تقرير: أزمة السكن والعنف تدفعان آلاف العرب إلى المدن اليهودية

كشف تقرير جديد أصدره معهد “فان لير” للدراسات المتقدمة في القدس عن تحوّل متسارع في أنماط السكن لدى المواطنين العرب في البلاد، تمثل بارتفاع كبير في أعداد العائلات التي غادرت بلداتها العربية للسكن في مدن يهودية خلال العقدين الأخيرين، في ظل أزمات متفاقمة تتعلق بالسكن، والعنف والجريمة، وجودة الحياة.
وأظهرت معطيات التقرير أن عدد المواطنين العرب المقيمين في المدن اليهودية ارتفع من نحو 16 ألف نسمة عام 2003 إلى نحو 62 ألفًا عام 2023، أي بزيادة بلغت 293%، فيما يتركز قرابة نصفهم في لوائي حيفا والشمال، في مؤشر على تغيّر ملحوظ في الخريطة السكنية للمجتمع العربي.
قفزة كبيرة
وبيّنت الدراسة أن مدينتي نوف هجليل وكرمئيل تتصدران قائمة المدن التي استقطبت المواطنين العرب خلال السنوات الأخيرة.
ففي نوف هجليل بلغ عدد السكان العرب نحو 17 ألف نسمة عام 2023، ليشكلوا 38.1% من إجمالي سكان المدينة، فيما ارتفع عددهم في كرمئيل من 469 مواطنًا عام 2003 إلى 2437 مواطنًا عام 2023، بنسبة نمو تجاوزت 420%، وباتوا يشكلون 5.1% من سكان المدينة.
كما سجلت مدينة حيفا ارتفاعًا في عدد السكان العرب من نحو 24.5 ألفًا إلى قرابة 39 ألفًا، بينما ارتفعت نسبتهم في عكا من 25.2% إلى 33.8%.
وأشار التقرير إلى أن هذه الأرقام لا تشمل المواطنين الذين انتقلوا فعليًا للسكن في بلدات يهودية، لكنهم أبقوا تسجيلهم الرسمي في بلداتهم الأصلية.
ويعزو التقرير هذا التحول إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، أبرزها أزمة تراخيص البناء وضائقة السكن في البلدات العربية، إلى جانب تفشي العنف والجريمة، فضلًا عن رغبة كثيرين في العيش في بيئة أكثر أمنًا والاستفادة من مستوى أفضل من الخدمات والبنى التحتية.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الظاهرة لم تتوقف حتى خلال عام 2024، رغم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ما يجعلها واحدة من أبرز التحولات الاجتماعية والديموغرافية التي يشهدها المجتمع العربي في السنوات الأخيرة.
الظاهرة أصبحت أكثر عمقًا
وقال رئيس قسم المجتمع العربي في مؤسسة “شموئيل نئمان” التابعة لمعهد التخنيون، ورئيس مركز أبحاث التعددية الحضارية في أكاديمية الجليل الغربي وجامعة حيفا، البروفيسور نهاد علي، في حديث معه، إن نتائج التقرير لا تشكل مفاجأة بالنسبة إليه، مشيرًا إلى أنه أجرى بين عامي 2018 و2020 دراسات تناولت استعداد المواطنين العرب لمغادرة بلداتهم بسبب استفحال العنف والجريمة.

وأوضح أن نتائج تلك الدراسات أظهرت توجهًا واضحًا نحو الانتقال، إذ أعرب 7.8% من المشاركين عن رغبتهم في الانتقال إلى بلدة عربية أخرى، فيما فضل 9.6% السكن في مدينة يهودية، و3.3% في مدينة مختلطة، بينما أكد 9.8% أن هوية البلدة ليست العامل الحاسم بالنسبة لهم، بل توفر الأمن والاستقرار.
وأضاف أن هذه النسبة ارتفعت عام 2020، حيث أبدى أكثر من 10% من المشاركين استعدادهم للانتقال إلى مدينة يهودية.
دوافع متشابكة
وأكد علي أن العنف والجريمة ليسا السبب الوحيد وراء هذه الظاهرة، بل تضاف إليهما أزمة السكن الخانقة، وتراجع جودة الحياة، ومستوى الخدمات والبنى التحتية، وهي عوامل تدفع، بصورة خاصة، فئة الشباب بين 24 و39 عامًا إلى التفكير في مغادرة البلدات العربية بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا.
وبيّن أن انتقال المواطنين العرب إلى المدن اليهودية ليس ظاهرة جديدة، إذ بدأ قبل أكثر من عشرين عامًا، إلا أنه كان في السابق مرتبطًا بأسباب مهنية أو اقتصادية، وغالبًا ما كان انتقالًا مؤقتًا، بينما أصبح اليوم انتقالًا دائمًا ترافقه عملية نقل كاملة لمركز الحياة والأسرة.
وأشار علي إلى أن المدن المختلطة لم تكن الوجهة المفضلة لغالبية المشاركين في الدراسات، بسبب ارتفاع معدلات العنف والجريمة فيها أيضًا، كما هو الحال في اللد والرملة ويافا وعكا وحيفا.
وقال إن مصطلح “الهروب” يعبّر إلى حد كبير عن هذه الظاهرة، لأن الدافع الرئيسي يتمثل في البحث عن بيئة أكثر أمنًا ومستوى حياة أفضل.
وتوقف علي عند سؤال آخر لا يقل أهمية، يتعلق بمدى استعداد المجتمع اليهودي لاستقبال المواطنين العرب.
وأوضح أن أبحاثًا أجريت في هذا السياق أظهرت أن نحو 20% فقط من اليهود يؤيدون سكن العرب في بلداتهم أو أحيائهم، مقابل أكثر من ثلاثة أرباع المجتمع اليهودي الذين يعارضون ذلك، ما يجعل المواطن العربي يُعامل في كثير من الأحيان باعتباره “دخيلًا” لا مواطنًا طبيعيًا.
وأضاف أن استطلاعات أخرى أظهرت أن نسبة كبيرة من اليهود لا تشعر بالارتياح عند سماع اللغة العربية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مستقبل العائلات العربية المنتقلة إلى المدن اليهودية، وكيفية تعاملها مع اللغة والهوية والثقافة في الحياة اليومية.
انعكاسات سياسية واجتماعية مقلقة
واستعرض علي نتائج معطيات حديثة وصفها بالمقلقة، أظهرت أن 73% من اليهود يؤيدون، بدرجات متفاوتة، تهجير المواطنين العرب من البلاد.
ورأى أن مثل هذه المواقف ستنعكس على الحياة اليومية للعائلات العربية، سواء في المدارس أو أماكن العمل أو المرافق العامة.
وأضاف أن مستوى تقبل المواطنين العرب يختلف تبعًا لخلفيتهم الدينية والاجتماعية، كما أن نظرة المجتمع اليهودي إليهم تتأثر بهويتهم ومظهرهم وانتمائهم، بحيث قد يحظى من خدم في الجيش الإسرائيلي بقدر أكبر من القبول مقارنة بمن يبرز هويته العربية أو الدينية بشكل واضح.
وأشار إلى أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي يلعب دورًا في درجة القبول، إلا أن مستوى التقبل العام يبقى منخفضًا، محذرًا من أن استمرار انتقال العرب إلى المدن اليهودية بالمعدلات الحالية قد يثير ردود فعل رافضة، ويحوّل القضية إلى مصدر توتر اجتماعي وسياسي.
تحديات الهوية ومستقبل الأبناء
وأكد علي أن الانتقال إلى مدينة يهودية لا يقتصر على شراء منزل أو تغيير مكان السكن، بل يفتح الباب أمام تحديات جديدة تتعلق بتربية الأبناء، واختيار الأطر التعليمية، والحفاظ على الهوية والانتماء.
وأوضح أن القضية تتجاوز الجانب السكني، لتشمل أسئلة مرتبطة باللغة والثقافة والقيم التي ستنتقل إلى الأجيال الجديدة، ما يجعلها تحولًا اجتماعيًا وثقافيًا طويل الأمد.
وفي ختام حديثه، حذر البروفيسور نهاد علي من أن أخطر نتائج هذه الظاهرة قد تتمثل في إفراغ المجتمع العربي تدريجيًا من طبقته الوسطى، التي تضم الأكاديميين وأصحاب المهن الحرة والمستقلين، وتشكل الركيزة الأساسية لأي مجتمع.
وأضاف أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى مزيد من إضعاف البلدات العربية وتفاقم أزماتها، إذا لم تُعالج الأسباب التي تدفع آلاف العائلات إلى مغادرتها.
