أخبار وتقاريرمقالاتومضات

كيف تُهزم الأمم من الداخل

نظرية التخريب الأيديولوجي

ليلى غليون

يظن الكثير أن الحروب تُحسم بالأسلحة الثقيلة والصواريخ والدبابات، ولكن يخرج صوت يقول غير ذلك، وأن أخطر الحروب هي التي لا تُرى ولا تدور رحاها في الميادين… إنها الحروب التي تستهدف العقل والفكر والقيم. إنه يوري بيزمينوف، الذي أشار إلى هذا المعنى والذي عاش داخل منظومة صراع فكري ثم خرج يحذر العالم ويقول: “إن إسقاط الأمم يبدأ من العقول لا من الحدود”.

يوري بيزمينوف، ولد عام 1939 وتوفي عام 1993، وهو صحفي سوفييتي سابق وعميل دعائي عمل مع جهاز الاستخبارات السوفييتي، ثم انشق إلى الغرب بسبب قمع النظام السوفييتي للمفكرين، واستخدام الإعلام كأداة تضليل، فقرر الهروب عام 1970 إلى الغرب واستقر في كندا وأصبح من أبرز المنتقدين للاتحاد السوفييتي، وغير اسمه ليصبح توماس ديفيد لدوافع أمنية.

اشتهر بعد انشقاقه بمحاضراته المسجلة ومقابلاته التلفزيونية، وكان أهمها مقابلة شهيرة عام 1983 تحدث فيها عما عُرف بـ”نظرية التخريب الأيديولوجي”، شرح فيها كيف تعمل الحرب الأيديولوجية ضد المجتمعات، وكيف تؤثر على عقول الشعوب لإضعافها من الداخل بدل الحرب العسكرية… (وهذا المقال تلخيص لما جاء في تلك المقابلة المترجمة للعربية في إحدى القنوات على اليوتيوب والتي أنصح بمشاهدتها).

عرّف يوري بيزمينوف عملية التخريب الأيديولوجي بأنها: (عملية شديدة البطء تمتد سنوات طويلة، تهدف إلى تغيير إدراك الواقع لدى الشخص في أي مجتمع مستهدف، لدرجة لا يعود معها قادرًا على التوصل إلى استنتاجات معقولة تحمي مصالحه ومصالح عائلته ومجتمعه حتى لو أُغرق بالمعلومات الصحيحة، وتكمن خطورة هذا السلاح أنه ليس بحاجة لجيوش جرارة ولا صواريخ عابرة للقارات، بل هو سلاح ناعم يعمل على استغلال نقاط الضعف الكامنة في المجتمع المستهدف وتضخيمها وتحويلها إلى أدوات انتحار ذاتي).

وأخطر ما في هذه النظرية كما يقول بيزمينوف: “إن الإنسان قد يصل إلى مرحلة لا يرى الحقيقة حتى لو كانت أمامه بوضوح بسبب التراكم الطويل للأفكار التي ضُخت والتأثير النفسي المستمر”.

فحسب وجهة نظره، إن تفكيك المجتمعات لا يعتمد على القوة العسكرية، بل على أسلوب خفي بطيء لكنه شديد الفعالية، يعمل على إعادة تشكيل وعي الإنسان نفسه، إنها الحرب على العقول. يقول بيزمينوف: “أفضل طريقة للسيطرة على عدوك، أن تجعله يدمر نفسه بنفسه”.

فكيف شرح يوري بيزمينوف سقوط الأمم دون رصاصة واحدة؟
يرى بيزمينوف أن سقوط الأمم لا يحدث فجأة، بل يمر بمراحل أربع:

المرحلة الأولى: التدمير المعنوي “مرحلة نزع القيم”. تحتاج من 15-20 سنة. (وهذه المرحلة التي سأتكلم عنها بإسهاب في هذا المقال).

المرحلة الثانية: زعزعة الاستقرار أو “اهتزاز الداخل”. المجالات المستهدفة: الاقتصاد، الأمن، العلاقات الأسرية والاجتماعية، صراعات داخل المجتمع.. العبث بأسس المجتمع وتسخير رموز مصطنعة للتشكيك في الترابط الاجتماعي وتركيز الشباب بالملذات والموضة والعنف ونشر الأجندات المريبة والمطامع الشخصية.

النتيجة: الأسرة تتصدع، الثقة بين الناس تنهار، القلق والخوف ينتشران… المجتمع مضطرب، متوتر، بدأ يفقد توازنه.. تحتاج هذه المرحلة من 2-5 سنوات.

