أخبار وتقاريردين ودنياومضات

لا تحرك الوتد.. فالنار من مستصغر الشرر

ليلى غليون

في حياة الناس أوتاد خفية لا تُرى بالعين، لكنها تثبت وتحفظ التوازن بينهم؛ ثقة بين صديقين، مودة بين زوجين، احترام بين زملاء أو جيران، وعدم تعدي الحدود. هذه الأوتاد وغيرها، إذا بقيت ثابتة بقي البناء ثابتًا مهما تلاعبت به الرياح، ولكن الخطر كل الخطر حين يأتي من يهز هذه الأوتاد، جاهلًا أو متعمدًا، كلمة هنا، قالوا عنك هناك، موقف عابر هنا، تصرف غير محسوب هناك، تدخل في غير موضعه، تعليق ساخر، تفسير سيئ للنيات، كلها أعمدة قابلة للاهتزاز، وما أن تُلقى البذرة حتى تجد من يسقيها ويغذيها، بالتأويل، بالمبالغة، بالهوى، بقلب حقود، ربما بدون قصد، لتنمو سريعًا، فتبدأ الشقوق الصغيرة التي لا تلبث أن تتحول إلى صدوع واسعة، على إثرها تشتعل الفتنة وتثور خلافات بين الناس لا يعلم حصادها إلا الله، فالأوتاد عندما تهتز فهي لا تهتز وحدها، بل تسحب معها سلاسل من الأحداث وأمواجًا عاتية من الفوضى والدمار.

إن الفتنة حتى تشتعل، لا تحتاج إلى حطب أو وقود كثير، ولا إلى مجهود كبير، يكفي أن تُلقى كلمة في غير موضعها، أو تُنقل عبارة دون تثبت، ليشتعل النزاع وتتهاوى العلاقات، وأخطر ما في الفتنة أنها تتغذى على سوء الظن وغياب الحكمة وعدم التثبت وغياب السؤال المهم: هل هذا الكلام صحيح؟ هل التداول به يصلح أم يفسد؟ وما يعنيني بهذا كله، هل يرضي الله سبحانه أم يرضي فضولي؟

وفي زماننا هذا الذي تتسارع فيه الأخبار كالنار في الهشيم، وتتوالى الأحداث، وتكثر فيه المنصات الرقمية، صار إشعال الفتنة أسهل من أي وقت مضى، ضغطة زر تنشر ما تريد، مقطع مجتزأ يُفهم على غير وجهه، تعليق حاد، كل ذلك قد يشعل الجو صخبًا وضجيجًا لا ينتهي.

فكم من علاقة متينة تآكلت بسبب “نقل الكلام”، وكم من خصومة اشتعلت لأن شخصًا اختار أسوأ تفسير ممكن لكلمة محتملة، لا لأن الحقيقة اقتضت ذلك، بل لأن هواه هو الذي حركه فأطاعه.

وليس كل من يحرك الوتد صاحب نية سيئة، فهناك من يظن نفسه “ناصحًا” أو “صريحًا” أو “مطلعًا” أو “فطحل زمانه”، ولكن هل تُصلح النية الحسنة الأثر السيئ إذا غابت الحكمة وغاب التعقل؟

فكم هم مشعلو الفتن والقلاقل ومثيرو الشحناء والبغضاء في مجتمعنا، يتعمدون تحريك الوتد باحتراف ثم يقولون إنهم لم يفعلوا شيئًا، يقول الله جل جلاله: (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا) الكهف.

ولتحريك الوتد وإشعال الفتنة أشكال متعددة منها:

  • أن تنقل حديثًا خاصًا دون إذن صاحبه، فتخون الأمانة وتكسر الثقة.
  • أن تقارن بين الناس على وجه يزرع الغيرة والبغضاء بينهم.
  • أن تتطفل وتتسلل إلى خصوصيات الغير فيما لا يعنيك، مستميتًا لمعرفة شؤونهم.
  • أن تتدخل بدعوى الإصلاح وأنت لا تحسن فهم الطرفين أو فحوى القضية.
  • أن تصغي للغيبة والنميمة وتمنحها حياة جديدة بإعادة نشرها.

ألا يعلم محرك الوتد أن مجرد كلمة لا يلقي لها بالًا، ربما دمرت نفوسًا وحطمت قلوبًا وكسرت مشاعر وأحاسيس لا يجبر كسرها جابر؟

ألم يعلم أن بفعلته هذه، والذي وفق حساباته فعل بسيط بريء، ربما جر المجتمع برمته إلى مستنقعات فتن وخلافات وسفك دماء وضرب الناس بعضها ببعض ورمي التهم والافتراء على الأبرياء ومشاكل ليس لها أول ولا آخر؟ أليس هذا ما تفعله الشائعات، والتي هي نتاج رواج كلمة دون تثبت؟

فكلمة سوء أو باطل تُطلق جزافًا بتهور واندفاع، تنطلق كالصاروخ الغاضب أو كالقذيفة التي ما أتت على شيء إلا جعلته خرابًا، تخلخل أركان علاقات كانت متينة، وتهز أركان أسر وبيوت قائمة كانت بالأمس القريب تظللها غمائم السعادة وراحة البال، وتقطع وشائج قربى وتدمر صداقة عمر، فتُقطع الأرحام، وتُشحن النفوس بالكراهية، وتُطلق زوجات، ويُشرد أبناء، وتسود أجواء العداوة والبغضاء، ويظن البطل صاحب اليد الطولى التي هزت هذه الأعمدة أنه لم يفعل شيئًا، ولا يدري أن العلاقات لا تنهار فجأة بل من وتد صغير يهتز دون أن يُلاحظ، حتى تسقط الخيمة على رؤوس من فيها.

إنها الكلمة، وما أدراك ما الكلمة، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالًا يرفعه بها الله الدرجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا تهوي به في جهنم”. رواه البخاري.

إنها الكلمة من سخط الله تعالى، يستهين بها قائلها، تخدش وتحرج وتجرح، وربما في بعض الأحيان جراحها يستحيل برؤها، ليصيب سهمها النفس وينغرز في القلب، يمزق يمينًا ويقطع شمالًا ويهشم جنوبًا.

وهي الكلمة من رضوان الله تعالى، تصنع المعجزات وتحيي في النفس الآمال وتنشلها من سراديب الأحزان والهموم بعد أن كانت قد تجاذبتها أشرعة اليأس وألقت بها على شواطئ الإحباط والخور.

وهي الكلمة الخبيثة التي تفرق وتدمر وتزرع الفتن، ويسري بين حروفها السم الزعاف لا يبقي ولا يذر.

وهي الكلمة الطيبة التي تقرب وتؤلف وتؤانس وتلبس القلب لباس الراحة والطمأنينة وتداوي الجراح وعلل النفس التي مزقتها الآهات والحسرات.

  • فكن من حراس الأوتاد الذين يثبتونها، لا الذين يخلخلونها؛ يحفظون الثقة، ويصونون الكلمة، ويختارون الإصلاح طريقًا.
  • الزم حدودك، ولا تتدخل فيما لا يعنيك فتكون الشرارة التي أشعلت لهيب المشاكل والخلافات.
  • أحسن الظن ما استطعت، فالنيات لا يطلع عليها إلا الله سبحانه.
  • اختر الصمت حين لا يكون الكلام ضروريًا، واختر كلماتك حين لا بد من الكلام، فقد يكون أسهل ما تفعله أن تشعل الخلاف بكلمة غير محسوبة، وأصعبه أن تطفئه.
  • لا تُشِع كلامًا لا تدري ما مصدره، أصدق هو أم كذب، فتكون مفتاحًا لأبواب الشر والإفساد بين الناس.
  • لا تمطر الغير بأسئلة عن أمورهم الشخصية فتسبب لهم الحرج والإيذاء النفسي والشعوري والاجتماعي.
  • لا تتدخل بين اثنين متخاصمين بدافع الفضول والتطفل ولتقصي الأخبار لمعرفة الأسباب التي أدت بهما للخصام والنزاع، فربما بدرت منك كلمة متسرعة لأحدهما أو كليهما فتوغر صدريهما، وإن استطعت الإصلاح فليكن بحكمة وتعقل لا بزيادة النار اشتعالًا.
  • دع تحليلاتك لنفسك، فلا تفسر ولا تحلل أحوال الناس وشؤونهم حسب مزاجك أو ظنونك أو هواك، وتشيعها بين الخلق وكأنها حقائق، وما هي إلا أوهام وظنون من صنع خيالك.
  • ليس كل ما يقال يُنقل، وليس كل ما يُنقل يقال، لا تنقل كلامًا قد يفسد بين الناس، ولا تعلق على كل ما تسمع.
  • تذكر دائمًا أن الكلمة قد تصلح علاقة، ولكنها قد تفسد عمرًا من المودة، وقد يطفئ الصمت نارًا وقد يشعل تعليق عابر فتيلًا، وقد تكون دون أن تدري سببًا في تفرق القلوب وتنافرها، فاختر كلماتك كما تختار ملابسك.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى