أخبار وتقاريرتقارير ومقابلاتدين ودنياومضات

د. هبة هريش عواودة لـ “موطني 48”: نسعى إلى بناء علم نفس إسلامي ينطلق من القرآن والإنسان

 علم النفس الإسلامي ليس أسلمةً للنظريات الغربية بل مشروعًا معرفيًا أصيلًا

 القرآن الكريم يحمل إمكانات كبيرة لبناء الصحة النفسية وصناعة المعنى

مارية محاجنة

في زمن تتداخل فيه العلوم النفسية الحديثة مع الأسئلة القيمية والروحية، تبرز محاولات بحثية تسعى إلى إعادة قراءة الإنسان من منظور أكثر شمولًا يجمع بين البعد العلاجي والمعنى الإيماني. وفي هذا السياق، تفتح الباحثة والمعالجة النفسية د. هبة هريش عواودة، من كفر كنا، في حوار مع موقع “موطني 48″، نافذة واسعة على تجربتها العلمية والإنسانية، التي تمتد بين العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، والكتابة التربوية، والبحث في ملامح “علم النفس الإسلامي” بوصفه مقاربة تسعى إلى فهم أعمق للنفس الإنسانية من داخل مرجعيتها الثقافية والدينية.

موطني 48: كيف تعرفين نفسكِ للجمهور بين العلاج النفسي، والكتابة، والبحث الأكاديمي؟

د. هبة: هبة هريش عواودة، متزوجة وأم لأربعة أبناء. أحمل اللقب الأول في العلوم السياسية من الجامعة العبرية في القدس، وعملت لفترة في التدريس وقد أثار انخراطي في المدارس ومع الطلاب رغبتي في التحول إلى مسار أكثر ارتباطًا بالنفس الإنسانية والسلوك، وذلك لما لمسته من حاجة لدى أبنائنا لأذن صاغية ولمسة حانية واحتواء، فتابعت دراسة اللقب الثاني في الاستشارة التربوية.

واصلت بعدها مسيرتي الأكاديمية في مجال علم النفس، فحصلت على لقب ثالث -الدكتوراه- في علم النفس التدريبي من جامعة ميدلسكس البريطانية بالشراكة الأكاديمية مع جامعة بار إيلان، كما ودرست العلاج المعرفي السلوكي (CBT). حاليًا أعمل كمستشارة تربوية ومعالجة نفسية في عيادتي الخاصة بالإضافة إلى كوني باحثة في علم النفس الإسلامي.

إلى جانب عملي الأكاديمي والعلاجي، قمت بإصدار ثلاث قصص للأطفال تُعنى بالتربية القيمية. كما نشرت العديد من المقالات في مجلات محلية، إضافة إلى مقال علمي في مجلة عالمية تناول موضوع القيم لدى الشباب العربي في الداخل الفلسطيني.

ومؤخرًا أصدرت بطاقات تدخّلية بعنوان بطاقات الكهف، وهي تجربة تجمع بين القيم القرآنية وأدوات العلاج النفسي. كما أعمل بحثيًا على تطوير مقاربات في علم النفس الإسلامي بالشراكة مع البروفيسور ديفيد لين من بريطانيا، والبروفيسور هشام أبو ريا من جامعة تل أبيب، حيث نبحث في مقاصد الشريعة من منظور نفسي، وكيفية توظيفها في الصحة النفسية والعلاج، خصوصًا لدى المتعالجين المسلمين الذين تختلف منطلقاتهم الفكرية والروحية عن المنطلقات الغربية التي تشكّل أساس علم النفس التقليدي، وبالتالي كثيرًا ما يفشل علم النفس الغربي باحتواء المتعالج المسلم وتزويده بالإجابات والمعاني التي تلامس عقله وقلبه وروحه.

وحاليًا أعمل على بحث يتناول القدرة الكامنة في القصص القرآني في بناء وتطوير الصحة النفسية، انطلاقًا من سورة مريم، وكيف يمكن توظيف هذا البعد القصصي في العلاج النفسي وبناء المعنى لدى الإنسان.

موطني 48: بصفتكِ معالجة معرفية سلوكية (CBT)، كيف ترين أثر هذا المنهج في معالجة المشكلات النفسية داخل مجتمعاتنا العربية؟

د. هبة: أعتقد أنَّ الحاجة إلى العلاج المعرفي السلوكي كبيرة وملحّة في مجتمعاتنا العربية، لكن قبل الحديث عن أثره، من المهم توضيح ماهيته. فالعلاج المعرفي السلوكي يقوم على مساعدة الإنسان في الوصول إلى حالة من الوعي وفهم أفكاره ومشاعره، من خلال مراقبة هذه الأفكار وتقييمها، بهدف تطوير أفكار أكثر واقعية وعقلانية وأقل اندفاعًا وانفعالية، مما ينعكس على سلوك الإنسان وجودة حياته. وينطلق هذا العلاج من فكرة بسيطة وعميقة في الوقت ذاته: “إذا فكرت بشكل أفضل، ستشعر بشكل أفضل”.

ويُستخدم هذا العلاج مع مختلف الفئات العمرية، ولعلاج العديد من الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب، والقلق، والوسواس القهري، والمخاوف المختلفة كرهبة الامتحانات، إضافة إلى مشكلات التواصل داخل الأسرة، سواء بين الأزواج أو بين الأهل والأبناء.

موطني 48: أنتِ باحثة في علم النفس الإسلامي، كيف يمكن الجمع بين العلاج النفسي الحديث والمنظومة القيمية والإيمانية في الإسلام دون تعارض؟

د. هبة: أعتقد أن العلاقة بين العلاج النفسي الحديث والمنظومة الإسلامية ليست علاقة انسجام كامل كما قد يُطرح أحيانًا، بل هناك اختلافات جوهرية في المنطلقات والرؤية للإنسان والحياة، حتى وإن أمكن الاستفادة من بعض الأدوات والآليات العلاجية الحديثة.

فعلم النفس الغربي بُني في معظمه ضمن سياق فلسفي مادي ينظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا يعيش ضمن إطار الدنيا فقط، بينما تنطلق الرؤية الإسلامية من فهم أوسع للإنسان باعتباره روحًا وجسدًا وعقلًا، يعيش الدنيا باعتبارها مرحلة مرتبطة بالآخرة، مما ينعكس على فهم الألم والمعنى والغاية وحتى مفهوم السعادة والطمأنينة.

كذلك هناك اختلاف واضح في بعض الثنائيات الأساسية؛ ففي المنظور الإسلامي نجد ثنائية “الأخذ بالأسباب والتوكل على الله”، أي أن الإنسان مطالب بالسعي والتخطيط والعمل، مع الإيمان بأن النتائج بيد الله سبحانه وتعالى. بينما يرتكز الخطاب النفسي الغربي غالبًا على الإنسان باعتباره الفاعل المركزي الوحيد في التحكم بحياته ومصيره، دون حضور للبُعد الإيماني والغَيبي.

وأيضًا، في حين تميل كثير من المدارس النفسية الغربية إلى تعزيز الفردانية والاستقلال الفردي بوصفه قيمة عليا، فإن الإنسان في التصور الإسلامي يُفهم ضمن شبكة من العلاقات والمسؤوليات: علاقته بالله، وبأسرته، ومجتمعه، ونفسه.

ومن المهم هنا أن أوضح أن بناء علم نفس إسلامي لا يعني ما يفعله البعض من محاولة “ترقيع” أو “أسلمة” بعض النظريات الغربية، عبر البحث عن آية أو حديث يتقاطع مع فكرة موجودة أصلًا في علم النفس الغربي، وكأن النص الشرعي جاء ليؤكد ما توصّل إليه الغرب. برأيي، هذه ليست منهجية علمية راسخة، بل نوع من التبعية المعرفية غير الواعية.

الباحث المسلم بحاجة إلى أن يتحلّى بعزة فكرية وثقة بمنظومته المعرفية والإيمانية، بحيث ينطلق ابتداءً من القرآن الكريم والسنة وما يحملانه من تصور متكامل للإنسان والنفس والمعنى والحياة، ثم ينفتح بعد ذلك على المدارس والأدوات الحديثة للاستفادة والتعلّم والنقد والتطوير.

المطلوب برأيي هو بناء مشروع علمي أصيل، ينطلق من الرؤية الإسلامية أولًا، ثم يتفاعل مع المنجز الإنساني بوعي وثقة، لا بعقدة نقص أو بحث دائم عن شرعية من الخارج. ومن الجدير بالذكر أن هنالك اجتهادات ومحاولات جادة قام بها باحثون ودارسون منذ منتصف القرن الماضي في هذا المجال، أبرزهم الدكتور مالك البدري والذي توفي حديثًا.

موطني 48: في مجال كتابة قصص الأطفال، ما الذي يدفعكِ لاختيار هذا المسار؟ وهل ترين أن القصة ما زالت أداة فعالة في بناء وعي الطفل؟

د. هبة: حسبنا أن الله سبحانه وتعالى اختار القصص لتكون أسلوبًا قرآنيًا يخاطب الإنسان في مختلف حالاته النفسية والوجدانية، فالذي خلق النفس البشرية أعلم بما يؤثر فيها ويحرك وعيها. لذلك لا أرى القصة مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة عميقة في بناء الإدراك والقيم والمشاعر.

كما تؤكد الدراسات القديمة والحديثة أن القصة من أكثر الوسائل تأثيرًا في وعي الأطفال، لما تمتاز به من سهولة التلقي والتأثر في هذه المرحلة العمرية.

أما دافعي الشخصي للكتابة، فهو إيماني العميق بقدرة القصة على إيصال المعاني بطريقة حيّة وقريبة من القلب، وقد استلهمت معظم موضوعاتي من تجربتي كأم ومعايشتي اليومية مع أطفالي.

موطني 48: لديكِ أيضًا تجربة في إنتاج البطاقات الإبداعية، كيف بدأت هذه الفكرة؟ وما الرسالة التي تحاولين إيصالها من خلالها؟

د. هبة: بطاقات الكهف من المشاريع القريبة جدًا إلى قلبي، وأحمد الله على التوفيق في إصدارها، فلا أجمل من أن يستخدمك الله في المجال الذي يستهويك فيتحول شغفك إلى طاعة.

وتقوم فكرة البطاقات على استنباط قيم قرآنية من آيات مختارة من سورة الكهف، ثم توظيفها بأسلوب مستوحى من العلاج المعرفي السلوكي، بحيث تساعد الإنسان على التأمل في ذاته واختبار موقعه من هذه القيم في حياته اليومية.

والحمد لله، لاقت التجربة استحسانًا من مختصين ومهتمين في المجال النفسي والتربوي، وكانت دافعًا لي للتعمق أكثر في علم النفس الإسلامي.

موطني 48: هل ترين أن المشاريع الإبداعية الصغيرة، كالبطاقات والمنتجات التربوية، يمكن أن تكون وسيلة حقيقية للتأثير المجتمعي؟

د. هبة: التغيير المجتمعي الحقيقي لا يتحقق من خلال مبادرة واحدة أو عنصر واحد، بل من خلال تكامل الجهود وتعاون أصحاب القرار مع النخب الفكرية والتربوية والثقافية في المجتمع. لكن هذا لا يعني أن نقلل من قيمة المبادرات الفردية الصغيرة، فربما كلمة صادقة أو فكرة بسيطة تكون بداية لأثر كبير لا نتوقعه.

وأؤمن أن الإنسان مطالب بالسعي والعمل، لا بضمان النتائج. لذلك لا ينبغي أن ينتظر أحد الظروف المثالية حتى يبدأ، فلكل شخص أثر يمكن أن يتركه في محيطه، مهما بدا صغيرًا. وربما هذا ما يُعرف بأثر الفراشة؛ حيث تبدأ التغييرات الكبرى بخطوات بسيطة وصادقة. يكفي أن يكون الإنسان صادقًا في سعيه، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾، وهذه الآية تختصر معنى الحياة والعمل؛ أن المطلوب منا هو السعي والمبادرة وبذل الأسباب، أما النتائج فهي بيد الله.

موطني 48: من خلال تجربتكِ، ما أكثر قضية نفسية أو تربوية تشعرين أنها تحتاج إلى وعي أكبر داخل الأسرة العربية؟

د. هبة: للأسف، هناك الكثير من القضايا النفسية والتربوية التي تحتاج إلى وعي أعمق داخل الأسرة العربية، لكن من أخطر ما ألاحظه هو تطبيع بعض السلوكيات غير الصحية حتى أصبحت مألوفة ومقبولة اجتماعيًا.

فعلى سبيل المثال، اختلال نمط الحياة اليومي لدى كثير من الأبناء، حيث أصبح السهر المفرط أمرًا عاديًا، وأصبح الليل وقت نشاط والنهار وقت نوم، وهذا ينعكس بشكل مباشر على الصحة النفسية والتركيز والانضباط ونمط العلاقات داخل الأسرة.

كما أرى أن كثيرًا من الأسر تعاني من ضعف الحوار الحقيقي بين أفرادها، في ظل الانشغال الدائم بالشاشات والضغوط اليومية، مما يخلق فجوة عاطفية وتواصلية بين الأهل والأبناء. لذلك نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة “البيت الآمن نفسيًا”، الذي يشعر فيه الإنسان بالاحتواء والاستماع والدعم، لا فقط بالتوجيه والأوامر.

موطني 48: ما الرسالة التي تحبين توجيهها لكل امرأة تحاول أن تجمع بين رسالتها المهنية وشغفها الإبداعي؟

د. هبة: اجعلي عملكِ عبادة، وشغفكِ رسالة، ومهنتكِ بابًا للنفع والخير، واسعي بقلب مطمئن، فربما كلمة أو فكرة أو مبادرة صغيرة تغيّر حياة إنسان دون أن تشعري.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى