تبرئة ذمة وحسابات سياسية في إعادة هيكلة الجيش السوداني

أثارت التغييرات الواسعة التي أجراها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في هرم قيادة الجيش السوداني الكثير من التساؤلات حول طبيعة هذه التعديلات ودواعيها، والتي جاءت وسط حرب متواصلة مع مليشيا قوات الدعم السريع التي كانت تمثل إحدى وحدات الجيش البرية. كما دفعت التغييرات بوجوه عسكرية جديدة غير معروفة سياسياً، ما جعل مراقبين يعتقدون أنها محاولة لدحض الاتهامات حول تسييس المؤسسة العسكرية ونفوذ الإسلاميين داخلها، خصوصاً بعد قرار الولايات المتحدة الأخير بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمةً إرهابية. وهذه التغييرات الواسعة هي الثالثة في قيادة الجيش السوداني منذ اندلاع الحرب في 15 إبريل/نيسان 2023.
تعديلات واسعة في قيادة الجيش السوداني
والخميس الماضي، أجرى البرهان تعديلات جديدة وواسعة في قيادة الجيش شملت إعادة تشكيل هيئة الأركان، وترقية ضباط الى رتب أعلى وإحالة آخرين للتقاعد. كما شملت القرارات إعفاء الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين من منصب رئيس هيئة أركان القوات المسلحة، وإحالته للتقاعد، وتعيين الفريق أول ركن ياسر عبد الرحمن حسن العطا رئيساً لهيئة الأركان بدلاً عنه. كما تم تعيين نواب جدد لرئيس هيئة الأركان لشؤون الإدارة والتدريب والإمداد والعمليات، ورئيس لهيئة الاستخبارات العسكرية.
والاثنين أصدر البرهان قراراً بإلغاء قرار سابق أصدره في مايو/أيار 2023 يقضي بتعيين نواب ومساعدين للقائد العام للجيش، وهم: الفريق أول ركن شمس الدين كباشي نائب القائد العام للقوات المسلحة، وكل من الفريق أول ركن ياسر عبد الرحمن حسن العطا، والفريق إبراهيم جابر، مساعدي القائد العام، وقد تقرر إبقاء الثلاثة أعضاء بهيئة قيادة القوات المسلحة. وفي قرار لاحق قرر البرهان تعيين كباشي مساعداً لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي، والفريق أول ركن ميرغني إدريس سليمان إدريس مساعداً لشؤون الصناعات العسكرية، والفريق إبراهيم جابر إبراهيم مساعداً لشؤون العلاقات الدولية والتعاون العسكري.
وتعليقاً على التعديلات، قال البرهان، إن التغييرات الأخيرة في هرم قيادة الجيش السوداني وهيئة الأركان تأتي ضمن إجراءات انتقال القيادة بما هي إرث عسكري راسخ لتعاقب الأجيال وضخ دماء جديدة تهدف لتجويد الأداء العسكري، مؤكداً أن القوات المسلحة هي الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة، وأنها صمدت بعزيمة رجالها في وجه “كابوس التمرد” وأنه إلى زوال مهما طال الزمن. وأضاف البرهان، خلال مراسم التسليم والتسلم لهيئة الأركان في الخرطوم الاثنين الماضي، أن اختيار الفريق أول ركن ياسر العطا رئيساً جديداً لهيئة الأركان جاء بناءً على كفاءته الميدانية ودوره في فك الحصار عن القيادة العامة للجيش (25 يناير/كانون الثاني 2025) وبث الروح المعنوية، نافياً أي معايير جهوية في التعيين، مشيداً في ذات الوقت بدور رئيس هيئة الأركان السابق الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين، موضحاً أنه من ركائز القوات المسلحة في حسم معركة الكرامة وتحقيق الانتصارات. وأشار البرهان إلى أن استحداث مناصب جديدة (مساعدي القائد العام للجيش) تهدف لتطوير الصناعات العسكرية وتأهيلها وتعزيز قدرات القوات المسلحة، مؤكداً أهمية دور القوات المسلحة والمستنفرين والقوات المساندة في دحر التمرد. ولفت إلى أن التلاحم بين الشعب والجيش هو الضامن لتحقيق النصر وتطهير البلاد من كل “متمرد وخائن”. وتابع: “لن يتوقف التقدم إلا بتطهير كل شبر من أرض السودان، ومعركتنا مستمرة حتى ينعم شعبنا بحياة كريمة تحرسها وحدة القوات المسلحة والشعب”.
من جانبه قال الرئيس الجديد لهيئة الأركان الفريق أول ركن ياسر العطا، إن التغييرات في قيادة القوات المسلحة هي “مراسم تراتبية وعمل روتيني سنوي” وتهدف لضخ دماء جديدة لمواصلة الطريق نحو الأمن والاستقرار. وأضاف أن المؤسسة العسكرية ماضية في معركة “عزة وكرامة” الشعب السوداني حتى تحقيق النصر الكامل، وأن “الجيش لن تنتكس رايته ولن ينهزم في معركته ضد المرتزقة والقوى الخارجية، معتبراً أن المعركة الحالية مع قوات الدعم السريع هي “معركة الأمة السودانية” بأكملها. ولفت إلى السعي لتطوير الجهد مع القوات المشتركة وقوات الإسناد، معرباً عن أمله في دمجهم ضمن وحدات القوات المسلحة لبناء جيش وطني قومي يمثل كافة أطياف السودان.
تساؤلات حول تعيين العطا رئيساً للأركان
وقد أثار تعيين العطا رئيساً للأركان وليس شمس الدين كباشي الكثير من التساؤلات، باعتبار أن كباشي ينتمي للدفعة 32 كلية حربية، بينما ينتمي العطا للدفعة 33 أي أن كباشي أقدم عسكرياً. وقد وجد تعيين العطا رئيساً للأركان ترحيباً كبيراً وسط الجنود والقوات المساندة للجيش من التشكيلات الشعبية والقوات التابعة للحركات المسلحة، وذلك بسبب شعبيته الكبيرة وخطاباته النارية الواضحة حول الحرب، إذ كان من أوائل المسؤولين السودانيين الذين اتهموا الإمارات بمساعدة قوات الدعم السريع في الحرب، وذلك خلال خطاب له في نوفمبر/تشرين الثاني 2023. وكان العطا أيضاً قبل التعديلات الاخيرة قائداً لـ”القيادة الجوالة” التي قادت العمليات الميدانية ضد “الدعم”، وطافت عدداً من الولايات في أوج المعارك وزارت الجنود في الخطوط الأمامية.
وفي هذا الإطار، رأى الضابط السابق حسن إبراهيم، في تصريحات صحفية، أنه من الواضح أنه قُصد من التعديلات من ناحية عسكرية تفعيل دور رئاسة الأركان التي ظلت بلا دور معروف أو صوري لسنوات، وكان قد جرى خلال التعديلات التي تمت في 2019، إلغاء العمل بنظام رئاسة الأركان المشتركة واعتماد نظام هيئة الأركان الحالي. ولفت إلى أنه تم تعيين أربعة نواب لرئيس الأركان، لشؤون العمليات، والإدارة، والتدريب، والإمداد، وجميعهم من الوجوه غير المعروفة سياسياً وعسكرياً.
واعتبر إبراهيم أن إلغاء منصب نائب القائد العام للجيش، الذي كان يشغله كباشي، يعني أن منصب القائد العام نفسه صار إسمياً فقط، لأن هذا المنصب غير موجود أصلاً في هيكل الجيش السوداني بل المعروف هو القائد الأعلى الذي يمثله رئيس الدولة، ويقرر سياسياً في شؤون الحرب، ووجود قائد عام ورئيس أركان يسبب تضارباً في المهام. وتابع: “يمكن الاستنتاج أن هذه التعديلات جاءت لتنفض الغبار عن هيئة الأركان وتُبقي السلطة في ذات الوقت في يد مجموعة الأربعة، البرهان وكباشي والعطا وجابر، بوصفهم هيئة قيادة، مع أسماء جديدة لأغراض المهنية العسكرية، وإبعاد شبح الإسلاميين”.
بدوره، رأى ضابط سابق أن الاتهامات بوجود نفوذ للإسلاميين (نظام الرئيس المخلوع عمر البشير) قائمة على حقيقة أن قادة الجيش السوداني الأربعة، وهم البرهان وكباشي والعطا وجابر، كانوا أعضاء في اللجنة الأمنية أو المجلس العسكري الذي حكم البلاد بعد سقوط البشير في العام 2019، وكانوا ضباط البشير قبل ذلك. وأعرب الضابط السابق عن اعتقاده أن البرهان يحاول التخلص من هذه الاتهامات حالياً عبر إبعاد من لهم صلة واضحة بالحركة الإسلامية ونظام البشير، أو من يخالفونه وجهة النظر على الأقل لترتيب وضعه السياسي مستقبلاً، خصوصاً بعد تصنيف واشنطن للحركة الإسلامية تنظيما إرهابيا، وقد أكد البرهان في أكثر من خطاب أن لا علاقة للجيش بأي تنظيم سياسي، بما في ذلك الإسلاميون، المعروفون شعبياً باسم “الكيزان”. ولفت إلى أنه من غير المتوقع أن يتنازل البرهان عن السلطة، سواء استمرت الحرب أو انتهت، وهو ما يبدو أنه يرتب له حالياً، لأن الوضع الحالي في البلاد سينتهي بتسوية سياسية، ويريد البرهان أن يكون جزءا من أي ترتيب سياسي أو فترة انتقالية جديدة، وهو مهتم أيضاً بالمحافظة على وحدة الجيش السوداني وتماسكه عبر ترفيع ضباط جدد إلى القيادة.
وتوقع أن يظل قادة الجيش السوداني الأربعة الحاليون في المشهد العسكري والسياسي على الأقل للسنوات الخمس المقبلة، مشيراً إلى أن تصعيد ضباط جدد غير معروفين جماهيرياً إلى هيئة الأركان والقيادة هدفه سياسي وعسكري في آن واحد، إذ لا يعرف الجمهور الكثير عن الأسماء الجديدة، ويظهر عليهم أنهم عسكريون مهنيون فقط، وهو ما يحتاجه الجيش فعلاً في هذه الفترة بسبب الحرب مع قوات الدعم السريع والحملات التي يشنها داعموها ضد الجيش لتشويه صورته.
