في المجتمع، إلا أن الوضع القائم يفتقر إلى ميثاق ونظام واضحين يحددان المبادئ الأساسية، وآليات اتخاذ القرارات وطرق تنفيذها وتقييمها، كما أن المجتمع نفسه لم يشارك بصورة مباشرة في تحديد كيفية تركيب اللجنة وصلاحياتها، رغم أن جزءًا من أعضائها منتخبون، سواء أكانوا رؤساء سلطات محلية أم أعضاء كنيست.
ومن هذا المنطلق، يمكن طرح صيغة أولية لتغيير الوضع القائم وتجاوزه، تقوم على مرحلتين:
المرحلة الأولى: المرحلة الانتقالية والتأسيسية
تتمثل في تأسيس مجلس أعلى للجماهير العربية، وإقامة أطر وتنظيمات واتحادات مهنية وأهلية تجمع بين الهوية الوطنية والمهنية، وتنتخب بصورة ديمقراطية، وتمثل في هذا المجلس إلى جانب رؤساء السلطات المحلية والأحزاب والحركات السياسية، بما يعزز ارتباطه بالقوى الشعبية والمجتمعية.
وفي هذه المرحلة أيضًا، تتم صياغة ميثاق ونظام واضحين يتضمنان المبادئ الأساسية، وآليات العمل المقترحة، وطريقة انتخاب المجلس، وصلاحياته ومرجعيته. ويُعرض الميثاق على استفتاء عام، ثم تتم المصادقة عليه من أبناء المجتمع العربي.
ومن الضروري أن تجري النقاشات في هذه المرحلة الانتقالية والتأسيسية بصورة علنية وديمقراطية، وأن يشارك فيها مختلف أطياف المجتمع. ويمكن أن تمتد هذه المرحلة، وفق هذا التصور، بين ثلاث وخمس سنوات.
المرحلة الثانية: الانتخاب المباشر
تتمثل في انتخاب مجلس أعلى للجماهير العربية بانتخابات مباشرة وديمقراطية، وفق الميثاق المصادق عليه، بما يعكس مختلف الشرائح والتوجهات في المجتمع. ويجري تنظيم تداول التمثيل وفق الفترات التي يقرها الميثاق، وتناقش القضايا بصورة علنية، ويكون للممثلين حضور دائم وفاعل في المجلس، ضمن بنية تنظيمية عملية وفعالة.
ويهدف هذا التصور إلى خلق مركز للحراك السياسي والاجتماعي والجماهيري العربي، بحيث لا يبقى البرلمان الإسرائيلي وحده مركز الفعل السياسي، بل يصبح التمثيل فيه إحدى استراتيجيات العمل ضمن منظومة أوسع، بينما تكون للمجتمع نفسه مؤسساته وأطره التمثيلية الجامعة.
ولا يعني هذا الاقتراح التخلي عن المواطنة أو الانفصال عن الأطر العامة والمشتركة في الدولة، وإنما يهدف إلى خلق فضاءات أخرى للتعاطي مع قضايا المجتمع، سواء تلك الملحة والراهنة، مثل العنف والحكم المحلي، أو القضايا الاجتماعية والاقتصادية، كالسكن والأرض والتعليم والعمل والصحة وجودة الحياة، أو القضايا المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومكانة المجتمع العربي في البلاد، والتواصل مع الشعب الفلسطيني، ومسألة الهوية وتعريف الدولة.
إن الترابط بين هذه القضايا، ووجود قيادة جماعية موحدة، وتنظيم متماسك، ورؤية جماعية، من شأنه أن يضع أسسًا لمشروع وطني، ويتيح صياغة استراتيجيات لتنفيذه، بما يفتح الطريق أمام نهضة شاملة تضمن الحقوق الفردية والجماعية، المدنية والقومية.
ولا يمكن أن يحدث هذا التغيير من دون وعي بضرورته. لذلك، فإن بلورة الوعي السياسي تمثل مقدمة أساسية لإحداث التغيير، وترشيد النظم والأداءات، والتغلب على المعيقات البنيوية والعملية وتجاوزها، وصولًا إلى بناء مركز حراك عربي جدي وفاعل.
وفي هذا السياق، ينبغي أن تحظى لجنة المتابعة العليا بالمكانة والدور اللذين يتيحان لها القيادة والمبادرة، وأن تكون مرجعية لترشيد الحالة الوطنية ومعالجة الخلافات والتوترات بين مركباتها، بما يحفظ هيبة اللجنة ويعزز الثقة بينها وبين الجماهير. فهي الهيئة العليا والجامعة، وصاحبة الصلاحية في التعبير عن الموقف الجماعي العربي في الداخل.
أما فيما يتعلق بميثاق الشرف، فإن الأهم هو الاتفاق على مرجعيات ومنطلقات وطنية ورؤى مستقبلية، والالتزام بالثوابت الوطنية والعمل على المحافظة عليها وترجمتها إلى واقع ملموس، ولا سيما في هذه المرحلة التي جرى فيها، بحسب هذا الطرح، تمييع وخفض سقف الخطاب الوطني، وتراجع وضوح الممارسة السياسية، وتشتيت الجهد الجماعي، وترسيخ أوهام بإمكان تحقيق تحولات جوهرية من داخل الكنيست وحدها.
وقد انعكس ذلك، وفق هذا التصور، في تراجع ثقة الجمهور بالسياسة وتغلغل بعض الأحزاب الصهيونية في المجتمع العربي. وهذه تحديات لا يمكن التعامل معها بصورة فردية أو حزبية، وإنما تحتاج إلى معالجة جماعية وأخلاقية، وإلى مرجعية وطنية واضحة، وميثاق يحدد الثوابت والمنطلقات والقواعد التي تحكم العمل السياسي والعلاقات بين مركبات المجتمع.
إن إعادة بناء المرجعية الوطنية ليست مسألة تنظيمية فحسب، وإنما هي حاجة سياسية ومجتمعية. والمطلوب ليس إلغاء التعددية، بل تنظيمها ضمن إطار جامع، وليس إنهاء الاختلاف، بل إدارة الاختلاف بما يحفظ وحدة المجتمع ويصون قضيته ويعيد بناء الثقة بين مؤسساته وجمهوره.
