أخبار عاجلةمحلياتمرئيات

جولة حنين” من المشهد.. أمسية وطنية وثقافية تؤكد أن الذاكرة والأرض حصن الهوية وعنوان الصمود

مارية محاجنة

في أمسية وطنية وثقافية حملت رسائل الوفاء للأرض والذاكرة، احتضنت قرية المشهد، الجمعة الفائت، عرض الفيلم الوثائقي “جولة حنين”، من إنتاج “منتدى المدينة”، وذلك برعاية اللجنة الشعبية في القرية، وسط حضور جماهيري واسع، في فعالية أكدت أن صون الرواية الوطنية يبدأ من حفظ التاريخ، وتعزيز الارتباط بالأرض، وترسيخ الهوية في نفوس الأجيال.

وافتُتحت الأمسية بتلاوة عطرة من القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد أبو حسين، فيما تولى الباحث أحمد فضل سليمان عرافة البرنامج، مؤكدًا في كلمته الافتتاحية أن الشعوب التي تتخلى عن ذاكرتها تفقد مستقبلها، مستشهدًا بالقول: “ليس الشعب بشعب إن سلّم للنسيان قضاياه”. وأضاف أن فيلم “جولة حنين” يختزل رسالة واضحة مفادها أن التمسك بالأرض والتراث، والعيش من خيراتها، هو الطريق الحقيقي لحماية الهوية الوطنية، مستحضرًا المثل الشعبي: “إن جار عليك الزمن، جور على الأرض”.

تاريخ متجذر في المكان

وفي كلمة البلد المضيف، رحَّب رئيس المجلس المحلي في المشهد، توفيق سليمان، بالحضور، مؤكدًا أن الحديث عن الحنين ليس حديثًا عن مشاعر عابرة، بل عن جذور ضاربة في عمق التاريخ، وعن أرض تحفظ ذاكرة الأجداد وتروي سيرة الأجيال.

وأشار إلى أن المشهد ليست مجرد بلدة، وإنما محطة حضارية عريقة حملت عبر التاريخ اسم “جت حافر”، قبل أن يرتبط اسمها الحالي بمقام النبي يونس عليه السلام، لتبقى شاهدة على تعاقب الحضارات والرسالات. وأضاف أن الحنين إلى المشهد هو حنين إلى زيتونها المعمر، وحاراتها القديمة، وأهلها، وهواء الجليل الذي يرسخ الانتماء للأرض المباركة، مؤكدًا أن استحضار الماضي ليس للبكاء عليه، وإنما لاستمداد القوة منه وبناء المستقبل على أساس الهوية والأصالة.

توثيق الذاكرة حماية للرواية الوطنية

بدوره، استعرض الأستاذ عبد الإله معلواني، ممثل منتدى المدينة، رؤية المشروع الذي انطلق منه برنامج “جولة حنين”، مؤكدًا أن الأرض المباركة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل مهد الرسالات والحضارات، وأن الحفاظ على ذاكرتها واجب وطني وأخلاقي.

وأوضح أن فكرة البرنامج انطلقت من قناعة بأن الأرض التي لا تُوثق ذاكرتها تصبح عرضة للنسيان، وأن التاريخ غير المؤرشف يبقى مهددًا بالتحريف، لذلك جاء المشروع ليجمع بين التوثيق الميداني، والتصوير، والأرشفة، وحفظ الرواية الوطنية.

وأشار إلى أن منتدى المدينة أنتج أكثر من ثلاثين حلقة تناولت قرى ومدنًا ومعالم تاريخية في الداخل الفلسطيني، بهدف إعادة بناء العلاقة بين الإنسان وأرضه، وربط الأجيال بتاريخها وتراثها، إضافة إلى إطلاق مشروع لتوثيق شهادات كبار السن باعتبارهم حراس الذاكرة الوطنية.

وأضاف أن مشروع “حفظ الذاكرة 48” نجح حتى الآن في أرشفة أكثر من مليون وثيقة وصورة ومادة مرئية ومستند تاريخي، في خطوة تهدف إلى صون الرواية الفلسطينية من محاولات الطمس والتزييف.

وأكد أن “جولة حنين” لم يكن مشروعًا سياحيًا لعرض المناظر الطبيعية، بل رحلة معرفية ووجدانية لإحياء العلاقة مع الأرض، وقراءة المكان بوصفه كتابًا مفتوحًا للتاريخ والهوية، مشيرًا إلى أن مشاركته مع الشيخ رائد صلاح في هذه الجولات جعلت كل محطة تتحول إلى درس في التاريخ والانتماء.

