لماذا سمم مستوطنون إسرائيليون بئر مزارع فلسطيني غربي رام الله؟ (فيديو)

لم يصدق الفلسطيني صابر عثمان، عينيه حين وقف أمام البئر التي حفرها بيده في أرضه وسط جبال قريته بيت عور التحتا، غربي مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، ورأى لون مياهها قد تحول من الصفاء المعتاد إلى مزيج من الأحمر والأسود الداكن.
ولطالما ارتبطت آبار تجميع مياه الأمطار الموجودة في منازل الفلسطينيين وأراضيهم، بصفاء مياهها ولذة طعمها، ويطلقون عليها اسم ماء السماء “مية سما” وهي أفضل ما يمكن أن يُعدّ به الفلسطيني الشاي أو القهوة.
لم يكن يعلم المواطن الفلسطيني حينها أن ما بدا للوهلة الأولى تلوثا عابرا سيكشف عن جريمة تسميم متعمدة، تضاف إلى سلسلة اعتداءات يومية يعيشها منذ شهور على يد مستوطني بؤرة “عوز تسور” التي تبعد أقل من 4 كيلومترات عن أرضه.

تسميم وتخريب متعمد
يروي صابر -صاحب الأرض والبئر- أن الحادثة لم تكن الأولى من نوعها، فأرضه التي يرتبط بها ارتباطا روحيا وتطل على مدينة يافا في أراضي الـ1948، باتت محط أطماع المستوطنين وهدفا دائما لمن يريدون “محو ذاكرة الفلسطيني” من مكان عاش فيه أجداده.
يقول صابر إنه فوجئ في مطلع يوليو/تموز الجاري بأن قفل البئر مكسور، وأن مستوطنين استخدموه للسباحة، فأعاد إغلاقه، قبل أن يبلغه جيرانه بوجود مستوطنين ومعهم قطعان أغنام داخل أرضه مرة أخرى.
وحين توجه إلى البئر مجدداً، وجد لون المياه قد تغير بشكل واضح، وهو ما دفعه إلى إبلاغ البلدية والارتباط المدني (جهة اتصال رسمية فلسطينية مع الجانب الإسرائيلي)، فحضرت طواقم الدفاع المدني والجهات الصحية المختصة، وأخذت عينات من المياه بعد تنسيق أمني اقتضاه وقوع الأرض ضمن ما يعرف بالمنطقة “ج” الخاضعة لسيطرة إسرائيلية كاملة.
أظهرت الفحوص الأولية وجود مادة سامة قاتلة، ما استدعى تفريغ البئر بالكامل خشية تسمم من يشربون منها، إذ يستخدمها صابر وجيرانه وعمال قطاف الزيتون في الشرب وإعداد القهوة والشاي، إضافة إلى ري أشجار الزيتون والعنب والتين والزعتر والميرمية.
لم يتوقف الأمر عند البئر؛ إذ يقول صابر: “المستوطنون عادوا في اليوم التالي واعتدوا على الأرض مجددا، فسكبوا براميل السماد الذي يستخدمه للري، وخربوا السلاسل الحجرية، واقتلعوا السياج، وحطموا الخلايا الشمسية وسرقوا العدة الزراعية”.

استهداف منظم
يمتلك صابر 10 دونمات (الدونم يعادل ألف متر مربع) ورثها عن أجداده، وحوّلها بجهده وتعبه على مدار سنوات إلى “جنة خضراء” تزهو بأشجار الزيتون والتين والعنب، وتفوح منها رائحة الميرمية والزعتر، فهذه الأرض ليست مجرد إرث، بل هي مصدر الدخل الأساسي لعائلته، لكنها تواجه اليوم خطر التعطيش والتخريب من المستوطنين، ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحول الوصول إليها إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.
يضطر صابر للتسلل إلى أرضه خلسة في ساعات ما بعد العصر أو قبيل الغروب ليسقي مزروعاته التي يعتبرها أغلى ما يملك، متحديا المعيقات التي يفرضها الاحتلال والمستوطنون منذ 9 أشهر.
ويقول إنه وبمجرد أن يلمحه المستوطنون يعترضون طريقه مباشرة: “لقد احتجزوني أكثر من مرة وتعرضت للضرب المبرح الذي أسفر عن كسر في يدي وثقته تقارير طبية”، كما اعتقل عدة مرات، مؤكدا أنهم يتعمدون استهدافه “لعلمهم بأنني صاحب هذه الأرض، في محاولة واضحة منهم لتهجيري منها”.
ولا تقتصر هذه الاعتداءات على بلدة بيت عور التحتا وحدها، ففي الأشهر الأخيرة سجلت مناطق فلسطينية أخرى حوادث مشابهة استهدفت الثروة الحيوانية، ومنها ما جرى في منطقة الخلايل جنوب قرية المغير شمال شرق مدينة رام الله، حين أقدم مستوطنون على تسميم عدد من رؤوس الأغنام العائدة للمزارع رزق أبو نعيم.
وكذلك الحال في تجمع عرب المليحات غربي مدينة أريحا، حيث سُمِّمَت أكثر من 50 رأسا من الأغنام في وقت سابق. وتعزز هذه الحوادث، قناعات فلسطينية بأن استهداف موارد الرزق من مياه ومواشٍ بات نهجا متكرراً يرافق التوسع الاستيطاني في محيط قراهم.
تثبيت الحق أمام “الهجمة الشرسة”
من جهته، يقدم رئيس بلدية بيت عور التحتا، خالد سليمان، صورة أوسع للسياق الذي جرت فيه الحادثة، موضحاً أن القرية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 7 آلاف نسمة، كانت تعتمد اقتصاديا على العمل داخل الخط الأخضر وعلى زراعة الزيتون.
ومع تراجع فرص العمل هناك، توجه الأهالي لإصلاح أراضيهم وزراعتها، وهذه الآبار تحديدا هي ما يعينهم على ري المزروعات التي تمثل مصدر دخل. ويقول سليمان: “للآبار في هذه المناطق الجبلية أهمية حيوية للشرب والري، ويعتمد عليها الجيران وعمال القطاف بشكل كبير”.
لكن المزارعين اصطدموا بـ”هجمة استيطانية شرسة” لا يعتقد أنها عفوية، بل جزء من مشروع أوسع يستهدف تقويض بقاء الفلسطينيين على أرضهم وكسر إرادتهم.
يوثق سليمان نمطاً متصاعداً من الاعتداءات اليومية، من تجريف للأراضي وتدمير للجدران الحجرية، إلى إغلاق الطرق وإقامة سواتر ترابية منعت المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في موسم الزيتون الماضي، ومصادرة أو إتلاف ما تبقى من محاصيلهم.
ويشير إلى أن بؤرة استيطانية رعوية تحمل اسم “عوز تسور”، زارها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش وألقى فيها كلمة، تتوسع على أراضٍ تعود لبيت عور التحتا ودير بزيع وعين عريك، ويستخدم القائمون عليها ذرائع “مناطق عازلة” لمنع الفلسطينيين من الاقتراب منها ولو كانت تبعد عنهم كيلومترات.
وتسعى البلدية لتثبيت الحق الفلسطيني عبر المسار القانوني، مرتكزة على توثيق الاعتداءات ميدانيا وأرشفة سندات الملكية للمواطنين، مع تعزيز التنسيق مع الهيئات الحقوقية والقانونية لمتابعة هذه القضايا.
المياه سلاح تهجير
من جهتها تنظر هيئة مقاومة الجدار والاستيطان (رسمية) “بخطورة بالغة” إلى ما جرى في منطقة بلدة بيت عور التحتا. وحسب مدير عام النشر والتوثيق في الهيئة أمير داوود، فإنه وبالرغم من انتظار النتائج المخبرية النهائية، إلا أن طبيعة الحادثة وموقعها لا يمكن فصلهما عن السياق المحيط الذي يستهدف الوجود الفلسطيني في تلك المناطق.
ويقول: “المعلومات التي واكبت اكتشاف المادة الغريبة داخل البئر الزراعية تشير بوضوح إلى أننا أمام تهديد مباشر يتجاوز فكرة الاعتداء على ملكية فردية، ليمس حياة المواطنين وصحتهم وبيئتهم الزراعية بشكل مباشر”.
ويؤكد داوود أن هذه الحادثة تندرج ضمن نمط أوسع ومنهجية تستهدف مصادر المياه الفلسطينية؛ سواء عبر التلويث، أو التخريب، أو سرقة المعدات، وصولاً إلى الاستيلاء الكامل على الينابيع.
ويرى أن المياه في هذا الصراع تحولت إلى “أداة ضغط وتهجير قسري”؛ فمن خلال ضرب مصدر المياه، يهدف المستوطنون إلى ضرب قدرة المواطن على السكن والزراعة ورعاية المواشي، وهي الركائز الأساسية للبقاء في الأرض.
وهذا النمط الموثق لدى الهيئة ليس جديداً، وفق المسؤول الفلسطيني، فقد سجلت مراراً اعتداءات طالت منظومات مائية إستراتيجية، كان أبرزها ما جرى في آبار “عين سامية” شمال شرق رام الله، التي تخدم نحو 100 ألف مواطن؛ حيث شملت الاعتداءات تحطيم الكاميرات وتخريب لوحات التحكم والمضخات.
دعوات للمحاسبة الفعلية
وكشف داوود أن الهيئة سجلت منذ مطلع عام 2024 وحتى اليوم هدم نحو 50 بئراً مائية فلسطينية، وهو ما يضع صمود المزارع الفلسطيني أمام تحديات وجودية ومخاطر مباشرة تلاحق تفاصيل حياته اليومية.
وأشار إلى حوادث متكررة منها تسميم مواشٍ في مناطق متفرقة من الضفة الغربية “في مؤشر على استهداف ممنهج لمقومات الصمود الزراعي والحيواني للفلسطينيين في محيط المستوطنات”.
وأوضح داوود أن الأثر الأخطر لهذه الاعتداءات يكمن في خلق “بيئة طاردة” للمزارع؛ فاستهداف البئر يعني تحميل المزارع تكاليف باهظة للتنظيف والإصلاح وشراء المياه البديلة، إضافة إلى احتمالية خسارة موسم زراعي كامل.
وهذا التكرار الممنهج للاعتداءات يهدف- حسب المسؤول الفلسطيني- إلى دفع الفلسطيني لتقليل وجوده في أرضه، ما يخلق فراغاً ميدانياً تسعى البؤر الاستيطانية والمستوطنون لاستغلاله من أجل توسيع نطاق سيطرتهم على المراعي والموارد الطبيعية.
ودعا داوود إلى ضرورة انتقال المجتمع الدولي من “بيانات الإدانة” إلى إجراءات عملية تشمل فرض عقوبات على المستوطنين المتورطين وملاحقة مصادر تمويلهم، مؤكداً أن المطلوب هو بناء مسار دولي جاد للردع وحماية حق الشعب الفلسطيني في موارده الطبيعية التي تتعرض لعملية استنزاف وتدمير ممنهجة.