معركة الوعي (297) افتراءات الكتَبَة الكذبة حول موقع المسجد الأقصى المبارك (1-2)
حامد اغبارية
- 1.
منذ احتلاله عام 1967، تبذل مؤسسات الاحتلال المختلفة كل جهد، وتتبع كل وسيلة، وتبحث بـ”سراج وفتيلة” عن أي أثر لإثبات ما تنفي كل الأحداث وسجلّات التاريخ، والمصادر الدينية وجوده، من أن لهم موطئ قدم في المسجد الأقصى المبارك، بزعم أنه قائم على أنقاض ما يزعمون أنه هيكلهم الثاني، والذي يسعون اليوم إلى إعادة بنائه على أنقاض مسجدنا تحت مسمى “الهيكل الثالث”!
- 2.
منذ ذلك الوقت نبش الاحتلال كل حجر في المسجد الأقصى، وحفر تحت كل جدار، وحفر عشرات الأنفاق، واستخدم علم الآثار والتكنولوجيا الحديثة، ليعثر على أثر أو شبه أثر يتعلق بما يزعمون أنه هيكلهم، لكنه فشل في إثبات أية علاقة كهذه، لا من قريب ولا من بعيد، ولا حتى على سبيل الشبهة والظن. فقد تساقطت الأوهام كلها وتحطمت أحلام الاحتلال على صخرة المسجد الأقصى.
فعل الاحتلال ذلك وهو المسيطر بقوة الاحتلال على كل شيء، فلا أحد يستطيع أن يمنعه، ولا من يتصدى لجرائمه في أولى القبلتين، وكان معه كل الوقت وكل الإمكانات المتاحة ليثبت تلك العلاقة، لكنه فشل. لماذا؟! لأنه لا يوجد شيء مما يزعمون. وها قد مرت نحو ستة عقود دون نتيجة أو أثر.
- 3.
لكن الاحتلال لم ييأس ولم يتراجع، ولم يعترف بالحقيقة، وسدر في غِيّه، طمعا في لحظة يتمكن فيها من اختراع كذبة أو حزمة أكاذيب يروج لها في كل مكان، حتى يتحين فرصة الانقضاض على المسجد في غفلة من العالم، وفي فترة سبات عميق تغط فيه أمتنا الإسلامية منذ ما يزيد على قرن من الزمن.
- 4.
ومن أجل ذلك جنّد الاحتلال، بوسائله المختلفة، كتائب من الأقلام المأجورة في المجتمعات الإسلامية على وجه الخصوص، بهدف الترويج لروايات مضللة، لتقول للعامّة إن المسجد الأقصى الذي يتحدث عنه القرآن الكريم والسنة النبوية ليس هو المسجد الموجود في القدس المحتلة، وإنما هو في مكان آخر، وبالتالي فإن المسلمين يعتدون على حق بني إسرائيل بادعائهم أن الأقصى هو الموجود في القدس، ومن ثَمّ يحرمون مساكين بني إسرائيل من استرداد حقهم التاريخي والديني!!
- 5.
عثر الاحتلال على جواسيس وخونة ممن ينتمون إلى جُند الشيطان في المجتمعات العربية والإسلامية ليشاركوه في الترويج لأكاذيبه وأضاليله حول المسجد الأقصى المبارك. فوجدوا مِنهم مَن يفترون على الله الكذب ليبُثّوا بين الناس، تحت غطاء “مؤرخ” مضلل، و”باحث” كذاب، و”مختص في الآثار” مزوّر لروايات ما أنزل الله بها من سلطان. كل هذا ليثبتوا للاحتلال حقا في الأقصى المُغتصب!
- 6.
ومن الروايات المضلِّلة التي يروج لها الاحتلال وأقلامه المأجورة، مقولة إن المسجد الأقصى مقصود به فقط البنايات القائمة (المسجد القبلي ومسجد قبة الصخرة)، وإن هذه الأبنية أنشئت في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان وابنه الوليد بن عبد الملك، وإنه قبل ذلك لم يكن هناك مسجد في تلك البُقعة!
ومن المفارقات العجيبة أنني، قبل أسابيع، تصفحت أحد المواقع التي تروج لافتراءات الاحتلال والمشروع الصهيوني والصليبية الصهيونية حول المسجد الأقصى (وحول الإسلام والقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم)، وهو موقع باللغة الإنجليزية يحمل اسم (قورا)، وله نسخة بالعبرية تحمل اسم (ليقط قورا) تتحدث فيه إحدى “الأكاديميات” الإسرائيليات عن هذه المسألة، مدعية أن الأقصى بني على أنقاض الهيكل المزعوم في عهد الأمويين، وأنه لم يكن معروفا عند المسلمين قبل ذلك!! ودار بيننا نقاش حول هذه المسألة، ثم تبين لي أثناء النقاش أنني أعرفها من قبل، ليتضح أنها درستني مادة (التاريخ الإسلامي) في الجامعة مطلع الثمانينات. كانت سُجاحيّة المذهب، سليطة اللسان على الإسلام وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القرآن الكريم، وكانت تتهمه بما اتهمه به مشركو قريش وأكثر! وكان يدور بينها وبيننا (من الطلاب المسلمين) جدال حادّ حول سفاهاتها وافتراءاتها وتزويرها لتاريخنا وحضارتنا في سمفونيات حقد لا يمكن وصفه بالكلمات. وقد وجدتُ فيما كتبته تلك “الأكاديمية” في ذلك الموقع المضلِّل، نسخة طبق الأصل وأسوأ من تاريخها “الأكاديمي” أيام الجامعة!!
- 7.
تعلم تلك “الأكاديمية” حقيقة الأمر، كما يعلمها أولئك المأجورون الذين يخدمون أجندة الاحتلال وروايته المزورة بخصوص المسجد الأقصى (وغيره من القضايا بطبيعة الحال)، لكنهم يصرّون على ترديد نفس الروايات لعلهم يجدون من يصدقها ويروج لها، أو لعلهم على الأقل يُدخلون العامّة في دوامة الشك! وهذا من الأمور الخطيرة التي يجب علينا أن نتصدى لها بكل ما نملك من حقائق ومن سند تاريخي وحضاري وديني. فالمعركة على الوعي وعلى الرواية أخطر أضعافا مضاعفة، وأهم عشرات الأضعاف من كلّ معركة أخرى.
يعلم هؤلاء أن “المسجد” في الإسلام لا يعني البناء الحجري المسقوف، وإنما هو المكان من الأرض الذي يُحوّل إلى مسجد بأمر إلهي، أو بوحي، أو بوقفية. وهذا شأن المسجد الأقصى الذي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثاني مسجد على الأرض بعد المسجد الحرام، وأنه كان بعد المسجد الحرام بأربعين عاما. فهو تلك البقعة المباركة الممتدة على مساحة 144 دونما، وموقعه في المدينة المقدسة في بيت المقدس في فلسطين، قلب بلاد الشام، التي فتحها خليفة المسلمين العادل الفاروق عمر بن الخطاب في العام الخامس عشر الهجري (636 م). وكل بقعة في تلك المساحة هي مسجد. هذه هي الحقيقة التاريخية، رغم أنف المزورين والكذابين والأقلام المأجورة من جند إبليس الذين يعيشون في المجتمعات العربية والإسلامية. أما ما فعله خليفة المسلمين عبد الملك بن مروان وابنه الوليد بن عبد الملك، ومن جاء بعدهما من خلفاء عباسيين ومن مماليك وأيوبيين، فهو أنهم رمموا وطوّروا ووسعوا بناء المسجد المعروف عندنا باسم “المسجد القبلي” بقبته الرصاصية الشهيرة، وأضافوا غيره من المعالم الكثيرة التي أنشئت في حقب مختلفة اعتبارا من سنة 705 م.
في القسم الثاني من المقال سيكون الحديث عن الفرية الأكبر، والتي تتعلق بموقع المسجد الأقصى وافتراءات المستشرقين الصهاينة والصليبيين وعبيدهم من أتباع الشيطان الذين يعيشون في المجتمعات الإسلامية؛ أمثال موطي كيدار ودانييل بايبس ويوسف زيدان، وما علاقة الواقدي وكتابه “المغازي” في هذه المسألة (يتبع).