المرحلة الثالثة: مرحلة الأزمة، أو “لحظة الانفجار”: وقوع حدث كبير يهز المجتمع… أزمة… فوضى… صدمة عامة في المجتمع أو صدام داخلي…

النتيجة: يشعر الناس بالخوف والضياع، فالإنسان في الأزمات يفقد التفكير الهادئ ويصبح مستعدًا لقبول أي حل. مدتها قصيرة، فقد تكون أسابيع أو أشهر.

المرحلة الرابعة: مرحلة التطبيع أو فرض الواقع الجديد، وتقديم حلول جاهزة، ويقال للناس هذا هو الطبيعي.

النتيجة: مع مرور الوقت يتأقلم الناس مع الوضع الجديد ويصبح مقبولًا حتى لو كان سيئًا وتُنسى القيم القديمة.

في هذا المقال سأتطرق إلى المرحلة الأولى بالذات لأنها الأساس الذي تُبنى عليه بقية المراحل، وهي -في نظر بيزمينوف- أخطر من أي مواجهة عسكرية، لأنها تستهدف الفرد من الداخل، فكره، قيمه، معاييره، وهي التي سماها مرحلة التدمير المعنوي، بمعنى إعادة تشكيل وعي المجتمع، بحيث تتبدل معاييره دون أن ينتبه، ويشكك في ثوابته، ثم يفقد ثقته بما كان يراه حقًا.

إن إعادة تشكيل طريقة التفكير -كما يقول بيزمينوف- تحدث من خلال:

  • التشكيك في الثوابت، وتحويل المسلمات إلى وجهات نظر.
  • التأثير على المناهج التعليمية (إعادة تشكيل عقول الأجيال وزرع أفكار معينة مقصودة منذ الصغر).
  • السخرية من القيم والدين.
  • تضليل القدوة (إظهار نماذج غير سوية كقدوات مع تغييب النماذج الإيجابية أو التقليل من شأنها).
  • إغراق الناس بالتفاهة، وتقديم الانحراف كحرية.

وهذه المرحلة تحتاج من 15-20 سنة لتشكيل المنظور الأيديولوجي، لأن هذه هي المدة اللازمة لتعليم جيل كامل… طلاب… أطفال… وتشكيل وعيهم، وجعل هذا الجيل ضائعًا وسط القيم التافهة التي لا تحترم الثوابت والأخلاق والمحرمات، (والهدف هنا ضرب القيم والمبادئ الأساسية للمجتمع) فإذا دُمرت أخلاقه ودُمر نظام التعليم فيه، فهذا الجيل سيحمل الراية ويقوم بالمهمة ويدمر الأجيال التي تأتي بعده.

وعندما تحدث عن التدمير الأخلاقي لأي مجتمع ذكر ثلاثة معايير:
• المعيار الديني: اصنع تفاهات في المجتمع، ضع رموزًا يتم تلميعها وتسويقها وتقديمها كنماذج للفكر الحر المستنير، تنشر العقائد الدخيلة، وتهاجم الدين والعقيدة، تجعل الناس تهتم بالأمور التافهة، وتجعل الدين أمرًا غير مهم أو قابلًا للطعن والاستهزاء، وصرف الناس عنه بالخرافات، وتجعل الشيخ وعالم الدين قابلًا للطعن، وتجعل التشكيك في الدين أمرًا عاديًا، والدين مادة للنقاش والجدال، بل ويُنظَر إليه كأمر متخلف أو ساذج.

• المجال التعليمي: إضعاف التعليم، إسقاط هيبة المعلم، صرف الناس عن العلوم المفيدة والبناءة والفعالة، وإشغال الناس بالعلوم الثانوية التي لا علاقة لها بالعلوم الأساسية، مثال: علم الأبراج… علم الطاقة… الاقتصاد المنزلي… الغذاء الوطني… حياتك الجنسية…

• المجال الإعلامي: السيطرة على المجال الإعلامي، فيكون بأيدٍ غير مؤتمنة وغير منتخبة، توجه الرأي العام، وتعمل على غسل الأدمغة عبر ضخ طوفان من المواد الترفيهية السطحية والتافهة، وتكرار الرسائل حتى تصبح حقيقة، فتختلف المعايير، فمع التكرار يصبح الخطأ عاديًا والعيب مقبولًا والحياء ضعفًا، والثابت تخلفًا، والانفلات حرية، حتى يصل الفرد إلى مرحلة يرى الباطل فيها حقًا.

• استبدال المؤسسات الطبيعية مثل الأسرة بكيانات أخرى: وذلك لخلق حالة من الاغتراب بين الفرد ومحيطه، فلا يكون هناك ترابط أسري أو ترابط اجتماعي، جعل الشخص أو الشاب أو المراهق لا يشعر بهذا الترابط في أسرته، فهو يعيش داخل البيت لكنه لا يعيش داخل أسرته (وهذا ما نلاحظه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكيف يقضي الشاب أو الفتاة معظم الأوقات على مواقع التواصل الاجتماعي، يعيش في كيانات اجتماعية افتراضية كثيرة بعيدًا عن أسرته (رغم أنه يعيش بينهم وفي بيت واحد).

فإذا تمت السيطرة على التعليم والإعلام والثقافة، وتشوشت المفاهيم واختلت وضعفت الثقة بالهوية، فقد تم التحكم في كيفية تفكير الناس وليس فقط بأفعالهم. والنتيجة: يفقد الشخص ثقته بنفسه، ويفقد مرجعيته، ويشك في ثوابته، ويعجز عن التمييز بين الحق والباطل، حتى لو عُرضت عليه الحقائق لن يصدقها. والنتيجة مجتمع هش، سهل التأثر، سهل التوجيه والسيطرة، سهل الانقياد دون الحاجة إلى القوة العسكرية.

هذه المرحلة هي الأطول والأخطر كما وصفها “يوري بيزمينوف”، لأنها تستهدف القيم الأساسية للمجتمع، حيث يبدأ الشك يتسلل إلى المسلمات، وتُفرغ المفاهيم من معانيها، فيصبح الحق محل جدل، والثوابت موضع سخرية، وفي هذه المرحلة لا يشعر الناس بالخطر… بل يظنون أنهم أكثر تحررًا بينما هم في الحقيقة يفقدون البوصلة.

خلاصة نظرية يوري بيزمينوف:
• إذا أردت أن تهدم أمة فلا تبدأ بجيوشها، بل ابدأ بعقول أبنائها، فالسيطرة الحقيقية ليست بالسلاح بل بالعقل.
• تغيير القيم يسبق إسقاط الأمم.
• العملية تتم عبر مراحل طويلة.
• المجتمعات لا تسقط حين تهدم جدرانها بل حين يتصدع وجدانها.

فما العلاج إذن من وجهة نظره؟
يقول “يوري بيزمينوف”: (إن الحرب التي تبدأ بالفكر لن يهزمها إلا وعي حي وبصيرة متقدة). ويحدد العلاج بقوله: “إن أقوى علاج لهذا السيناريو، يبدأ بإيقاف أخطر خطوة وهي الأولى “إفساد الأخلاق”… وأنجح حل لإفشال هذه الخطوة هو إعادة المجتمع إلى الدين، لأن الدين هو ما يحكم علاقات المجتمع ويجعله يتناغم بشكل سلس ويحفظ تماسكه في أكثر الأيام سوادًا”.

وها هي أهم التوصيات التي طرحها لمواجهة ما سماه التخريب الأيديولوجي:
1- اعتبر أن الوعي هو خط الدفاع الأول، لأن من يفهم الأساليب أقل عرضة للتأثر بها.
2- التوعية والتعليم: شدد على تعليم الناس كيف تعمل الدعاية والتضليل.
3- حث على تحليل المعلومات بدل تلقيها بشكل سلبي.
4- دعا إلى التمسك بالقيم والمؤسسات، فالمجتمعات تحتاج إلى مؤسسات قوية (تعليم، قانون، إعلام مهني).
5- شدد على أهمية القيم المشتركة وعدم التفكك الداخلي.
6- دعا إلى وجود قيادات واعية بخطورة الحرب الفكرية.

وبعد: لو أسقطنا هذه العملية على مجتمعاتنا اليوم، نجد نفس السيناريو ونفس المخطط: تغيير مناهج التعليم، إلغاء الدين من التأثير على الحياة العامة، إفساد أخلاق المجتمع، إسقاط الشباب في الملذات، استسهال الهجوم على القيم الدينية والأخلاقية، نسف الاستقرار الاجتماعي، استفحال العنف وانتشار الجريمة، كثرة المشاكل الأسرية والزوجية وكثرة حالات الطلاق، صناعة التفاهة والرموز التافهة، الاتفاقيات الدولية التي تدمر الأسرة والمجتمع وتهاجم الدين… وغيرها.

فهل حدث ذلك يا ترى صدفة لمجتمعاتنا بين يوم وليلة، أم تراه حدث من فراغ؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ وأن مخططات شيطانية إبليسية رهيبة دُبرت بليل بهيم عبثت في أبجديات مجتمعاتنا حتى أوصلتها إلى ما وصلت إليه؟!!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى