معركة الوعي (279) كيف تبني موقفك من الحرب؟! (1-2)
حامد اغبارية
1)
في خضمّ الحرب الجارية الآن فوق أرض المسلمين، والتي أشعل نار فتنتها الحلف الصهيو-صليبي، وأمام ذلك الكم الهائل من النقاشات والتحليلات في وسائل الإعلام؛ في الصحف والمواقع الإلكترونيّة وعلى الشاشات وعلى منصات التواصل الاجتماعي، يفرض سؤال كبير جدا نفسه بكل قوة، تهمّنا الإجابة عليه كفلسطينيين وكمسلمين، حتى نكون على بيّنة من أمرنا. والسؤال هو: ما هو الموقف من هذه الحرب التي يمثل طرفها الأول واشنطن الصليبيّة وتل أبيب الصهيونيّة، ويمثل طرفها الثاني إيران الشيعيّة؟
لو كانت هذه الحرب ضد بلد عربي كمصر أو العراق أو سوريا لما كانت هناك حاجة لطرح السؤال، لأن الموقف عندها محسوم. فهذا بلد عربيّ يتعرض لاعتداء من أمريكا والمؤسسة الإسرائيلية، ومن الغباء طرح سؤال على فلسطيني أو عربي أو مسلم حول موقفه منها!
فأين المشكلة إذن؟! لماذا كل هذا الالتباس والارتباك والحيرة والتردّد في تحديد الموقف من الحرب الجارية؟ الجواب: لأنها حرب ضد إيران التي هي كذا، وفعلت كذا وارتكبت من الجرائم كذا!
2)
لماذا؟ وكيف؟
كيف وصل فلسطينيون وعرب ومسلمون إلى اتخاذ موقف أقل ما يقال فيه إنّه متميّع، غير واضح، ضبابيّ، ذو وجهين، إلى جانب مواقف غبيّة لدى كثيرين تتميّز بالتشفي؟!
سأجتهد في هذا المقال (من جزئين) أن أوضّح المسألة وأقدّم تصوّرا للموقف الصائب من هذه الحرب، متجرّدا، بعيدا عن الخلط والمواقف المبتسرة والتنطّع والعواطف المتأثّرة تلقائيا بمحطات سوداء موجعة من تاريخنا، كان طرفاها مسلمون من أهل السنّة ومن الشيعة!
3)
أولا: هذه نصيحة أقدمها لكل مهتمّ، من الذين تعلقت عيونهم بالشاشات، حيث يتعرضون على مدار الساعة لكم هائل من المعلومات والتحليلات، هي في غالبيتها مليئة إما بالعجز وإما بالتضليل وإما بسوء التقدير على أقل تقدير! فالمعلومات المتعلقة بالحرب ومجرياتها في الميدان إنما هي جزء من الحرب وليست مجرد مرآة لها، وهي في غالبيتها العظمى بعيدة عن الحقيقة ولا علاقة لها بالواقع. فهي سلاح. والسلاح في الحرب يضرب ولا يبالي، ولا يحسب حسابا لعبقري ذكي أو لساذج غبيّ. وعليك أن تعرف مصدر المعلومة ومن هو ناقلها، حتى لو خُيّل إليك أو استقرت في قلبك قناعة أن وسيلة الإعلام ناقلة المعلومة معروفة بوقوفها إلى جانب شعبك وقضاياه. وفي المشهد الحالي فإن الأخبار الطاغية في وسائل الإعلام العربية على اختلاف توجهاتها وولاءاتها مصدرها أمريكي- إسرائيلي، وإلى جانبها إعلام يزعم أنّه عربي، يمثل أنظمة ولاؤها لأمريكا معروف وتطبيعها مع تل أبيب مكشوف. وغالبا ما تأتي على صورة ضيف يقدّم “تحليلا” للأحداث. فاحذر!
4)
ماذا يقول لك “المحللون السياسيون”؟ إنهم غير مجرّدين من أجنداتهم وانتماءاتهم، وإن حاولوا الظهور بمظهر المحلل المحايد. ففي الإعلام لا يوجد حياد. وهؤلاء يقتصر “دورهم” على تقديم وجبات تحليليّة منقطعة عن أصولها، إذ يدور تحليلهم حول تصريح هنا أو حدث ميدانيّ آنيّ هناك، وفي أحيان كثيرة تجدهم يقولون الشيء وعكسه حول نفس الموضوع، لمجرد ظهور تصريح جديد له علاقة بالحرب. لذلك يبقى عملهم يدور حول مستجدات الأحداث، وليس حول خلفياتها وجذورها التاريخية، فيبقى تحليلهم منقوصا، قلّما يفيد المتلقي في فهم أعماق القضيّة وأبعادها وحقيقتها، فيتركونه محتارا مرتبكا، يبني موقفه على شفا جرف هار! والإعلام -كما هو معروف- أهم وأخطر وأقوى وسيلة في صناعة الرأي العام وإعادة تشكيله بحيث يخدم مصلحة مصادر المعلومات. وخلاصة القول في هذه المسألة إن المتلقي يتعرض على مدار الساعة لمعلومات مضلِّلة تقوده إلى الوقوف في المكان الخطأ. ثمّ عليك أن تعلم أن غالبيّة “المحللين” الأجانب بشكل عام، والأمريكيين والإسرائيليين بشكل خاص هم أبعد ما يكونون عن الإنصاف، ولا علاقة لهم بالعلوم السياسية، وكثير منهم لا علاقة لهم بالعلوم العسكرية، وجميعهم على الإطلاق إما خريجو أجهزة مخابرات أو دبلوماسيون سابقون أو ناشطون حزبيون يمثلون في “تحليلاتهم” أجندة دولتهم أو خزبهم الحاكم الذي ينتمون إليه، لذلك تراهم يكذبون ويضللون ولا يقتربون من الحقيقة قيد أنملة. فالكذب والتضليل هما أيضا من أشد أسلحة الحروب فتكا بالعقول! وقد عشنا مثل هذه المشاهد طوال عقود، وكان آخرها الحرب الحالية على غزة. وأزيدكم من الشعر بيتا: الإعلام الأمريكي والإعلام الإسرائيلي أكذب من سجاح، وأكذب من ترامب ونتنياهو بطبيعة الحال، فلا تصدقوا ما يقال فيه، وحذار من الوقوع في فخه!
5)
على مدار عقود نجح المفكرون المستشرقون والسياسيون الغربيون والإسرائيليون، ومعهم عقول وأقلام عربية وإسلاميّة مأجورة ترافقهم ماكنة إعلامية ضخمة، يُنفق عليها من ثروات المسلمين، في إقناع الملايين من أبناء أمتنا بأن إيران الشيعيّة هي العدو الحقيقي والوحيد للإسلام والمسلمين، وأن لها أطماعا في التمدد والهيمنة ونشر المذهب الشيعيّ في أوساط المسلمين (السُنّة)، وعلى الجانب الآخر نجحوا في تقزيم كون المشروع الصهيوني هو الخطر الحقيقي، وأن أطماعه ومشاريعه تفوق أضعاف أضعاف المشروع الشيعي، أو الفارسي، أو الصفوي ، كما يحلو لشريحة واسعة من أمتنا تسميتُه. هكذا تمكّن حمَلة راية المشروع الصهيو- صليبي الخلاصيّ من إيجاد عدو بديل (قديم- جديد) يشغل به الأمة عن الحقيقة! وما هي الحقيقة؟
6)
الحقيقة أن هناك مشروعا صهيونيا، مدعوما من راية الصليبية الغربية، بنى مجده الزائف على أنقاض شعب في أرض فلسطينية عربية إسلامية بمزاعم توراتية-إنجيلية مسيحانية، ومنذ النكبة وهو يتمدد ويتوسع على حساب شعب مظلوم هو جزء من أمة تعيش أسوأ محطات الهوان والمذلة والتبعية التي وصلت عند بعض الأنظمة الوظيفية إلى درجة التواطؤ والشراكة في التمكين للمشروع الصهيوني في ديار الإسلام.
والحقيقة أن المشروع الصهيوني بكل ما يعنيه ويحمله ويمثله ويسعى إليه هو الخطر الوحيد الذي يهدد ليس فقط وجود الشعب الفلسطيني، وإنما الأمة الإسلاميّة بتاريخها وحضارتها وحاضرها ومستقبلها.
والحقيقة أن كل العيون يجب أن تتجه إلى هذا الخطر وتركز عليه وألا تغفل عنه للحظة.
7)
وماذا مع إيران؟ أليست تسعى إلى الهيمنة وبسط النفوذ على العالم الإسلامي؟!
علينا أن نفرّق بين إيران؛ البلد المسلم المختطَف الآن، وبين النظام الحاكم. كما علينا أن ندرك أن إيران أرض إسلاميّة تتعرض لعدوان ظالم من واشنطن وتل أبيب، وأنا كمسلم يُفترض أن أنصر المظلوم أيًّا كانت عقيدته، حتى لو كان كافرًا. ومما لا بد من الإشارة إليه أن هناك شبه إجماع عالمي على أن الحرب الحالية تمثل اعتداء مفضوحا دون مبرر ودون سبب مما تتبجح به واشنطن وتل أبيب!
أما كون إيران تسعى هي كذلك إلى بسط نفوذها على العالم الإسلامي فهذا لا خلاف عليه (وقد سبق وفصّلت في هذه المسألة في مقالات سابقة). وهو صراعُ هيمنةٍ عمره يقارب ألف سنة، ولمّا ينتهي بعدُ، لكنّه صراع داخل الأمة، وهو ليس صراع إخلاء وإحلال كما هو شأن المشروع الصهيوني. والشيعة- شئنا أم أبينا- جزء من الأمة الإسلامية، والخلاف العقدي أو الفقهي أو المذهبي لا يغير هذه الحقيقة ولا يلغيها. وإيران الجغرافيا جزء من بلاد المسلمين، وكونها اليوم تخضع لحكم الملالي لا ينفي عنها هذا الانتماء. وللتذكير فقط، فإن نظام الشاه الذي سيطر على إيران قبل الحكم الحالي مارس ضد الشعب الإيراني أسوأ أنواع القمع، وفتح أبواب البلاد أمام المخابرات الأمريكية والصهيونية، ومارس العمالة جهارا نهارا. وها هو “وريث العمالة”، ابن الشاه، الذي يحلم باستعادة ملك أبيه، يتحدث بنفس لغة العمالة التي مارسها أبوه طوال أربعة عقود، فكان طعنة دامية في خاصرة الأمة. فما الذي سيتغير؟ وماذا نريد بعد هذا؟ (يتبع).
