أخبار وتقاريردين ودنياومضات

دون ذا وينفُقُ الحمار

الشيخ عبد الله عيّاش – عضو حركة الدعوة والإصلاح

من أمثال العرب قديمًا قولهم: «دون ذا وينفُق الحمار». وكلمة «ينفُق» هنا من “النَّفَاق” الذي هو رواج السلعة، وليست من “النُّفُوق” الذي هو موت الدابة. ولهذا المثل قصة طريفة، مفادها أن رجلًا أراد أن يبيع حمارًا، فاستعان برجل خبير بترويج السلع، وطلب منه أن يمدح الحمار أمام الناس ليرغبوا في شرائه.

فذهبا إلى السوق، ولما اجتمع الناس، قال المروّج بصوت عالٍ مخاطبًا صاحب الحمار: هل هذا حمارك الذي كنت تصيد عليه الوحش؟! أي: الصيد المتوحش، كالغزال مثلًا. ففوجئ صاحب الحمار بهذا الإطراء المتكلَّف؛ إذ لا يمكن لمن يركب حمارًا أن يصطاد غزالًا! فقال للمروّج: «دون ذا وينفُق الحمار»، أي: إن الحمار يمكن أن يُباع بأقل من هذا الإطراء الكاذب.

فإذا وُجد إنسان يبالغ في المداهنة والمحاباة، مع إمكان حصوله على مراده بأقل من ذلك، قيل له: «دون ذا وينفُق الحمار».

ما أحوجنا إلى هذا الكلام في هذه الأيام، ونحن نرى كثرة المتملّقين على حساب الدين!

فكم من سياسة كان ثمنها عقيدة راسخة، وكم من صفقة كان ثمنها مبدأ ثابت، وكم من تسوية كان ثمنها مسجدًا شامخًا، مع أن «حمار» كل واحد من هؤلاء يمكن أن «ينفُق» بأقل بكثير من بيع الدين، ولكن وعد رسول الله ﷺ لا بد أن يتحقق: «يبيع دينه بعرض من الدنيا».

هذا الدين العظيم، بمبادئه وثوابته، وصل إلينا على إبر الشوك وجمر اللظى، سالت لأجله الدماء، وبُذلت في سبيله المُهَج. فصبر في سبيله بلال، وضحّى لأجله صهيب، وقُتل دونه مصعب. ولما جاءت النوبة إلينا، باعه بعضنا بثمن بخس، دراهم معدودة.

فشتان بين من دينه عقيدة في قلبه لا تنتزعها السياط ولا الزنازين، ومن دينه مال في جيبه يشتري به متاعًا من الدنيا قليلًا.

دخل التابعي الجليل عبد الله بن مُحَيِّرِيز دكانًا يريد أن يشتري ثوبًا، فقال رجل لصاحب الدكان، وقد عرفه: هذا ابن مُحَيِّرِيز، فقيهنا وعابدنا، فأحسن بيعه. فغضب ابن محيريز، وألقى الثوب من يده، وقال: “إنما نشتري بأموالنا، لا نشتري بديننا!”.

«إنما نشتري بأموالنا، لا نشتري بديننا» عبارة تُكتب بماء العينين، وجملة تُسطّر بماء الذهب؛ بها يُرفع الدين وتُصان المبادئ، ويستحق صاحبها وسام الإيمان على صدره وتاج القرآن على رأسه، ويُفخر به أنه من أحفاد أبي بكر وعمر، ويرفع صوته بالانتساب إلى محمد ﷺ.

قارن بين هذا الرجل الصالح وبين “النعمان بن محمد بن منصور” المتوفى عام 363هـ، قال الإمام الذهبي في ترجمته: «كان من أهل الفقه والدين والنبل، وله كتاب “أصول المذاهب”. قال غيره: كان مالكيًا، ثم تحوّل إلى مذهب الشيعة لأجل الرئاسة، وداخل بني عبيد، وصنّف لهم كتاب “ابتداء الدعوة”، وكتابًا في الفقه، وكتبًا كثيرة في أقوال القوم، وجمع في المناقب والمثالب، وردّ على الأئمة، وتصانيفه تدل على زندقته وانسلاخه من الدين، وأنه منافق نافق القوم…».

إلى أن قال الذهبي: «كما ورد أن مغربيًا جاء إليه فقال: قد عزم الخادم على الدخول في الدعوة (يقصد: دين العبيديين)، فقال له النعمان: ما يحملك على ذلك؟ قال: الذي حمل سيدنا. قال: يا ولدي، نحن أدخلنا في هواهم حَلْواهم، فأنت لماذا تدخل؟».

«نحن أدخلنا في هواهم حَلْواهم» ما أصعبها من كلمة، وما أصدقها على واقعنا؛ كم من رئيس ومسؤول أدخله في هوى الظالمين حلواهم، وكم من حكومة ودولة أدخلها في هوى المجرمين حلواهم.

فشتان بين موفَّق ومخذول. اللهم استخدمنا ولا تستبدلنا، وثبّتنا على دينك حتى نلقاك.

ورحم الله الشيخ العلامة يوسف القرضاوي حيث قال:

ضع في يديّ القيد ألهب أضلعي بالسوط ** ضع عنقي على السكينِ

لن تستطيع حصار فكري ساعةً ** أو نزع إيماني ونور يقيني

فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي ** وربي ناصري ومعيني

سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي ** وأموت مبتسمًا ليحيا ديني.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى