دراسة حول توظيف الذكاء الاصطناعي في تشخيص قصور التقارب وعلاجه

مقابلة مع: د. أحمد نصر خطيب، أخصائي طب وجراحة العيون، وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي (PhD)
• تمهيد:
“قصور التقارب” (Convergence Insufficiency) هو اضطراب في الرؤية الثنائية تظهر فيه صعوبة في توجيه العينين معًا نحو الأجسام القريبة، وقد يسبب أعراضًا مثل إجهاد العين، الصداع، تشوش الرؤية، أو صعوبة القراءة والتركيز. وهو يُعد من الاضطرابات الشائعة نسبيًا، خاصة لدى الفئات التي تعتمد كثيرًا على العمل البصري القريب.
• كيف بدأت فكرة هذا المشروع، وما الدافع الذي قادكم للعمل عليه؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ولكم جزيل الشكر على هذه المقابلة واللفتة الطيبة من حضرتكم. بدأت فكرة المشروع من ملاحظة حاجة حقيقية في الفحوصات الطبية اليومية إلى وسيلة أبسط وأكثر سهولة لتشخيص مشاكل العيون بشكل عام وقصور التقارب على وجه التحديد، خاصة أن الفحوصات التقليدية تعتمد بدرجة كبيرة على خبرة الفاحص وتعاون المريض، كما أنها تتطلب حضورًا إلى العيادة. إن الدافع الأساسي كان محاولة توظيف الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية لتقديم أداة عملية ومتاحة يمكنها أن تساعد في جعل التشخيص أكثر سهولة ودقة، وتتيح الوصول إلى المتعالجين حتى خارج المراكز الطبية المتخصصة. وهنا لا بد من شكر صديقي الدكتور لؤي عبد الله، الباحث والمحاضر في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي وجهني ومهد لي الطريق لبداية التخصص في مجال الأبحاث – PhD في جامعة حيفا، ورفيق الدعوة والأبحاث أخصائي علوم الحاسوب علاء خالد كريم، فجزاهما الله كل خير.
• ما الذي يميز تقنية “MobileS” عن الطرق التقليدية في تشخيص قصور التقارب (Convergence Insufficiency)؟
ما يميز تقنية MobileS هو أنها تعتمد على هاتف ذكي عادي مزود بكاميرا أمامية، دون الحاجة إلى أجهزة إضافية أو أدوات معقدة. ففي الطرق التقليدية، يعتمد التشخيص غالبًا على قدرة طبيب العيون في متابعة حركة عيون المريض واستجابة المريض أثناء الفحص. أما في MobileS، فيتم تحليل حركة العينين بشكل آلي باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يوفر قياسات دقيقة ويساعد على تقليل التفاوت المرتبط بالعامل البشري. كذلك، تتيح التقنية إمكانية الاستخدام في بيئات مختلفة، وليس فقط داخل العيادة. وللتنويه فإنه في الوقت الحالي، ما زالت هذه التقنية ضمن الإطار البحثي ولم تتحول بعد إلى منتج متاح للاستخدام العام.
• كيف تعمل هذه التقنية بشكل مبسط يمكن للقارئ العادي فهمه؟
يطلب التطبيق من الشخص النظر إلى هدف بصري على شاشة الهاتف أثناء اقترابه تدريجيًا من الوجه، كما يحدث في الفحص التقليدي لقصور التقارب. في هذه الأثناء، تقوم الكاميرا الأمامية بتصوير العينين، ويحلل النظام حركة العينين والمسافة بينهما وبين الهاتف لحظة بلحظة. وعندما تبدأ العينان بفقدان القدرة على الحفاظ على التقارب الطبيعي، يستطيع النظام رصد هذه اللحظة وتحديد النقطة التي يظهر عندها الخلل. بمعنى آخر، التطبيق يحول الهاتف الذكي إلى أداة قياس ذكية تراقب استجابة العينين بشكل تلقائي.
