
الإعلامي أحمد حازم
صحيح أن لبنان نظريًا هو دولة، لكن هذه الدولة من الناحية العملية ليست صاحبة القرار الفصل. الحديث الرئيس على المستوى السياسي والشعبي اللبناني والغربي والدولي في هذا الوقت يتمحور حول مفاوضات مباشرة قد يشهدها لبنان في الأيام المقبلة مع إسرائيل، للاتفاق على معاهدة سلام بين البلدين المتجاورين (من دون حسن جوار)، لأن إسرائيل في هذه الفترة تحتل جنوبه وتقصف وتقتل وتهجّر سكان الجنوب.
يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، أو يكاد يقترب من ذلك. الرئيس المصري الراحل أنور السادات قال جملة لا ينساها المواطن العربي خلال خطاب له أمام مجلس الشعب المصري في التاسع من شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1977، حيث قال في ذلك الخطاب إنه مستعد للذهاب إلى أي مكان، بما في ذلك الكنيست الإسرائيلي، وإلقاء خطاب أمامه بحثًا عن السلام.
رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق في ذلك الوقت، مناحيم بيغن، التقط ما قاله السادات في خطابه ودعاه لزيارة القدس وإلقاء خطاب أمام الكنيست. وبعد عشرة أيام، أي في التاسع عشر من الشهر نفسه، فاجأ السادات العرب والعالم بزيارته المشؤومة لإسرائيل، والتي أحدثت زلزالًا سياسيًا لدى الشعوب العربية وقوى التحرر العالمي. وقد نجم عن زيارة السادات توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978، والتي لا تزال سارية المفعول إلى يومنا هذا.
الرئيس اللبناني جوزيف عون يبدو أنه متأثر بتفكير السادات تجاه إسرائيل. ففي الخطاب الذي وجهه مؤخرًا إلى الشعب اللبناني قال فيه: “أنا مستعد للذهاب إلى أي مكان لتحرير أرضي”. ما أشبه اليوم بالأمس. فهل يلتقطها نتنياهو ويوجه دعوة لعون لزيارة إسرائيل؟ وهل يفعلها عون ويلقي خطابًا أمام الكنيست يسفر عنه توقيع معاهدة على غرار كامب ديفيد بين لبنان وإسرائيل، كما فعل السادات قبل 49 عامًا؟
جوزيف عون معروف بأنه مرضيّ عنه أمريكيًا. فعندما كان قائدًا للجيش اللبناني، قبل انتخابه بفترة قصيرة رئيسًا للدولة اللبنانية، زار واشنطن وحده أكثر من مرة بدعوات رسمية. والله أعلم ما كان خلف الكواليس حتى أصبح فيما بعد رئيسًا للجمهورية اللبنانية. رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام لا يختلف كثيرًا عن عون؛ فالبيت الأبيض لا يرد له طلبًا، والعكس صحيح أيضًا. ومن يقرأ تاريخ تطوره حتى وصوله إلى رئاسة محكمة العدل الدولية وما تبعها، يستنتج ذلك.
يخطئ المحللون الذين يعتقدون بأن اللبنانيين لم يفاوضوا إسرائيل بشكل رسمي ومباشر في السابق. أسوق حكاية التفاوض بناءً على المعلومات المتوفرة: في “تفاهم نيسان” عام 1996، كان حزب الله الطرف المباشر من غير أن يكون على الطاولة، فيما مثلته سوريا أكثر من الدولة اللبنانية في اللجنة الخماسية التي ضمتهما مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل. حصل ذلك أيضًا في مفاوضات القرار 1701 عام 2006، ومثّلها رئيس الحكومة وقتها فؤاد السنيورة. وكان حزب الله أيضًا أول المفاوضين في اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، ممثلًا برئيس مجلس النواب نبيه بري.
في المرات الثلاث هذه، الناشئة عن حروب ضارية، وكما تقول المعلومات، كان الأمريكيون شريكًا رئيسًا في اتفاقات وقف النار، وجلس لبنان وإسرائيل إلى الطاولة نفسها وجهًا لوجه. ولا تزال لجنة “الميكانيزم” قيد العمل منذ عام 2024.
على كل حال، المشهد السياسي اللبناني الآن، كما نراه، هو عون وحزب الله في مواجهة حتمية. ويرى محللون أن خطاب الرئيس جوزيف عون إلى اللبنانيين جاء في لحظة الهدنة المؤقتة، ليضع خطًا حديديًا فاصلًا في العلاقة مع حزب الله، الذي أعلن قبل ساعات من بث خطاب الرئيس عون أن “السلطة أدخلت لبنان في مرحلة شديدة الخطورة عبر الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل خلافًا للإرادة الوطنية، وقد عزل عون نفسه”. وقد قال عون صراحة للحزب: “إننا في مرحلة الانتقال من العمل على وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، بعد استعادة قرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن”، ملوحًا بالاستعداد “للذهاب حيثما كان لتحرير لبنان، وشعبي معي”.
لا أدري عن أي شعب يتحدث عون. فرغم الإشارة باستمرار إلى الحديث عن سلام مع إسرائيل في الخطاب الرسمي اللبناني، فإن رئيسي الدولة والحكومة، عون وسلام، يتجنبان حتى الآن تسمية ما يجري بـ”تطبيع العلاقات” بشكل صريح. والنقطة الأهم أن إحصاءات حديثة تظهر أن الغالبية العظمى من الشارع اللبناني لا تزال رافضة لهذا المسار التفاوضي. فقد أظهر “المؤشر العربي” الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن 89% من اللبنانيين يرفضون التطبيع مع إسرائيل.
بقي علينا القول إن العلاقة بين لبنان وإسرائيل مرت بعدة محطات تفاوضية منذ عام 1949، تنوعت بين اتفاقيات رسمية ملزمة وتفاهمات أمنية محدودة ومؤتمرات دولية عابرة. ففي عام 1949، وقّع بلد الأرز اتفاق الهدنة مع الدولة العبرية الوليدة وقتها، وكان الوحيد من نوعه حينها، لكنه لم يتحول إلى سلام سياسي دائم أو تطبيع شامل في أي مرحلة لاحقة.