وتوقف معلواني عند رمزية مكونات البيئة الفلسطينية، معتبرًا أن الزيتون وثيقة صمود، والزعتر عنوان للبيت الفلسطيني، والبرتقال اليافاوي حكاية وطن وصلت إلى العالم، فيما تمثل الأعشاب البرية جزءًا من الثقافة الشعبية المتوارثة. كما أكد أن البيوت المهجرة، والمقامات الإسلامية، والمعالم التاريخية ليست مجرد آثار، بل شواهد حية تحفظ الذاكرة وتؤكد عمق الحضور العربي والإسلامي في هذه البلاد.

وختم عبد الإله معلواني بالتأكيد أن أخطر ما يمكن أن تفقده الشعوب ليس الأرض وحدها، وإنما المعرفة بها، داعيًا أبناء الداخل الفلسطيني إلى إعادة اكتشاف وطنهم، وغرس حب الأرض في نفوس الأبناء، لأن الأوطان تُصان بالوعي والذاكرة قبل الحدود، ولأن حفظ الرواية هو السبيل إلى حماية الهوية عبر الأجيال.

الثبات على الأرض وفاءٌ للرسالة والتاريخ

وفي كلمته، استهلّ الشيخ رائد صلاح حديثه بالترحيب بالحضور، مثمنًا احتضان قرية المشهد لهذه الفعالية، ومشيدًا بدور المجلس المحلي واللجنة الشعبية ومنتدى المدينة في تنظيمها، مؤكدًا أن مثل هذه المبادرات تسهم في إعادة وصل الإنسان بأرضه، وتُرسّخ معاني الانتماء والوفاء في نفوس الأجيال.

وقال إن حب الأرض والوطن ليس مجرد شعور عاطفي، وإنما قيمة أصيلة أرساها الإسلام، وربّى عليها رسول الله ﷺ أمته، موضحًا أن النبي علّم المسلمين أن يعمروا الأرض بالحلال، وأن يزرعوها بالحلال، وأن يأكلوا من خيراتها بالحلال، لتظل مصدر خير وبركة وكرامة لأهلها.

واستشهد الشيخ صلاح بموقف النبي ﷺ عند خروجه من مكة مهاجرًا، حين خاطبها بقوله: “والله إنك لأحب بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”، معتبرًا أن هذا الموقف يجسد أسمى معاني حب الوطن والتعلق بالأرض. وأضاف أن النبي، عندما استقر في المدينة المنورة، ظل قلبه متعلقًا بمكة، حتى إنه لما سمع الصحابي أصيلًا يصف مكة وطرقاتها وبساتينها بعبارات الشوق والحنين، قال له: “يا أصيل، دع القلوب تقر”، في إشارة إلى عمق الحنين الذي كان يسكن قلبه تجاه وطنه.

وأكد الشيخ رائد أن الرسول ﷺ لم يكتفِ بتعليم الأمة حب الوطن، بل جسّد عمليًا التمسك بحق العودة، إذ هاجر مع أصحابه إلى المدينة المنورة، ورغم ابتعادهم عن ديارهم ثمانية أعوام، لم يتنازلوا عن حقهم في العودة، حتى عادوا إلى مكة واستعادوا ارتباطهم ببيوتهم وأرضهم، في درس خالد يؤكد أن العلاقة بالأرض لا تسقط بالتقادم، ولا تنقطع مهما طال الزمن.

وأضاف أن هذه النماذج النبوية تؤكد أن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية أو مورد اقتصادي، وإنما وطن وهوية وتاريخ وانتماء ورسالة، وأن المحافظة عليها، والتمسك بها، وتوريث حبها للأبناء، جزء من الثبات الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في حياة الأجيال.

وأوضح أن فكرة “جولة حنين” انطلقت من هذا الفهم، لتعيد إحياء العلاقة الوجدانية والمعرفية مع الأرض، وتغرس في النفوس معاني الانتماء والصمود وحفظ التاريخ، معربًا عن سعادته بما أشار إليه رئيس المجلس المحلي توفيق سليمان من أن هذا العمل ليس نهاية المطاف، بل بداية لمسيرة طويلة من المبادرات التي تعزز الوعي بتاريخ البلاد وتراثها.

وأشاد الشيخ صلاح بالجهود التي يبذلها منتدى المدينة في توثيق الذاكرة الوطنية، مثنيًا على ما عرضه عبد الإله معلواني من مشاريع وإنجازات في مجال الأرشفة، وقال إنه فوجئ بحجم العمل الذي أُنجز حتى اليوم، معربًا عن أمله في أن تتواصل هذه الجهود حتى تُوثَّق كل قرية ومدينة ومعلم في هذه البلاد، وتُحمل هذه الأمانة إلى الأجيال القادمة باعتبارها إرثًا وطنيًا لا يجوز التفريط به.

