“باب العامود بلا ضجيج”.. تفاصيل حملة إسرائيلية لقتل حيوية المجتمع المقدسي

طالما لجأت المقدسية شيماء عبد ربه إلى باب العامود بحثا عن الراحة والتنزه، وانتظرت أمامه صديقاتها وأفراد عائلتها.
لكنّ باب العامود المؤدي إلى البلدة القديمة ومنها إلى المسجد الأقصى المبارك بمدينة القدس، لم يعد على حالته الأولى، فقد بدأت منذ سنوات عملية تفريغه من المقدسيين ومنع الجلوس أو إقامة الفعاليات على درجاته.
واشتد الاستهداف مع بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، حيث أغلقته قوات الاحتلال أمام الفلسطينيين، باستثناء سكان البلدة القديمة.
ويُعد باب العامود، بمثابة “الروح النابضة” للقدس بالنسبة لكل مقدسي، وهو المكان الذي يجتمع فيه الأقارب والأصدقاء بشكل عفوي، فبمجرد سؤال أي مقدسي: أين نلتقي؟ يجيب تلقائيا: لاقيني في باب العمود.
“كل حجر في هذا المكان يشهد على قصص أهل القدس من شباب وشيب وأطفال، ترعرع طفلاي كنان وكنز في باب العامود، ولنا فيه ذكريات جميلة جدا”. تقول شيماء.
تغييرات السنوات الأخيرة، والذكريات الجميلة لهذه الأسرة تحولت إلى خوف يراود كنان عام 2021 عندما اندلعت مواجهات عنيفة في المكان، ورأى بأم عينه استهداف المقدسيين بالضرب والاعتقال والقنابل الغازية والصوتية، وشهد أيضا على تعرض والدته شيماء للضرب على يد مستوطنة.
مقاومة الخوف
ولأن الأطفال يربطون حبهم أو كرههم للمكان بذكرى أو حكاية عنه، ارتبط هذا الحيز لدى كِنان بالخوف من المواجهات، وولّد ذلك لديه ردة فعل عكسية بعدم الرغبة في الوصول إلى المكان، خشية تكرار الرعب.
يهم شيماء -كأم- أن يتأصل الانتماء للقدس ولأبوابها لدى طفليها، وأن يواظبا على التوجه إلى المكان دائما، لذلك فكرت بمخرج لتحويل المكان مرة أخرى إلى مكان جميل وآمن في عيني طفلها الذي كان يبلغ من العمر حينها 5 أعوام.
اصطحبت طفلها، الذي تعلم للتو درس العدّ التصاعدي والتنازلي، إلى باب العامود، وضعت على كل درجة من درجاته بطاقة تحمل رقما من 1 إلى 10، وبدأت وطفلها يصعدان وينزلان وهما يعدّان الأرقام، ثم لعب مع آخرين كرة القدم هناك، وهي الهواية التي كان يمارسها كِنان في هذا الحيّز قبل خوفه من الوصول إليه.
“نجحتُ في استبدال الأحداث السيئة في ذاكرة كنان إلى أخرى جميلة، وعاد انتماؤه للمكان بعدها.. لم يكن هدفي إقناعه أنه لا توجد أشياء مخيفة في العالم من حولنا لأن ذلك غير صحيح، بل علّمته وما زلت أنه يوجد أمان وحياة رغم كل ما نمرّ به” تضيف شيماء.
“دار أبونا”
“دار أبونا” هكذا وصف الناشط والرحالة المقدسي رمزي العباسي، باب العامود، وهي عبارة اشتهر بها ويرددها على حساباته بمنصات التواصل كلما تحدث عن الأماكن في فلسطين “باب العامود هو الحيز الذي يحتوينا ويحن علينا ونعطيه من قلبنا وروحنا، فهو رمز للسيادة والصمود والتحدي والشهداء والرباط في الأرض”.
تؤلم رمزي القيود المتتالية التي حولت ساحة ومدرجات باب العامود من مكان للراحة والأمان إلى ثكنة عسكرية، في ظل وجود أبراج المراقبة العسكرية والكاميرات التي تراقب كل شاردة وواردة.
يصف الناشط الفلسطيني الوضع الحالي لباب العامود بالقول “باب العمود اليوم يتيم يفتقد أبناءه وأحبته، وافتقدوا هم الاستمتاع بالجلوس وتبادل الأحاديث اليومية على مدرجاته”.
لكنْ رغم ذلك يؤكد الشاب المقدسي أن الباب سيبقى عنوانا ومساحة لكل الأجيال، ويؤمن بأن المنغصات الحالية المتمثلة بالتفتيش الاستفزازي للمواطنين والمراقبة وكل ما يدور في فلكها من انتهاكات ستزول.
أهم أبواب القدس
وباب العامود أحد أهم مداخل البلدة القديمة بالقدس، ومنذ عام 2017 يعمد الاحتلال إلى سرقة هذا الحيز الوطني والاجتماعي من المجتمع المقدسي لمنعه من التجمع، وتحويله إلى ثكنة عسكرية ونقطة تجمع محمية للمستوطنين الذين يقصدونه في طريقهم إلى ساحة البراق للصلاة، ويحتشدون فيه في مناسباتهم وخاصة خلال مسيرة الأعلام في يوم “توحيد القدس”.
وبدأ الاحتلال تحويل هذا الباب إلى ثكنة عسكرية بُعيد اندلاع هبّة “باب الأسباط” في صيف 2017، عبر نصب غرفة مراقبة أمنية جانبية و3 أبراج مراقبة في الساحة المقابلة له، وأضيف برج مراقبة رابع لاحقا، إضافة لغرفة مراقبة أعلاه ووجود دائم للشرطة.
ومع حلول شهر رمضان عام 2021 نصبت قوات الاحتلال سواتر حديدية بشكل لافت عند باب العامود، كما وضعت حواجز حديدية على مدرجاته ومنعت الجلوس والتجمع فيه.
وأشعلت هذه الخطوة شرارة توتر يومي، إذ اعتبرها المقدسيون حينها محاولة لتغيير طابع المكان وسلبه وظيفته كمساحة اجتماعية مفتوحة، ما أدى إلى اندلاع مواجهات متواصلة انتهت بإزالة تلك السواتر بعد نحو أسبوعين.
تهويد الحيز العام
يعتبر الكاتب والباحث الأكاديمي ساهر غزّاوي ما يحدث في باب العمود “جزءًا من سياسة إسرائيلية ممنهجة للسيطرة على الحيز العام وإعادة تشكيله بما يخدم مشروع التهويد”.
ويضيف أنه منذ احتلال القدس عام 1967، يتعرض هذا الموقع الحيوي لعملية مستمرة من الإخضاع “إلا أن المرحلة الحالية تشهد تصعيدا واضحا في أدوات السيطرة”.
وأشار إلى منع قوات الاحتلال الإسرائيلي المصلين من أداء صلاة عيد الفطر في منطقة باب العامود ضمن إجراءاتها القمعية التي تطول كل منطقة البلدة القديمة والمسجد الأقصى، في ظل انتشار مكثف لعناصر الشرطة وتشديد الإجراءات العسكرية في محيط البلدة القديمة.
يقول الغزاوي إن باب العمود يُعد الشريان الرئيسي للبلدة القديمة وأحد أبرز فضاءاتها العامة “ما يجعله هدفا مركزيا لهذه السياسات، إذ يسعى الاحتلال إلى تحويله من ساحة اجتماعية مفتوحة إلى منطقة أمنية خاضعة لرقابة مشددة، عبر الإغلاقات، والتفتيش المكثف، والتضييق على الحركة التجارية، بما يؤدي عمليا إلى تفريغه من الفلسطينيين وإضعاف حضوره الطبيعي فيه”.
إعادة تعريف المكان
يؤكد غزاوي أن ما يجري ليس مجرد إجراءات أمنية أو تنظيمية، فهذه السياسات تسعى إلى تفريغ باب العامود من معناه التاريخي والاجتماعي كفضاء فلسطيني مفتوح، وإعادة إنتاجه كحيز مُراقب وخاضع لمنطق السيطرة بعدة وسائل:
– عسكرة الفضاء العام وتحويله إلى ما يشبه الثكنة.
– ممارسات رمزية كفرض مرور “مسيرة الأعلام”.
– تغيير أسماء الشوارع، بما يهدف إلى طمس طابعه العربي والإسلامي، وإدماجه ضمن سردية إسرائيلية بديلة تعيد تعريفه سياسيا وثقافيا.
– ضرب أحد أهم الفضاءات الجامعة للفلسطينيين في القدس.
وتكمن خطورة تفريغ باب العامود من وظيفته الاجتماعية والحيوية والسياسية -وفقا لغزّاوي- في “ضرب أحد أهم الفضاءات الجامعة للفلسطينيين في القدس، فالمكان لم يكن مجرد ممر، بل ساحة تفاعل يومي ومنصة للتجمع والاحتجاج والتعبير الشعبي”.
وبرأيه فإن تفريغ باب العامود من وظائفه يقود إلى:
– ضعف القدرة على التنظيم والحضور الجماعي.
– يتحول الوجود الفلسطيني من حالة طبيعية إلى وجود مُجزأ ومقيد.
– تفكيك الروابط الاجتماعية التي تتشكل في الفضاء العام.
– إخماد الدور السياسي للمكان الذي شكل في السنوات الماضية نقطة ارتكاز للمبادرات الشبابية والحراك الشعبي، بما يخدم في النهاية فرض واقع يحد من أي تعبير جماعي أو حضور شعبي فاعل.
سياسة متراكمة ومستمرة
لا يمكن فهم هذه الإجراءات -وفقا للباحث- بوصفها مؤقتة أو مرتبطة بظرف أمني عابر “بل تأتي ضمن سياسة طويلة المدى ومتراكمة منذ عام 1967، تتصاعد حدتها في فترات التوتر، وتترافق مع تحريض جماعات استيطانية متطرفة تدعو إلى تغيير واقع المسجد الأقصى ومعالم وهوية القدس عموما”.
وتقوم هذه السياسة على تثبيت واقع جديد في الحيز العام عبر أدوات دائمة من المراقبة والعسكرة وإعادة تنظيم الفضاء، بحيث يتحول هذا الواقع تدريجيا إلى أمر اعتيادي ومسلّم به، يقول غزاوي.
ودون أدنى شك، يرى الباحث الفلسطيني أن عسكرة باب العامود ترتبط بشكل مباشر بترهيب المصلين وتقييد وصولهم إلى الأقصى، “فالواقع الذي يمر به المسجد من إغلاقات وتشديدات متكررة يثبت هذا التوجه، خاصة أن هذا الباب يشكل أحد أهم المداخل الحيوية المؤدية إليه”.
وعليه، فإن تكثيف الحواجز والتفتيش والوجود الأمني في هذا الموقع “لا يقتصر على ضبط المكان، بل يندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تقليص تدفق المصلين، وتحويل الوصول إلى الأقصى من مسار طبيعي إلى تجربة محفوفة بالقيود والضغوط” وفق غزاوي.
المصدر: الجزيرة