• ما مدى دقة النتائج مقارنة بالفحوصات الطبية المعتمدة حاليًا؟
أظهرت نتائج الدراسة، التي أجريناها بالتعاون مع مستشفى بوريا، أن التقنية حققت توافقًا جيدًا مع الفحوصات المعتمدة التي يجريها المختصون. هذا يعني أن القياسات التي يوفرها النظام كانت قريبة من القياسات الطبية التقليدية، وهو ما يدعم موثوقية التقنية كأداة مساعدة في التشخيص. ويجدر التأكيد على أن الهدف ليس إلغاء دور الطبيب، وإنما تزويده بأداة إضافية دقيقة وسهلة الاستخدام يمكن أن تدعم القرار الطبي. وهنا نشيد بالدور المهم الذي قامت به مديرة قسم العيون في مستشفى بوريا الدكتورة حنين جبالي في دعمها ومشاركتها لهذه الأبحاث في هذا المجال الحديث والمتطور.
• كيف يمكن أن ينعكس هذا الابتكار على حياة المرضى، خاصة في المناطق التي تفتقر للخدمات الطبية؟
هذا الابتكار قد يحدث فرقًا مهمًا، خاصة للمرضى الذين يعيشون في مناطق بعيدة عن العيادات المتخصصة أو يواجهون صعوبة في الوصول إلى أطباء العيون. عندما يصبح بالإمكان إجراء تقييم أولي أو متابعة الحالة باستخدام هاتف ذكي، فهذا قد يقلل الحاجة إلى التنقل المتكرر، ويساعد على الاكتشاف المبكر للحالة، ويزيد فرص المتابعة المنتظمة. كما أن ذلك قد يكون مفيدًا جدًا في دعم الخدمات الصحية عن بُعد وتوسيع نطاق الرعاية الطبية ليشمل فئات أكبر من الناس. إضافة إلى ذلك، فإن هذا النوع من الابتكار يفتح الباب أمام الباحثين لتطوير وسائل جديدة لتشخيص حالات وأمراض أخرى بالاعتماد على الهاتف الذكي وحده، دون الحاجة إلى أجهزة مرافقة إضافية، وهو ما قد يخفف التكاليف ويزيد من فرص استخدام هذه الحلول في البيئات البعيدة ومحدودة الموارد.
• ما أبرز التحديات التي واجهتكم خلال تطوير هذا المشروع، سواء كانت تقنية أو بحثية؟
كانت هناك عدة تحديات. من الناحية التقنية، كان من المهم تطوير نظام يستطيع تتبع العينين بدقة باستخدام كاميرا هاتف عادية، رغم اختلاف ظروف التصوير بين الأشخاص والأجهزة والإنارة. ومن الناحية البحثية، كان علينا التأكد من أن القياسات المستخرجة من التطبيق تتوافق مع الفحوصات الطبية المعروفة، وأن تكون النتائج قابلة للتحقق العلمي. كذلك، كان من الضروري تصميم النظام بطريقة تجعل استخدامه بسيطًا للمريض، وفي الوقت نفسه مفيدًا للطبيب والباحث.
• هل يمكن استخدام هذه التقنية في المنزل أم أنها تتطلب إشرافًا طبيًا؟
التقنية صممت بحيث يمكن استخدامها في المنزل، وهذا من أهم نقاط قوتها. لكن في المرحلة الحالية، من الأفضل النظر إليها كأداة داعمة وليست بديلًا كاملًا عن التقييم الطبي المتخصص. يمكن أن تساعد في الفحص الأولي أو في المتابعة، لكن تفسير النتائج ووضع الخطة العلاجية يبقى من اختصاص الطبيب. ومع تطور الأبحاث وتوسع التحقق العملي على أرض الواقع، قد يصبح دورها المنزلي أكبر في المستقبل.
• هل تقتصر التقنية على التشخيص فقط، أم يمكن استخدامها أيضًا في العلاج؟
لا تقتصر تقنية MobileS على التشخيص فقط، بل تتيح أيضًا إمكانية استخدامها في العلاج المنزلي على شكل تمارين لتقوية نظام تقارب العيون عند المريض، أي نسخة رقمية مطورة من تمارين التقارب التقليدية. فبدل الاعتماد على الطرق العادية مثل تمرين القلم، يوفر التطبيق هدفًا بصريًا على شاشة الهاتف مع متابعة ذكية لأداء المريض أثناء التمرين. ما يميز هذه الطريقة أنها لا تكتفي بإعطاء التمرين، بل تستطيع أيضًا مراقبة الأداء، وتوثيق الالتزام، وقياس التقدم مع الوقت بشكل تلقائي. هذا يمنح المريض تجربة أكثر تفاعلية ودقة، ويمنح الطبيب أو الباحث معلومات موضوعية عن مدى الانتظام والاستجابة للعلاج، وهو أمر يصعب تحقيقه بنفس المستوى في التمارين التقليدية. كما أن هذه الفكرة تعكس توجهًا أوسع في الطب المعتمد على التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، يتمثل في الاستفادة من الهاتف الذكي كأداة قائمة بحد ذاتها، دون الحاجة إلى أجهزة إضافية ترفع التكلفة أو تحد من إمكانية تطبيق الحل في الأماكن البعيدة.
• ما الفئات الأكثر استفادة من هذا الابتكار؟
الفئات الأكثر استفادة تشمل المرضى الذين يعانون من أعراض مرتبطة بقصور التقارب، مثل إجهاد العين، الصداع، صعوبة القراءة أو التركيز القريب. كما يمكن أن تكون التقنية مفيدة للأطفال واليافعين والطلاب، لأن هذه الفئة قد تتأثر بشكل واضح أثناء الدراسة والقراءة. كذلك، يستفيد منها الأشخاص الذين يعيشون بعيدًا عن المراكز الطبية، أو الذين يحتاجون إلى متابعة متكررة لكن يصعب عليهم زيارة العيادة بشكل مستمر.
• كيف توازن بين عملك ونشاطك الدعوي والاجتماعي…. الخ في هذا السياق:
بعد تفكير طويل ومراجعة حسابات في هذا الموضوع، فإن كلمة السر هي في تقديم واجبات الدين وحقوق الدعوة على باقي الواجبات، وعندها وفقط عندها، يمكن أن نتوقع التوفيق من الله والبركة في الوقت والقدرة على تنظيم المهام الكبيرة. فالحمد لله أولًا وآخرًا، وما توفيقي إلا بالله.
• ما هي رسالتكم التي توجهونها للشباب؟
فيما يلي أوجه رسائل من القلب إلى شبابنا أبنائنا، مستقبل مجتمعنا:
• الإخلاص رأس المال ومنبع النجاحات وتأثيرها.
• الطاقات العلمية البحثية والعقلية والإبداعية الموجودة في شباب مجتمعنا هائلة وهي أكثر بكثير مما يتم تصويره لنا: فاشحذوا الهمم وانطلقوا.
• تعاونوا وتناقلوا الخبرات وتوارثوها فيما بينكم يضاعف ويبارك في إنجازاتكم.
• تخصيص أوقات أكبر بكثير للتركيز في التفكير الإبداعي، ولتحصيل هذا الأمر يجب تقليل وقت التعامل مع الهاتف ومع وسائل التواصل الاجتماعي.
• هل ثمة إضافة تود مشاركتنا إياها؟
نعم، وقد تركتها مسكًا للختام: فبعد توفيق الله لي، ما كان لهذا العمل أن يتم بدون الوقفة الصادقة والصبر منقطع النظير من زوجتي وعائلتي ودعاء الوالدين الذي لم يتوقف، وسند الإخوة والأخوات، ودعم الأصدقاء، فاللهم اجزهم عنا كل خير واجمعنا بهم في الجنة اللهم آمين.