أخبار وتقاريرمقالاتومضات

لبنان في مهب الريح.. ماذا بعد وإلى أين؟

الإعلامي أحمد حازم

لبنان بلد العجائب والغرائب، وكل شيء جائز في هذا البلد الذي أسموه يومًا ما “سويسرا الشرق”. لكن النزاعات والصراعات المحلية والإقليمية التي عصفت به في النصف الثاني من القرن الماضي وحتى اليوم، جعلت منه لبنانًا آخر سياسيًا لا علاقة له بسويسرا، حيث طغت عليه، بسبب الحروب، صفات سلبية مؤذية، مثل: بلد الإرهاب، وبلد القتل، ودولة الميليشيات، وصفات أخرى عديدة. وإذا فتشنا عن الأسباب، نرى أن إسرائيل تقف وراء معظمها، إن لم تكن كلها.

ما يجري في لبنان حاليًا ليس جديدًا عليه. ففي منتصف القرن الماضي، وبالتحديد عام 1958، تعرض لبنان لعاصفة سياسية قوية أدت إلى ثورة شعبية ضد الرئيس اللبناني آنذاك كميل شمعون، استمرت نحو ستة أشهر، وانتهت تحت شعار: “لا غالب ولا مغلوب.. كلنا للوطن”، مع سقوط شمعون. وكان سبب الثورة الشعبية نية شمعون إدخال لبنان في حلف بغداد الاستعماري. وكان الرئيس اللبناني الأسبق كميل شمعون مرتبطًا بـ”حلف بغداد” عبر علاقاته الوثيقة مع النظام الملكي العراقي، وأيد الحلف (الذي تأسس عام 1955) باعتباره تحالفًا غربيًا يهدف إلى مواجهة المد الوطني في المنطقة. ورغم تأييده العلني والضمني لتوجهات الحلف، فإن لبنان لم ينضم إليه رسميًا بسبب الانقسام الداخلي والمعارضة الشعبية الكبيرة. وفي منتصف شهر أبريل/نيسان عام 1975، شهد لبنان حربًا أهلية مدمرة. صحيح أن الحرب أُطلق عليها اسم “حرب السنتين”، لكنها عمليًا استمرت 15 عامًا، حتى عام 1990. وقد نشأت كصراع متعدد الأطراف بين تحالف الأحزاب المسيحية اليمينية والفصائل الفلسطينية المسلحة، قبل أن تتسع لتشمل انقسامات طائفية وسياسية وتدخلات خارجية.

عندما وافق الأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي، هوشي منه، على إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة، توجه إلى المعترضين داخل مؤتمر الحزب على تلك المفاوضات بقوله: “خذوا سيفي هذا واضربوا به عنقي إن أنا ساومت على حقوق الوطن”. وحين فاوض هوشي منه الأميركيين، لم يتوقف الفيتكونغ (الثوار) عن قتل الجنود الأميركيين، وسار التفاوض واليد العليا في الميدان للفيتكونغ وجيش الشعب الفيتنامي. فالتفاوض مع الأميركيين يجب ألا يتخطى المبادئ.

الرئيس اللبناني جوزيف عون لا يستطيع ترداد ما قاله الزعيم الفيتنامي، لأنه تخلى عن كرامة الوطن في المفاوضات لصالح إسرائيل وأميركا. وهاتان الدولتان صنفهما البروفيسور الأميركي جون ميرشايمر، من جامعة شيكاغو، في دراسة عميقة له، بأنهما دولتَا إبادة. ويقولون إن السعودية عقرب لا يمكن الوثوق بأنها سوف تتوقف عن اللدغ، لكن أميركا شيطان لا يمكن الركون إلى أي سلام معه.

كان جنوب لبنان، ولا يزال، نقطة ضعف الدولة اللبنانية. ففي سنوات السلم، كان هذا الجزء من لبنان منطقة مهملة لا يلقى الاهتمام الكافي من الدولة، وفي زمن الحرب كان، ولا يزال، الهدف الرئيس لإسرائيل.

إن عمليات القصف الإسرائيلي اليومية لجنوب لبنان، وتوغل جيش نتنياهو في أراضٍ جنوبية، وعمليات نسف البيوت وتسويتها بالأرض، وانتهاك اتفاق الهدنة الموقع منتصف الشهر الماضي، تستهدف كلها الضغط على لبنان من أجل الإسراع في مفاوضات التطبيع مع إسرائيل، ودفع لبنان للعمل بجدية على حصر سلاح حزب الله بيد الجيش اللبناني، وهذا يعني أن المواجهة مع حزب الله قد تؤدي إلى حرب أهلية.

المفاوضات بدأت، وحصل بدل الاتفاق اتفاقان لوقف إطلاق النار. وماذا كانت النتيجة؟ “تيتي تيتي متل ما رحتي جيتي”. إن اتفاقية وقف إطلاق النار الأخيرة التي تمت بين لبنان الرسمي وإسرائيل بإشراف أميركي هي، من وجهة نظر قانونية، باطلة. لماذا؟ لأن المادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تنص على أن: “تعتبر المعاهدة باطلة بطلانًا مطلقًا إذا تم إبرامها نتيجة التهديد بالقوة أو استخدامها”. وهذا ما ينطبق على الاتفاق مع لبنان. وتنص المادة نفسها على أن “إبرام اتفاق بغياب الطرف الأساسي الذي يمتلك القوة التنفيذية على الأرض (المقاومة)، يجعله اتفاقًا ساقطًا من الناحية الإجرائية، إذ لا يمكن إلزام طرف ثالث ببنود لم يوقع عليها”. وهذا ما ينطبق على حزب الله، الذي لم يشارك في الاتفاق، وهو طرف أساسي.

وثمة نقطة أساسية في المفاوضات تتمثل في مخالفة الدستور اللبناني. إذ تنص الفقرة الثالثة من وثيقة الطائف، الموقعة في لبنان، وحسب الدستور، على أن “بسط سلطة الدولة يتم بعد إزالة الاحتلال إزالة كاملة”. وبالتالي، فإن حظر سلاح المقاومة أو تجريمها في ظل احتلال يتمدد ويتجاوز 1300 كيلومتر مربع، هو طعن مباشر في الدستور. وبذلك تحولت السلطة الرسمية إلى أداة لقمع المقاومة وتأمين مصالح المحتل.

والدولة اللبنانية، بحسب خبراء قانون، ارتكبت ثلاث خطايا. الخطيئة الأولى كانت في 5 و7 آب/أغسطس 2024، حيث تم إقرار “ورقة الأهداف الأميركية” المتضمنة حصر سلاح المقاومة والالتفاف على الدستور في ظل وجود الاحتلال. أما الخطيئة الثانية فكانت في 2 آذار/مارس 2026، حين أقر مجلس الوزراء اللبناني بأن “المقاومة وأعمالها خارج إطار القانون”، وذلك في ذروة العدوان الإسرائيلي. والخطيئة الثالثة كانت في 5 حزيران/يونيو 2026، حيث ينص اتفاق وقف إطلاق النار الحالي على أن المقاومة تعتبر عدوًا للبنان.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى