أخبار وتقاريرمقالاتومضات

بين ادّعاءات عزمي بشارة وردّ الشيخ رائد صلاح.. حقائق تظهر بوضوح

الإعلامي أحمد حازم

في العدد السابق من صحيفة “المدينة”، كان عنوان المقال الأسبوعي لفضيلة الشيخ رائد صلاح: “ماذا وراء إعادة نشر كتاب الخطاب السياسي المبتور لعزمي بشارة؟”. ويسلط المقال الضوء على الهدف الرئيس من إعادة نشر هذا الكتاب، الذي صدر لأول مرة عام 1998، ويعاد نشره الآن بعد 28 عامًا.

الطبعة الجديدة لم تتضمن أي تغيير، باستثناء المقدمة التي يقول فيها عزمي بشارة: “وأشد ما كانت مفاجأتي بعد قراءته مجددًا، إذ تبين لي أن الكتاب حافظ على راهنيته على الرغم من انقضاء كل هذا الوقت على صدوره”.

ويرى الشيخ رائد في هذه المقدمة أن “عزمي بشارة ما زال مصرًّا على ما ورد في هذا الكتاب كله، كما كان مصرًّا على ما ورد فيه كله عندما صدر لأول مرة عام 1998”.

المتعارف عليه أن إعادة نشر كتاب تتم عادة بعد نفاد الطبعة الأولى من الأسواق، أو بسبب الإقبال الجماهيري على شراء النسخة الأولى، ولكن ليس بعد 28 عامًا. إذًا، هناك سبب آخر لإعادة طباعة الكتاب، وهو بالتأكيد سبب سياسي له علاقة بخدمة أجندة معينة. فالكتاب، بشكل عام، يتضمن أيضًا هجومًا على الإسلام، وبالتحديد على الحركة الإسلامية التي كان يرأسها الشيخ رائد حتى حظرها عام 2015.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الهدف الذي يكمن وراء إعادة النشر في هذا الوقت بالذات، وإصرار عزمي بشارة مجددًا على ما ورد فيه؟ فالقضية ليست مجرد إعادة نشر كتاب صدر قبل 28 سنة، بل هي أبعد من ذلك بكثير، إذ تمثل إعادة تذكير بالعداء للإسلام والصحوة الإسلامية، في وقت يتزامن فيه إصدار الكتاب مع الحملات الغربية والإسرائيلية المشبوهة ضد الإسلام.

يقول الشيخ في مقاله: “لا يزال بشارة مصرًّا على ما سماه (الإسلام الشعبي) عندما تحدث في هذا الكتاب عن انطلاقة الحركة الإسلامية في الداخل قبل حظرها إسرائيليًا، فهي التي نقلت -وفق حساباته- الإسلام الشعبي من الضفة الغربية وغزة إلى الداخل. يترك بشارة هذا المصطلح في كتابه بلا تعريف، وفي الوقت نفسه لم يتطرق إلى (الإسلام غير الشعبي). وبطبيعة الحال، لم يبيّن لنا ما هو الإسلام غير الشعبي، لأنه لم يتطرق إليه أصلًا، ولا أدري من الذي خوّله أن يفرض على الإسلام هذا التقسيم المبهم”.

واستنادًا إلى مضمون مقاله، أشعر بأن السيل قد بلغ الزبى لدى الشيخ رائد صلاح من خزعبلات عزمي بشارة، وتضليله وتشويهه للحقائق، فانتقده في مقاله بشدة لا مثيل لها، موجّهًا عدة رسائل إلى بشارة ومن يدور في فلكه.

ويقول الشيخ إن عزمي بشارة يكرّس في كتابه مقولة “الإسلام السياسي”، ويزين هذه المقولة ببعض من صناعته الكلامية، حيث يقول في الكتاب: “لا شك أن الإسلام السياسي يتضمن عناصر قوية من اللا تسييس في الموقف من الواقع والدولة”. وقد أعجبني جدًا رد الشيخ على هذه المقولة، إذ قال بوضوح: “إن مقولة الإسلام السياسي هي مقولة صهيونية في الأساس، كمقولة (الإرهاب)، ومقولة (التطرف)، ومقولة (التحريض)”.

ويتطرق الشيخ إلى “وطنية” عزمي بشارة بقوله: “لا أدري عن أية وطنية أو أية قومية لا يزال يتحدث بشارة، ثم في الوقت الذي كان يرتجف فيه الآلاف من الحركة الوطنية الفلسطينية في الزنازين من شدة البرد والجوع وقلة النوم والعزل، كان بشارة يتجول بين تل أبيب ودمشق، وبين الكنيست والقصر الجمهوري السوري”.

صدقت، شيخنا الفاضل. فكيف يمكن أن يكون عزمي وطنيًا، وهو الذي سمحت له المؤسسة الإسرائيلية بالسفر إلى سوريا كيفما شاء ومتى شاء، رغم أن سوريا كانت مصنفة دولة عدو؟ وليس ذلك فحسب، بل سمحت له أيضًا بأن يشكل وفودًا من فلسطينيي الداخل لزيارة سوريا. كيف؟

أنا شخصيًا، وبحكم معرفتي بعزمي، أتفق مع كل كلمة وردت في مقال الشيخ، وأنا أتهم عزمي بالطائفية، ليس فقط بسبب ما نشره ضد الإسلام، بل أيضًا بسبب ممارساته غير المعلنة، التي كشفت عنها في مقالات سابقة، وأعود الآن إلى التذكير بها لأهميتها.

فالمفكر والفيلسوف الفرنسي محمد أركون، وهو من أصل جزائري، معروف بأفكاره النقدية للإسلام، وهو يلتقي مع عزمي بشارة في هذا الاتجاه. وقد التقيت أركون عام 2003 في برلين، خلال منحه جائزة ابن رشد من مؤسسة ألمانية كانت قد منحت عزمي بشارة الجائزة نفسها عام 2002. وبالرغم من أن أركون يتبنى النهج نفسه الذي يسير عليه بشارة فيما يتعلق بالإسلام، إلا أنه قال لي خلال لقائي معه: “إن عزمي بشارة أخطر على الإسلام من الصهيونية، ولم أتصور أن يخرج من المجتمع الفلسطيني إنسان بهذا الشكل”.

وهناك مثال آخر يجب الإشارة إليه، وهو الدكتور نشأت حمارنة، وهو أردني الجنسية، وكان بعثيًا بامتياز، وعاش في سوريا، وكانت تجمعه علاقات قوية مع كبار قادة حزب البعث السوري، وأيضًا مع القيادات الفلسطينية. وقد ربطتني به علاقة صداقة، خصوصًا أنه درس في ألمانيا. وصحيح أنه كان بعثيًا في أفكاره، لكنه كان من طينة أخرى غير الطينة العلوية.

وقد أخبرني الدكتور نشأت أن الزيارة التي قام بها عزمي بشارة إلى سوريا برفقة سميح القاسم عام 2000 حملت أيضًا خلفية طائفية، إذ قال عزمي للرئيس الأسد: “نحن المسيحيون والدروز والعلويون في قارب واحد، وعلينا مواجهة خطر المد الإسلامي”. وهذا الكلام صدر، بحسب ما نقل لي، عن قيادي بعثي كان على اطلاع بكل صغيرة وكبيرة.

وفي نهاية مقاله يتساءل الشيخ رائد عن ارتباكات بشارة، قائلًا: “فهو تارة يضفي على انتخابات الكنيست مسحة وطنية، وتارة يرى أنها وهم، وتارة يتغنى بالعروبة، وتارة يرشح نفسه لرئاسة الحكومة الإسرائيلية!! وفي الوقت الذي يصف فيه دول الخليج بالقبلية، ها هو منذ عقود يغرق في نعمتها!! فمن هو بشارة؟”.

كنت أتمنى لو كان لطفي مشعور على قيد الحياة، لأنه الوحيد الذي يعرف من هو عزمي بشارة، إذ إن لطفي هو الذي صنع منه مفكرًا، وأنا شاهد على ذلك.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى