ظننتُ أن الدنيا تغيّرت.. ثم اكتشفت أن زجاج غرفتي متّسخ
د. نواعم شبلي جبارين
كم من الأحكام نصدرها على الدنيا، وهي في حقيقتها انعكاس لما يسكن أعماقنا! وكم من مرةٍ ظننا أن الألوان قد بهتت، وأن الوجوه قد تبدلت، وأن الخير قد انحسر من بين الناس، ثم اكتشفنا أن المشكلة لم تكن في العالم، بل في العدسة التي ننظر بها إليه.
قد نستيقظ ذات صباح فنرى الحياة أكثر قسوة، والناس أقل رحمة، والطرق أكثر ظلمة، فنسارع إلى اتهام الزمن، ونرثي أخلاق البشر، ونحمّل الأيام مسؤولية ما نشعر به. لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الإنسان لا يرى الأشياء كما هي، بل كما هو.
إن النفس إذا أثقلتها الهموم، لوّنت المشهد كله بلونها. وإذا ازدحمت بالشكوك، ارتابت في النوايا الحسنة. وإذا تراكم عليها غبار الإحباط، حجبت عن صاحبها إشراق الأمل، حتى يظن أن الشمس قد فقدت نورها، وهي ما زالت تشرق كما كانت.
ولعل أجمل استعارة للحياة أن ننظر من نافذة زجاجها متّسخ. فكل ما خلفها يبدو باهتًا ومشوّهًا، لا لأن العالم فقد جماله، بل لأن الزجاج يحتاج إلى تنظيف. وكذلك القلب، إذا تراكمت عليه أوساخ الحسد، أو الغضب، أو اليأس، أو الكِبر، أصبح يرى كل جميل ناقصًا، وكل خيرٍ مشوبًا، وكل نجاحٍ مدعاةً للريبة.
إن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في الخارج. فمن أصلح أفكاره، وهذّب مشاعره، ونقّى بصيرته، أصبحت رؤيته للحياة أكثر اتزانًا وعمقًا، واكتشف أن كثيرًا مما كان يظنه ظلامًا لم يكن سوى غشاوةٍ على عينيه.
إن أكثر الناس سعادة ليسوا أولئك الذين يعيشون حياةً خاليةً من المنغصات، بل أولئك الذين تعلّموا أن يمسحوا غبار قلوبهم كل يوم، فلا يسمحون للحقد أن يقيم، ولا للإحباط أن يستوطن، ولا للألم أن يتحول إلى نظارةٍ سوداء يرون بها العالم.
وليس المقصود أن نتجاهل السلبيات أو نتعامى عن الأخطاء، فالحياة ليست مدينةً من الأحلام، ولكن الفرق كبير بين من يرى الوردة وشوكها، وبين من لا يرى إلا الشوك وينكر وجود الوردة.
إن مراجعة الذات شجاعة لا يملكها إلا الكبار. فمن السهل أن نلوم الآخرين، وأن نُدين المجتمع، وأن نُحمّل الظروف مسؤولية تعاستنا، لكن الأصعب والأصدق أن نقف أمام مرآة النفس ونسألها: هل الخلل في العالم… أم في طريقة رؤيتي له؟
ما أحوجنا اليوم إلى تنظيف نوافذ أرواحنا، وإعادة ترتيب أفكارنا، وتطهير قلوبنا من الغبار الذي تراكم بفعل التجارب القاسية، وضغوط الحياة، وخيبات الأمل. فربما لم تتغير الدنيا كما نظن، وربما بقي فيها من الخير أكثر مما نتصور، لكننا لم نعد نراه لأن زجاج قلوبنا أصبح يحتاج إلى مسحة صدق، ونفحة أمل، وقدرٍ من الرضا.
فلنحرص على أن تكون نظرتنا للحياة نقيةً بقدر نقاء سرائرنا، لأن الإنسان حين يُصلح داخله، يكتشف أن كثيرًا مما كان يظنه ظلامًا، لم يكن سوى غبارٍ على نافذته.
ولعل أعظم اكتشاف في رحلة العمر، أن إصلاح الرؤية أيسر من تغيير العالم، وأن تنظيف زجاج القلب أجدى من اتهام الدنيا كلها بالظلام.