أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرشؤون إسرائيليةعرب ودوليومضات

احتلال مُقنّع بلبنان.. إسرائيل تنزع الحياة بمنطقة “الخط الأصفر”

في خطوة تعكس توجّهًا لتوسيع نطاق المناطق العازلة خارج حدودها على غرار ما نفذته في غزة وسوريا، تواصل تل أبيب تكريس نهج الاحتلال المقنّع في إطار ما أسمته “الخط الأصفر” جنوبي لبنان، وسط رفض وتحذيرات من تداعيات إنسانية وميدانية متفاقمة.

وفي أبريل/نيسان أعلن الجيش الإسرائيلي فرض “الخط الأصفر” جنوب نهر الليطاني في لبنان، وهو خط وهميّ يحدد المنطقة الممتدة منه وصولا إلى الحدود على أنها “أمنية عازلة” في تكرار لنموذج قطاع غزة.

هذا الخط، وفق إسرائيل، يهدف إلى منع عودة النازحين واستهداف أي تحركات مسلحة بصفته “منطقة قتال” لا تخضع لتفاهمات وقف إطلاق النار، ما يشير إلى محاولة ترسيخ واقع ميداني جديد بتكريس سياق وتبرير مسبق لهجماتها المستقبلية في المنطقة.

ويأتي هذا التطور عقب الحرب الأخيرة مع “حزب الله”، حيث ركّز الجيش الإسرائيلي على العمليات البرية، متوغلاً لمسافات وصلت إلى نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، من محيط بلدة راشيا وصولاً إلى بلدتي الناقورة ورأس البياضة.

تجاذب وغموض
في ظل هذه المستجدات، يتجه الواقع نحو إعادة رسم معادلات ميدانية جديدة، حيث لا يبدو “الخط الأصفر” مجرد إجراء أمني مؤقت، بل مؤشر على مرحلة مفتوحة من التجاذب العسكري والسياسي، في ظل غياب حسم واضح لمستقبل المنطقة.

فالخط الإسرائيلي يواجه رفضًا لبنانيًا، لا سيما أنه يمتد على طول عشرات البلدات الجنوبية، متسببًا بنزوح سكانها من مناطق حدودية حتى تخوم العرقوب المكوّنة من 7 قرى رئيسية بقضاء حاصبيا في محافظة النبطية، وهي: شبعا وكفرشوبا والهبّارية وكفرحمام وراشيا الفخارو الماري والفرديس.

وفي هذا الإطار، أكد النائب عن “حزب الله” حسين فضل الله أن “الخط الأصفر” وجميع تداعيات الحرب سيتم إسقاطها، في إشارة إلى رفض تثبيت هذا الواقع على الأرض.

ويعيد هذا الإجراء إلى الأذهان تجربة “الشريط الحدودي” الذي أقامته إسرائيل بين عامي 1978 و2000، مع اختلاف في السياقات الإقليمية والظروف الجيوسياسية الراهنة.

فكلا الإجراءين يتشابهان بكونهما يهدفان إلى إنشاء منطقة عازلة داخل لبنان تمنع الاقتراب العسكري أو المدني من الحدود الإسرائيلية، وتسمح لتل أبيب بالسيطرة النارية أو العسكرية عليها.

كما ينتج عن كلا الحالتين نزوح أو منع عودة السكان إلى عشرات القرى، مع تدمير ممنهج أو سيطرة عسكرية تحول المنطقة إلى خطرة أو محظورة.

إلا أن “الشريط الحدودي” الذي بدأ بعد عملية “الليطاني” عام 1978، ثم توسع بعد اجتياح 1982، كان يعكس احتلالًا بريًا مباشرًا، مع السماح ببقاء بعض السكان في القرى تحت سيطرة إسرائيلية غير مباشرة.

أما الفارق الأبرز بينهما فيتمثل في حجم الدمار الحالي، حيث تشهد البلدات الحدودية عمليات تجريف وتفجير وتهجير واسع، خلافًا للفترة السابقة.

وتقول إسرائيل إن الهدف من إنشاء “المنطقة العازلة” الجديدة هو حماية مستوطناتها الشمالية من هجمات صاروخية محتملة.

غير أن مستقبل هذا الحزام لا يزال غير واضح، خاصة مع ما قد يترتب عليه من أعباء عسكرية ومادية، وارتباطه بملف سلاح “حزب الله”.

وإن كان نهر الليطاني يمثل حاجزًا طبيعيًا أمام التوسع الإسرائيلي، إلا أن المعطيات الميدانية لا تحسم بشكل قاطع حدود السيطرة الفعلية، في ظل استمرار التوتر والغموض حول بعض البلدات.

دمار على مد البصر
ومن مناطق قريبة من بلدة الخيام الحدودية ترصد مشاهد دمار واسع في القرى الواقعة ضمن نطاق “الخط الأصفر” وخاصة الخيام ذاتها، حيث بدت آثار التفجيرات وتجريف المنازل واضحة من على بعد مئات الأمتار.

وأفاد إعلام لبناني بوقوع عمليات تفجير متكررة لمبانٍ سكنية، وتصاعد أعمدة الدخان من عدة نقاط، في مشهد يعكس حجم الدمار الذي طال المنطقة.

كما أكد مسؤولون محليون وعدد من السكان أن العمليات الإسرائيلية أدت إلى تدمير واسع للبنى التحتية والممتلكات، ومنعت الأهالي من العودة إلى قراهم.

ويكرر الجيش الإسرائيلي نشر توثيق مصور لتفجير مئات المباني بزعم أنها “بنى تحتية لحزب الله”، رغم إعلانه الالتزام بوقف إطلاق النار.

ويتواصل التصعيد الإسرائيلي في لبنان رغم وقف إطلاق النار المعلن في 17 أبريل/ نيسان لمدة 10 أيام، والذي جرى تمديده لثلاثة أسابيع إضافية، فيما يقول “حزب الله” إنه يرد على خروقات تل أبيب للاتفاق.

حزام عازل
رئيس اتحاد بلديات العرقوب الحدودية قاسم القادري، يقول إن بلدات المنطقة التزمت خلال الحرب “نهج المواجهة السلمية المدنية”، مؤكًدا عدم وجود أي مظاهر مسلحة فيها.

ويوضح في تصريح صحفي، أن السلطات المحلية “تتبع للدولة اللبنانية ولا تمتلك أي سلاح أو مواقع عسكرية”، مؤكدًا أن المنطقة خلت من أي وجود عسكري بعد وقف إطلاق النار.

القادري أشار إلى أنه بعد وقف إطلاق النار الأول وانسحاب عناصر الحزب “لم يعد هناك أي وجود عسكري في المنطقة، ما يفترض أن ينزع أي ذريعة لاستهدافها”.

وأضاف أن هذا التوجّه جاء “انسجامًا مع موقف الدولة اللبنانية التي اعتبرت أن الحرب ذات طابع إقليمي مفروض عليها”، لافتاً إلى أن ذلك “ساهم نسبيًا في تجنيب بعض بلدات العرقوب دمارًا أكبر مقارنة بمناطق أخرى”.

المسؤول المحلي أشار إلى أن “البلديات والسكان فوجئوا بعد الهدنة بإنشاء حزام أمني يمتد من الناقورة وصولاً إلى الخيام”.

وأوضح أن “القوات الإسرائيلية باشرت فورًا بتجريف المنازل وتدمير البنية التحتية ومنعت الأهالي من الدخول، في إطار ما يمكن وصفه بعملية تدمير ممنهجة تطال كل مقومات الحياة”.

وتابع أن “هذا الحزام لم يبقَ ضمن نطاق ضيق، بل توسّع تدريجياً باتجاه منطقة العرقوب بعرض يراوح بين 3 و5 كيلومترات، ما أدى عمليًا إلى عزل القرى عن بعضها البعض، وقطع الطرق الحيوية التي تربط بينها، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم”.

ضغوط متزايدة
يشير القادري إلى تفاقم الأوضاع المعيشية جراء هذا التقسيم الجغرافي الذي تفرضه إسرائيل، لا سيما أزمة المياه، نتيجة منع الوصول إلى مصادر أساسية تحتاج إلى صيانة وتشغيل، مبينا أن بعض البلدات تعاني من انقطاع المياه منذ أسابيع.

ويضيف أنه ضمن مساعي مواجهة الأزمة، وجّه اتحاد بلديات العرقوب مذكرات إلى مسؤولين لبنانيين وقوات حفظ السلام الأممية “اليونيفيل”، مطالبًا بالتدخل لضمان حرية الحركة وتأمين الخدمات الأساسية.

ويبيّن أن “مسار الحزام الأمني يمتد من بلدة الماري، مرورًا بـ بسطرة ورباع التبن، وصولاً إلى مطلّ شبعا الجنوبي، ثم إلى التلال الفاصلة بين شبعا وشويا وعين قنيا”.

ويوضح أن “هذا الامتداد يقطع شرايين أساسية ويعزل مناطق كاملة مثل شبعا عن راشيا الوادي وحاصبيا”.

ويرى القادري أن “هذا الإجراء لا يمكن فصله عن سياق الضغط السياسي المرتبط بالمفاوضات”.

وفي أبريل عقدت جولتان من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل للمرة الأولى منذ 43 عاما، في واشنطن برعاية أمريكية، فيما يتمسك حزب الله برفض أي تفاوض مباشر مع إسرائيل.

وفي 20 أبريل قال الرئيس اللبناني جوزاف عون إن التفاوض هدفه وقف الأعمال العدائية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمناطق جنوبية، ونشر الجيش حتى الحدود الجنوبية المعترف بها دوليا.

كما أعرب القادري عن أمله في انسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية المعترف بها، مؤكدا أن “الخطوط الجديدة تفتقر لأي شرعية قانونية”.

ويرى مراقبون، أن منطقة الخط الأصفر التي أنشأتها إسرائيل، تهدف إلى جانب ما تقول إنه إنشاء “خط دفاع أمامي”، إلى امتلاك أوراق تفاوض إضافية للضغط على لبنان لتوقيع اتفاق يوافق تطلعاتها العدوانية، سواء بالتبرير المسبق لهجماتها أو لاحتلالها للمنطقة وإفراغها من سكانها.

وقبل الهدنة بدأت إسرائيل في 2 مارس/آذار عدوانا على لبنان خلّف 2509 قتلى و7 آلاف و755 جريحا وأكثر من 1.6 مليون نازح، أي نحو خُمس السكان، حسب أحدث معطيات رسمية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى