معركة الوعي (286) وماذا إن عادت المشتركة وأمُّ المشتركة؟!
حامد اغبارية
- 1.
غريبٌ أمرُ المتأسرلين من أبناء مجتمع الداخل الفلسطيني، قياداتٍ وأفرادًا!! ففي الوقت الذي تشهد المنطقة، منذ ثلاث سنوات، زلزالًا غير مسبوق بهزات ارتدادية متواصلة لم تتوقف بعد، ويبدو أنها لن تتوقف عن قريب، وفي الوقت الذي تسعى المؤسسة الإسرائيلية – بمدد من بابل؛ الزانية العظيمة وأخواتها – إلى تغيير وجه الشرق الأوسط، حتى يصبح “صهيونيًا بامتياز”، خاليًا من أيّ صيحة “لا”!! وفي الوقت الذي يُذبح شعبنا في غزة والضفة من الوريد إلى الوريد، وفي الوقت الذي تصعّد حكومة نتنياهو سياستها العنصرية ضد مجتمعنا، وفي الوقت الذي بات واضحًا للأعمى قبل البصير أن سياسة الاحتلال تجاه المسجد الأقصى المبارك لم تعد مجرد تكهنات وفرضيات واستقراءات، بل مخططًا يعملون على تنفيذه في غفلة من الأمة، وفي الوقت الذي تسيل فيه دماء أبناء هذه الأمة أنهارًا في كل مكان، يصرّ هؤلاء المتأسرلون من أبناء مجتمعنا على أن أمّ معاركنا الفاصلة القاطعة المانعة، التي ستحسم القضايا والملفات، وتنهي المعاناة، وتعيد الحياة إلى الموتى تكمن في انتخابات الكنيست، وأنّ إحياء عظام القائمة المشتركة وهي رميم، هي التي ستعيد أمجاد الأجداد وبطولات الفاتحين…!
- 2.
والسؤال الكبير: وماذا إن عادت القائمة المشتركة وزحفت نحو الكنيست على القوائم الأربع؟ وماذا لو عادت أمُّ المشتركة وأبوها وعائلتها وعشيرتها؟ ما الذي سيتغير؟ وأي “أمل” ستبعثه تلك القائمة التي لم تقم لها يومًا قائمة، في نفوس المتعَبين واليائسين والقانطين والمسحوقين؟ ما الجديد المُعجِز الذي ستأتي به هذه المرة؟ وأي شعار سترفعه لتقول للناس إنها تعبير عن إرادتهم وتحقيق لرغباتهم وتأكيد لأحلامهم وتجسيد لطموحاتهم؟!
- 3.
ها هي الأقطاب الكنيسيتية تفتش عن كل وسيلة بسراج وفتيلة كي تبعث الحياة في الجسد الميت، وتُجيّش الإعلام التجاري المنتفع للتطبيل والتزمير والتسويق و”التشويق” من أجل غسل دماغ المواطن، وإعادة برمجته ليركز من الآن وصاعدًا على المصطلحات الانتخابية السنهدرينية، بعد ثلاث سنوات من التركيز على أشلاء تتناثر، ودماء تُسفك، وأبراج تُدكّ فوق رؤوس أصحابها، ومزارع تُحرث، وبنايات تُسوّى بالأرض، ومقابر تُنبش، ومصانع تُحرق، ومساجد تُهدم، وجامعات تُدمّر، ومدارس تُقصف، ونزوح متواصل، وجوع كافر، وعطش قاتل، ومرض فتّاك، وحصار مميت، وتواطؤ دولي – عربي (بما فيه فلسطيني!!)، ومخططات تهجير وإخلاء وإخفاء، واستيطان مسعور، ونهش وقضم وضمّ للأرض… بعد كل هذه المشاهد المستمرة حتى اللحظة، ينهض النائمون في فراش الأسرلة ولسان حالهم يقول: جاءك الفرج يا فرج!!!
- 4.
ويكأنهم لا يعلمون!! وكأنهم لا يقرأون… لا الحاضر ولا التاريخ حديثه وقديمه!! وكأنهم مخلوقات غريبة من كوكب آخر..
كأنّهم لا يدركون أن ما يعِدون به الجمهور (القطيع) من سمن وعسل وحليب (تنوفا وأخواتها) إنما هو أوهام..
نعم… إنهم يعرفون ويحْرِفون ويُحرّفون…
يعرفون أن السلطة الإسرائيلية لا تُعطي شيئًا إلا بمقابل، ولا تعطي للأغيار إلا ما يكفي لسد رمقهم، فهم في نظرها عظمة في الحلق أفلتت من قبضة التاريخ عام النكبة، ولا بد من التعامل معها بما تستحق!
يعرفون أن السلطة الإسرائيلية لا تفي بوعود ولا تلتزم بعهود. فإن كانت تجربة ثمانية عقود لا تكفي دليلًا، فإليك غزة ولبنان مثالين حيّين حاضرين دليلًا على ذلك.
فهي في الحرب التي تسيل فيها الدماء لا تلتزم بهدنة، ولا باتفاقيات، ولا بقانون دولي، فهل تفي بوعودها لمواطنين تنظر إليهم من “خُرم المجهر الأمني” لمجرد أن القائمة المشتركة عادت للحياة؟! على من تضحكون؟ ومَن تخدعون؟! إن تخدعون إلّا أنفسكم قبل أن تخدعوا الناس! ولن تحققوا شيئًا ذا قيمة، ولن تحصلوا على شيء إلا ما تريده لكم المؤسسة التي أنتم صنيعتها!
إنكم تصارعون طواحين الهواء…
- 5.
إلى أين سيصل منصور عباس قبل السقوط الأخير؟!
في تصريح (غير مفاجئ!) لعضو الكنيست منصور عباس؛ رئيس القائمة الموحدة، أثناء مشاركته في مؤتمر جامعة تل أبيب الأسبوع الماضي، قال بالحرف الواحد: “أحد الأمور التي ستساعد في حل مشاكل المجتمع العربي هو وجود خدمة للجميع… كل صيغة خدمة يجب أن تشمل جميع مكونات المجتمع الإسرائيلي، ونحن موجودون هناك… أنا أتحدث أيضًا عن خدمة مدنية للعرب”!
ولماذا هو تصريح غير مفاجئ؟!
لأن النهج الذي سار فيه عضو الكنيست عباس كان يحمل من بداياته دلالات على ذلك. وقد كانت البداية في مؤتمر صحافي في نوف هجليل قبل بضع سنوات، والذي استعرض فيه، باسم الحركة الإسلامية – الجنوبية، الميثاق الجديد والنهج الجديد والخطاب الجديد أو تجديد الخطاب. من تلك اللحظة بدأ السقوط من ارتفاع شاهق. فلمَ الاستغراب من تصريح حول خدمة مدنية أو شرطية أو عسكرية أو خدمة من أي نوع؟!
إن الغرابة تكمن في الاستغراب من تصريح هو – ربما – تتويج للنهج، ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد. فكل شيء وارد. وما ينسحب على الموحدة ونهجها، ينسحب قبل ذلك على أقطاب المشتركة الأخرى، فهم الأصل في كل مصيبة ومتردية ونطيحة… وما نهج الموحدة إلا من ثمار صراع عبثي مع تلك الأطراف على مجد وهميّ…!
- 6.
ولماذا الإشارة إلى السقوط الأخير في السؤال السابق؟!
إن كل طريق له بداية وله نهاية. فإما أن يكون على نهج أصيل، وإما على نهج دخيل. ولكليهما نهاية، ونهاية النهج الأصيل نعرفها ويعرفونها. وما عرفنا – من دروس التاريخ – من نهايات مُفرحة تُثلج الصدر لنهج دخيل! فإن عثر أحدكم في خبايا التاريخ وخفاياه غير هذا فليخبرنا ولا يتأخر…! فربما كنا مخطئين!!
