أخبار وتقاريرمقالاتومضات

الأحزاب.. من رفاهية الديمقراطية إلى درع التحرر

أحمد سليمان

ليس ثمة ما هو أكثر تعبيرًا عن حيوية المجتمعات من قدرتها على تنظيم تطلعاتها وصياغة عقلها الجمعي في كيانات سياسية تعبّر عنها. ففي الظروف الاعتيادية، تُعد الأحزاب السياسية العصب الحيوي لأي دولة تسعى إلى بناء تجربة ديمقراطية مستقرة؛ فهي ليست مجرد دكاكين انتخابية تفتح أبوابها موسميًا لجمع الأصوات ثم تغلقها بانتهاء الاقتراع، بل هي المعمل الذي يُصنع فيه الوعي العام، وتُصقل فيه القيادات، وتُناقش فيه الأفكار، وتُترجم فيه مطالب المجتمع إلى برامج وسياسات قابلة للتطبيق. ومن دون أحزاب مؤسسية وفاعلة، تتحول السياسة إلى صراعات شخصية واستعراضات نفوذ تخلو من المبادئ، ويجد المجتمع نفسه بلا بوصلة، وبلا أدوات حقيقية لمساءلة السلطة أو مكافحة الفساد أو صناعة المستقبل.

وللتاريخ شواهد واضحة على هذا الدور. ففي جنوب أفريقيا، لم يكن حزب المؤتمر الأفريقي مجرد تنظيم انتخابي، بل مدرسة سياسية خرّجت قيادات تاريخية، وفي مقدمتها نيلسون مانديلا وأوليفر تامبو، وقادت المجتمع في مواجهة نظام الفصل العنصري، حتى كانت المؤسسة الحزبية جاهزة لقيادة البلاد في مرحلة الانتقال الديمقراطي.

وفي بريطانيا، نجح حزب العمال في تحويل الاحتجاجات العمالية المتفرقة إلى مشروع سياسي تُرجم بعد الحرب العالمية الثانية إلى تشريعات أسست لدولة الرفاه، وفي مقدمتها نظام الخدمات الصحية الوطنية والضمان الاجتماعي. وعلى النقيض، كشفت التجربة الأوكرانية أن غياب الأحزاب المؤسسية، وسيطرة الأحزاب المرتبطة بالأشخاص، أديا إلى صراعات على النفوذ وشلل سياسي سهّل عودة الفساد.

غير أن وظيفة الأحزاب تتغير جذريًا عندما يفقد الشعب سيادته ويعيش تحت الاحتلال أو الاستعمار. ففي مثل هذه الظروف، لا يعود التنافس على السلطة هو جوهر السياسة، لأن السلطة نفسها ليست بيد المجتمع، بل تصبح السياسة معركة دفاع عن الوجود والهوية. وهنا تتحول الأحزاب من مؤسسات لإدارة الشأن العام إلى مؤسسات لحماية المجتمع وصيانة هويته وتعزيز صموده.

وقد شهد التاريخ نماذج عديدة لهذا التحول. ففي فرنسا إبان الاحتلال النازي، أدركت الأحزاب الشيوعية والاشتراكية والمحافظة أن خلافاتها الفكرية فقدت معناها أمام خطر الاحتلال، فاندمجت في جبهة مقاومة موحدة، لم تقتصر مهمتها على العمل العسكري، بل شملت حماية المدنيين وتأمين احتياجاتهم والحفاظ على فكرة الجمهورية الفرنسية حية في الوعي الشعبي.

وفي جنوب أفريقيا، تجاوز حزب المؤتمر الأفريقي دوره كحركة تطالب بالإصلاح السياسي، ليصبح إطارًا وطنيًا يقود نضالًا شاملًا ضد نظام الأبارتهايد، ويحافظ على كرامة المجتمع، ويبني شبكات للتعليم والتكافل والتنظيم الشعبي في مواجهة سياسات الإقصاء والتمييز.

أما في الجزائر، فلم تكتفِ جبهة التحرير الوطني بقيادة الثورة، بل أدارت شؤون السكان في المناطق المحررة، من التعليم والقضاء إلى الإغاثة والرعاية الاجتماعية، بما ضمن استمرار المجتمع خارج هيمنة الإدارة الاستعمارية.

وتكشف هذه التجارب أن أخطر ما يسعى إليه الاحتلال لا يقتصر على فرض السيطرة العسكرية، بل يمتد إلى تفكيك المجتمع من الداخل، وإضعاف ذاكرته الجمعية، ودفع أفراده إلى الاستسلام أو الاغتراب. لذلك، لا تقتصر وظيفة الأحزاب في مثل هذه البيئات على رفع الشعارات أو خوض المنافسات السياسية، بل تصبح خط الدفاع الأول عن المجتمع والهوية، عبر بناء شبكات التكافل، ورعاية الثقافة والتعليم، وتعزيز صمود الناس في أرضهم، وتحويل المجتمع نفسه إلى قلعة يصعب تفكيكها.

غير أن هذه المهمة تضع الأحزاب أمام معضلة سياسية وأخلاقية معقدة: كيف تخدم المجتمع وتؤمّن احتياجاته اليومية من دون أن تتحول إلى أداة وظيفية تخفف عن الاحتلال أعباء سيطرته أو تمنحه شرعية غير مباشرة؟ إن الفاصل بين إدارة الصمود وإدارة الخضوع هو الاختبار الحقيقي لأي حزب يعمل تحت الاحتلال. فالمطلوب ليس إدارة الواقع كما هو، بل إدارة المجتمع بما يعزز قدرته على مقاومته وتغييره، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني ووحدة الإرادة الشعبية.

ومن هنا، فإن نجاح الأحزاب في مثل هذه الظروف لا يُقاس بعدد المقاعد التي تحصدها، ولا بحجم حضورها الإعلامي، بل بقدرتها على حماية المجتمع، وتعزيز وحدته، وصيانة هويته، وتحويل معاناة شعبها إلى قضية سياسية وأخلاقية حاضرة في الوعي المحلي والدولي. فالحزب الذي ينجح في حماية الإنسان، وصون الذاكرة، وترسيخ ثقافة الصمود، يكون قد أدى وظيفته الوطنية، حتى وإن حُرم من السلطة.

وإذا كانت الأحزاب في الدول الديمقراطية إحدى أدوات التنافس على الحكم وصناعة السياسات العامة، فإنها في المجتمعات الواقعة تحت الاحتلال تصبح جزءًا من مشروع التحرر ذاته. فهي ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتنظيم طاقات المجتمع، وتحويل الغضب العفوي إلى مشروع وطني واعٍ، وحماية الإنسان والهوية حتى يستعيد الشعب حريته وسيادته. وعند هذه النقطة تحديدًا، تنتقل الأحزاب من كونها أحد مظاهر رفاهية الديمقراطية إلى أن تصبح درعًا من دروع التحرر الوطني.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى