الإسلام هو الحل (3)
علي أحمد حمّاد
حين نتحدث عن الحداثة الغربية، فليس المقصود أننا نرفض الطب، أو الهندسة، أو الطائرة، أو الكهرباء، أو الجامعات، أو المختبرات، أو حسن الإدارة والتنظيم. وليس المقصود أننا نريد من المسلم أن يعيش خارج زمانه، أو أن يخاصم كل ما جاء من الغرب لمجرد أنه جاء من الغرب. فهذا فهم ساذج لا يليق بدين جعل طلب العلم عبادة، والنظر في الكون طريقًا إلى معرفة الله، وتسخير المادة جزءًا من وظيفة الإنسان في عمارة الأرض.
المشكلة ليست في الآلة، بل في الروح التي تحرك الآلة. ليست في المختبر، بل في الفلسفة التي تحدد ماذا نبحث، ولماذا نبحث، ولمن تكون نتائج البحث. ليست في الدولة كمؤسسة تنظم حياة الناس، بل في التصور الذي يجعل الدولة إلهًا حديثًا يملك أن يشرع، ويمنع، ويحدد القيم، ويربي الإنسان على صورته. ليست في السوق كمساحة تبادل، بل في السوق حين يتحول إلى معبد كبير، يقيس الإنسان بما يملك، ويحوّل رغباته إلى حاجات، وحاجاته إلى ديون، وديونه إلى عبودية ناعمة.
الحداثة الغربية التي نتحدث عنها ليست جهازًا نحمله في أيدينا، بل منظومة تسكن عقولنا أحيانًا دون أن نشعر. منظومة تقول للإنسان: أنت المركز، أنت المرجع، أنت السيد، أنت من يحدد الخير والشر، والمعروف والمنكر، والمعنى والغاية. فإن اشتهيتَ شيئًا صار حقًا، وإن رغبتَ في أمر صار حرية، وإن وجدتَ في الدين قيدًا، فالدين هو الذي يجب أن يتراجع، لا الهوى، ولا السوق، ولا الدولة.
هذه الحداثة لم تولد فجأة. لم تهبط على الناس كما تهبط الأمطار. لها تاريخ طويل من الصراع مع الكنيسة في أوروبا، ومن تمرد الإنسان الغربي على سلطة دينية محرّفة، ومن صعود العقل المادي، ومن تقديس الفرد، ومن تحويل الطبيعة إلى مادة للاستعمال والسيطرة، ومن جعل الدنيا أفقًا نهائيًا للإنسان. ثم جاءت القوة العسكرية، والاستعمار، والاقتصاد، والإعلام، والتعليم، فحملت هذه الرؤية إلى العالم، لا كفكرة تناقش فقط، بل كنظام حياة يُفرض، ويُقلَّد، ويُدرَّس، ويُسوَّق.
ومن هنا نفهم لماذا لم يكن الاستعمار مجرد احتلال أرض. لقد احتل الجغرافيا، لكنه أراد أيضًا أن يحتل الوعي. أراد أن يعلّم أبناء الشرق أن ينظروا إلى أنفسهم بعيون غيرهم؛ أن يخجلوا من تراثهم، وأن يشكوا في شريعتهم، وأن يظنوا أن التقدم لا يكون إلا حين يشبهون المنتصر في لباسه، ولسانه، وقانونه، واقتصاده، ونظرته إلى الدين، والمرأة، والأسرة، والدولة.
ولذلك خرج المستعمر من كثير من البلاد، وبقيت آثاره في العقول، والقوانين، والجامعات، والإعلام، والنخب. بقيت الفكرة التي تقول: الدين محترم ما دام بعيدًا عن الحكم. والأخلاق جميلة ما دامت لا تعترض السوق. والأسرة مهمة ما دامت لا تخالف “التطور”. والقرآن مبارك ما دام يُتلى في المآتم والمواسم، لا ما دام يريد أن يحكم تصورنا للعدل، والمال، والسلطة، والحياة.
هنا يظهر الفرق بين الاستفادة من الغرب والذوبان فيه. المسلم لا يرفض علمًا نافعًا لأنه غربي، ولا يترك دواءً لأنه صُنع في مختبر غربي، ولا يرفض نظامًا إداريًا لأنه وُلد في مؤسسة غربية. الحكمة ضالة المؤمن. لكن المسلم يرفض أن يأخذ مع الآلة عقيدة الآلة، ومع التقنية فلسفة التقنية، ومع الجامعة تصورًا ماديًا للإنسان، ومع الدولة الحديثة تصورًا يجعل السيادة المطلقة للبشر من دون الله.
نحن لا نخاصم الغرب لأنه غرب، ولا نغلق أعيننا عن أزماته الداخلية، ونقاشاته، ومدارسه الناقدة. في الغرب نفسه من نقد المادية، ونقد الاستهلاك، ونقد تفكك الأسرة، ونقد سلطة الشركات، ونقد استبداد الدولة الحديثة. لكننا نقول إن المنظومة الغالبة التي تحكم عالم اليوم ليست محايدة. إنها تحمل تصورًا للإنسان، وتريد أن تعيد تشكيله: مستهلكًا في السوق، فردًا معزولًا في المجتمع، رقمًا في الدولة، جسدًا في الإعلام، وذاتًا حائرة في سؤال المعنى.
وهنا يأتي الإسلام لا كرفض طفولي للحداثة، ولا كانبهار أعمى بها، بل كميزان. يأخذ النافع، ويرد الفاسد. ينتفع بالعلم، ويرفض المادية. يستعمل التقنية، ويرفض أن تتحول التقنية إلى سيد على الإنسان. ينظم الدولة، ويرفض أن تصبح الدولة ربًا من دون الله. ينشّط السوق، لكنه يمنع الربا، والاحتكار، والظلم. يحترم الإنسان، لكنه لا يجعله إلهًا يشرّع لنفسه بمعزل عن خالقه.
الحداثة الغربية التي نناقشها إذن ليست مجموعة أدوات، بل منظومة رؤية. والسؤال ليس: هل نأخذ من الغرب أو لا نأخذ؟ فهذا سؤال ناقص. السؤال الأصح: ماذا نأخذ؟ وبأي ميزان؟ وتحت أي مرجعية؟ وهل نحن نستخدم أدوات العصر لخدمة الإسلام والإنسان، أم نستخدم الإسلام لتجميل منظومة العصر وتبريرها؟
في المقال القادم نقترب خطوة أخرى من قلب المسألة: كيف تفصل العلمانية الحديثة القيم عن الحياة؟ وكيف يصبح الإنسان متدينًا في ضميره، علمانيًا في نظام حياته دون أن يشعر؟