لقد دخلت الإسلامية الجنوبية ملعب السياسة الإسرائيلي تحت اسم “القائمة الموحدة”، وهي تعلم أن هذا الطريق لا رجعة عنه، وتعلم أن الثمن باهظ، والتكلفة عالية، والتنازلات عن الثوابت حتمية، والنتائج وخيمة، والثمار حصرمٌ حامض، و”الإنجازات” صفر.
ولقد رأت قيادات الجنوبية بعينها، وسمعت بأذنها سلسلة طويلة من التصريحات لعضو الكنيست منصور عباس، لم يكن أحد من أبناء الصحوة الإسلامية يحلم في أسوأ كوابيسه أن يخرج من رحمها من يقول ما قاله ويفعل ما فعله، ثم تملأ فيها ماء، فلا تنبس ببنت شفة، ولا توقف الانهيار ولا تمنع السقوط… فنهج مَن هو إذن؟!!
- 7.
لقد قامت الصحوة الإسلامية يوم أن قامت، على مبدأ خدمة مجتمعها، وإعلاء شأنه، وإقالة عثراته، وإعادته إلى أصوله العريقة وجذوره الأصيلة، دون منّة من أحد، ودون استجداء، ودون أن تكون يدها هي السفلى. فأنشأت لأجل ذلك المؤسسات، وأعدّت السواعد والخبرات، فكانت مضرب الأمثال في الاعتماد على الذات، حتى جاء مَن هدموا الهيكل، واختاروا منهج السلامة على سلامة المنهج. وما منصور عباس إلا الصوت المعبر عن النهج، فلمَ العجب؟!
- 8.
وإنك لو راجعت تصريحات عضو الكنيست منصور عباس منذ (الطلقة الأولى) ولغاية اليوم، فإنك ستتوصل إلى نتيجة حتمية تقول بحتمية ما آل إليه الأمر منذ أن أُطلقت نظرية “السياج”!! وهي نتيجة جعلت حتى الإسرائيلي يرفع حاجبيه دهشة.
كان هذا بدءًا من الحديث عن القاسم المشترك بينه وبين الإسرائيليين الذي هو أكبر من المفرّق. فهو يمدّ يده من أجل إيجاد فرصة لحياة مشتركة في الأرض المقدسة للديانات الثلاث وللشعبين.
ثم الحديث عن أن الحركة الإسلامية (الجنوبية) قطعت شوطًا طويلًا، حتى في ميثاقها الذي أشركت دوائر مسيحية ودرزية في مناقشته وصياغته النهائية. ثم الحديث عن تسليم الهوية، ثم الحديث عن أن المسلمين يصلّون في الأقصى واليهود يصلّون في الكوتل الغربي، ثم اتخاذ أحبارهم قدوة عليا ومثلًا يُحتذى، وقبل ذلك توقيع التنظيم الذي يمثله منصور عباس على بيان “حوار الأديان” في إسبانيا الذي اعتبر الصراع في فلسطين سياسيًا وليس دينيًا، ثم اللقاءات السرية مع حاخام المستوطنين دروكمان، ومطالبته له بالتصريح علنًا أن “أرض إسرائيل ملك لشعب إسرائيل وأن هذا موجود في القرآن”، وردّه بأن هذا سيعرض حياته للخطر (ما يعني – ربما – أنه لو ضمن نجاته لقال ما يريده الحاخام)، لكنه يمكن أن يعلن بأن إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية، وقد فعل!!
فهل بعد هذا وغيره من تصريحات سابقة، وما سيأتي لاحقًا من تصريحات ستكون أشد وطأة من مجرد الحديث عن “خدمة مدنية”، والذي جاء في ذكرى مرور 78 سنة على نكبة الشعب الفلسطيني، ما يجعلك تفكر للحظة أن هناك ما يمكن أن يوقف هذا الانهيار الاختياري؟!!
