شحنة فولاذ عسكري بميناء الإسكندرية في طريقها إلى إسرائيل.. “ليست المرة الأولى”

كشفت معطيات حديثة، مدعومة ببيانات شحن وجمارك، عن وجود شحنة من الفولاذ العسكري داخل ميناء أبو قير المصري في محافظة الإسكندرية، يُشتبه بأنها موجهة في نهاية المطاف إلى الصناعات العسكرية الإسرائيلية، رغم النفي الرسمي المصري لأي تورط في عمليات من هذا النوع٬ في ظل جدل متصاعد بشأن دور الموانئ الإقليمية في سلاسل توريد المواد العسكرية.
وأظهرت البيانات أن الشحنة، التابعة لشركة الشحن العالمية (MSC)، تتكوّن من ثماني حاويات محملة بسبائك فولاذية ذات استخدامات عسكرية، قادمة من الهند، وقد وصلت إلى ميناء أبو قير في 23 آذار/مارس 2026 على متن سفينة (MSC Danit)، حيث تم تفريغها بالفعل داخل الأراضي المصرية، بانتظار إعادة شحنها إلى وجهتها النهائية.
وبحسب المعلومات المتاحة، فإنه من المقرر إعادة تحميل هذه الحاويات على متن سفينة ثانية يرجح أن تكون (MSC Valor) في 8 نيسان/أبريل الجاري٬ ضمن نمط شحن يعتمد على مرحلتين، حيث تنقل البضائع أولا إلى موانئ في البحر المتوسط، ثم تعاد شحنها باتجاه الموانئ الإسرائيلية.
وتشير المعطيات إلى أن مصدر هذه الشحنة هو شركة “R L Steels & Energy Limited” الهندية، بينما توجه إلى “مجموعة بانيان الدولية” في إسرائيل، التي تعمل كوسيط لقطاع الصناعات الدفاعية. وترجح البيانات أن الوجهة النهائية للمواد هي مصانع شركة “IMI Systems”، التابعة لشركة “Elbit Systems Land”، والمختصة بإنتاج الذخائر العسكرية في “رمات هشارون”.
وبحسب تحليل مسارات الشحن والبيانات التجارية، فإن هذه الشحنة تمثل جزءا من سلسلة أوسع تضم أربع شحنات على الأقل من الفولاذ العسكري، جرى نقلها عبر عدة موانئ في البحر الأبيض المتوسط.
وقد واجهت هذه الشحنات اعتراضات في عدد من الدول الأوروبية، حيث احتجزت السلطات الإيطالية ثلاث شحنات للتحقيق، بينما رفضت إسبانيا استقبال إحدى السفن، وامتنع عمال موانئ في اليونان عن تفريغ حاويات مشبوهة.
كما أثارت الشحنة التي وصلت إلى مصر جدلا سياسيا في دول أخرى، بينها البرتغال، حيث خضعت لاستجواب برلماني عقب مرورها عبر ميناء “سينس”، قبل أن تواصل طريقها إلى أبو قير.
وفي هذا السياق، أفادت التقارير بأن شركة (MSC) قامت بتعديل مسارات سفنها عدة مرات، تحت ضغط الاحتجاجات والرقابة، حيث تنقلت الشحنات بين موانئ في إسبانيا وإيطاليا واليونان وتركيا، قبل أن تصل إلى مصر، إلا أن البيانات المستقلة ظلت تؤكد تفريغ الشحنة رقم 3 في ميناء أبو قير.
وبحسب تقديرات فنية، فإن إجمالي كمية الفولاذ في هذه الشحنات الأربع يمكن أن يستخدم في تصنيع نحو 13 ألف قذيفة مدفعية عيار 155 ملم، وهي ذخائر متعددة الاستخدامات، تشمل القذائف التقليدية والعنقودية، فضلا عن تلك المحمّلة بالفوسفور الأبيض، والتي سبق أن استخدمت في النزاعات.
وفي رد على هذه المعطيات، نقلت مصادر عن وزير الإعلام المصري، ضياء رشوان، قوله بشكل غير رسمي إن عمليات الموانئ المصرية “تتم وفقاً للاتفاقيات البحرية الدولية”، دون تقديم توضيحات بشأن الشحنة محل الجدل أو فتح تحقيق رسمي حولها.
في المقابل، كشف التقرير أن وفدا حقوقيا مصريا تقدّم بطلب رسمي إلى النيابة العامة، مطالبا بوقف عملية إعادة الشحن والتحقيق في الشحنة، استنادا إلى التزامات مصر بموجب القانون الدولي، خاصة فيما يتعلق بمنع المساهمة في النزاعات المسلحة أو دعم أطرافها.
وأشار التقرير إلى أن القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية واتفاقيات جنيف، يفرض على الدول الامتناع عن أي دور مباشر أو غير مباشر في تسهيل نقل مواد قد تُستخدم في ارتكاب انتهاكات جسيمة، بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية.
كما لفت إلى أن السماح بإعادة شحن مواد عسكرية عبر الموانئ قد يعد مخالفة لقرارات دولية، من بينها قرارات صادرة عن محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تدعو إلى الحد من تدفق الأسلحة إلى مناطق النزاع.
“كاثرين” قبل ذلك
ولا تعد هذه هي المرة الأولى التي يستقبل فيها ميناء الإسكندرية سفن نحمل مواد عسكرية تكون في طريقها إلى إسرائيل، حيث أعلنت حركة مقاطعة إسرائيل، في بيان صدر بتاريخ 30 تشرين الأول/أكتوبر 2024، عن رسو سفينة يُشتبه في حملها مواد متفجرة موجهة لإسرائيل في ميناء الإسكندرية، رغم رفض عدة دول استقبالها.
وأوضحت الحركة أن السفينة، التي تحمل اسم “كاثرين”، رست في الميناء المصري بعد أن منعت من الرسو في عدد من الدول، بينها مالطا وناميبيا وأنغولا، بسبب طبيعة حمولتها العسكرية.
وأشارت إلى أن السفينة وصلت مساء 28 تشرين الأول/أكتوبر 2024 حيث يعتقد أنها قامت بتفريغ شحنتها، في ما وصفته بـ”انعطافة خطيرة وغير متوقعة” في مسارها، خاصة في ظل القيود الدولية المفروضة على نقل المواد المرتبطة بالصناعات العسكرية خلال النزاعات.
وأضافت الحركة أن رسو السفينة في الإسكندرية يطرح تساؤلات بشأن السماح لها باستخدام الموانئ المصرية، رغم كونها تنقل مواد تُستخدم في دعم الصناعات العسكرية الإسرائيلية، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية لوقف تدفق السلاح المرتبط بالحرب في قطاع غزة.
وتساءلت الحركة في بيانها: “لماذا يُسمح لسفينة محمّلة بمواد عسكرية موجهة لدعم دولة الاحتلال باستخدام المياه والموانئ المصرية؟”، معتبرة أن مثل هذه الخطوة قد تضع السلطات المصرية أمام مسؤوليات قانونية مباشرة، استناداً إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، فضلاً عن تعارضها مع الموقفين الرسمي والشعبي الرافضين للحرب على غزة.
كما أكدت أن تفريغ شحنة من هذا النوع داخل الأراضي المصرية يتعارض مع عدد من المواثيق والقرارات الدولية التي تدعو الدول إلى الامتناع عن تقديم أي دعم، مباشر أو غير مباشر، في الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، مشيرة إلى أن الالتزامات القانونية الدولية، بما في ذلك نظام روما الأساسي، تفرض على الدول تجنب أي شراكات قد تُسهم في دعم جرائم الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية.
وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات ملاحية منشورة عبر موقع ميناء الإسكندرية أن شركة “المكتب المصري للاستشارات البحرية” (EMCO) تولّت مسؤولية استقبال السفينة “كاثرين” والإشراف على عملية تفريغ حمولتها. كما لفتت المعطيات إلى أن الشركة ذاتها أشرفت، في اليوم نفسه، على انطلاق سفينة أخرى متجهة إلى ميناء أشدود الإسرائيلي، ما أثار تساؤلات إضافية حول طبيعة العلاقة بين الجهة المشغّلة للسفينة والشركات المحلية التي تولت التعامل معها.