كما استعاد جانبًا من تجربته الشخصية في التعلق بالأرض، مشيرًا إلى أن والدته، رحمها الله، غرست فيه منذ الصغر حب الأرض، ومعرفة أسماء النباتات والأعشاب والطيور، الأمر الذي دفعه إلى مواصلة التجوال في ربوع الوطن، والتعرف إلى تضاريسه ومكوناته البيئية. واستذكر رحلات الطفولة التي كان يقوم بها سيرًا على الأقدام من أم الفحم إلى منطقة اللجون، حيث كان يجمع مع أقرانه الأعشاب البرية، مثل الحميض والنعناع البري، ليعودوا بها إلى أمهاتهم، مؤكدًا أن هذه العلاقة المباشرة مع الأرض هي التي تُنشئ أجيالًا أكثر ارتباطًا بوطنها، وأكثر قدرة على حمايته.

ودعا إلى أن تتحول هذه التجربة إلى نهج عام في مختلف البلدات العربية، بحيث يعمل كل مجتمع محلي على توثيق تاريخه، والتعريف بأرضه ومعالمه، وغرس حب المكان في نفوس الأبناء، مثمنًا حفاوة الاستقبال التي لقيها في المشهد، ومعربًا عن أمله في أن تحذو سائر البلدات حذوها في إطلاق مشاريع مشابهة تعزز الوعي بالهوية والرواية الوطنية.

وختم الشيخ رائد صلاح بالتأكيد أن النبي ﷺ أوصى الأمة ببيت المقدس وأرضه المباركة، وأن الجليل، والمثلث، والنقب، والمدن الساحلية، كلها جزء من بيت المقدس وأكنافه، الأمر الذي يحمّل أبناء هذه البلاد مسؤولية الوفاء لهذه الوصية، والمحافظة على الأرض، وصون تاريخها، وترسيخ الانتماء إليها جيلًا بعد جيل، حتى تبقى حاضرة في الوعي والوجدان كما هي حاضرة في الواقع.

مداخلات تشدد على دور الذاكرة في حماية الهوية

وفي مداخلة له، أشاد الباحث والكاتب ساهر غزاوي بالجهود التي أثمرت هذه الفعالية، معتبرًا أنها تمثل مبادرة مجتمعية يحتاجها المجتمع الفلسطيني في هذه المرحلة، لما تؤديه من دور في ربط الناس بجذورهم، وتعزيز ارتباطهم بأرضهم، وترسيخ الهوية الوطنية في مواجهة التحديات الراهنة.

وأكدت آمنة جمل من شعب، أن الأرض كانت الحاضر الأبرز في الفيلم، مشيرة إلى أن تراب الوطن الذي عمره الآباء والأجداد يمثل ذاكرة حية تنتقل من جيل إلى آخر، وأن صون هذه الذاكرة هو الطريق للحفاظ على الهوية والثبات في أرض بيت المقدس وأكنافها.

أما أبو سليمان كريم، صاحب العزبة التي صُوِّر فيها الفيلم، فأكد أن الرسالة الأساسية للأمسية تتمثل في ضرورة التشبث بالأرض وزراعتها وعدم التفريط بها، موضحًا أن مشاركة أفراد الأسرة جميعًا في فلاحة الأرض تعمق الانتماء، بينما يمنح الإنتاج الزراعي الإنسان شعورًا بالعزة والاكتفاء، ويعزز الاعتماد على الذات.

من جانبها، رأت مريم كريم أن برنامج “جولة حنين” نجح في غرس قيم الانتماء للوطن، والتواصل الأسري، والتجذر في الأرض، وربط ذلك بالثبات على الدين باعتباره أساسًا لمعاني الصمود والهوية.

بدورها، أكدت شفاء صالح أن الفيلم يوقظ المشاعر ويستحضر الجذور والهوية الوطنية، كما يبرز دور الأسرة في تنشئة الأجيال على حب الأرض وتعزيز روح الانتماء والثبات.

وفي ختام الفعالية، كرّمت اللجنة الشعبية الشيخ رائد صلاح، ورئيس المجلس المحلي توفيق سليمان، والمشاركين في إنتاج الفيلم، مؤنس طاطور وعبد الإله معلواني، تقديرًا لجهودهم في خدمة الرواية الوطنية والحفاظ على الذاكرة والهوية الفلسطينية.

وأكد المشاركون أن الرسالة التي حملها فيلم “جولة حنين” تتجاوز حدود التوثيق، لتشكل دعوة عملية إلى حماية الأرض بالإعمار والزراعة والعمل، باعتبار أن غرس الأشجار، وإحياء الأراضي، والعيش من خيراتها، ليست مجرد ممارسات حياتية، بل أشكال متقدمة من الصمود، تحفظ الأرض من الإهمال، وتصون الرواية الوطنية، وتورث الأجيال وطنًا عامرًا بأهله وتاريخه وهويته.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى