حشد عسكري وتوتر.. هل اقتربت المواجهة على حدود السودان وتشاد؟

تصاعد التوتر خلال الأيام الأخيرة على الحدودية التشادية السودانية عقب مجزرة بلدة الطينة الحدودية، التي راح ضحيتها 17 مدنياً تشادياً في قصف نفذته طائرة مسيرة انطلقت من الأراضي السودانية، ويرجح أنها تابعة لقوات الدعم السريع.
حادثة الطينة لم تمر كغيرها من الخروقات الحدودية المعتادة منذ اندلاع الحرب في السودان، بل فجّرت غضباً رسمياً في أنجمينا، التي لوّحت لأول مرة بملاحقة المسؤولين عن الحادثة داخل العمق السوداني.
تلويح تشاد بالتدخل وبالرد في العمق السوداني وإرسال تعزيزات عسكرية على الحدود ينظر إليه بعض المتابعين على أنه تحول ميداني يعكس رغبة القيادة التشادية في رسم خط أحمر، لحماية أراضيها من شظايا الحرب السودانية المستعرة.
تعزيزات عسكرية على الحدود
وأفادت تقارير محلية أن الجيش التشادي دفع بتعزيزات عسكرية إلى منطقة الطينة الحدودية مع السودان وسط توقعات بتوغله داخل الأراضي السودانية خلال الأيام القادمة.
ووفق ذات المصادر فقد أقام الجيش التشادي خنادق وسواتر ترابية في الحد الفاصل بين بلدتي الطينة، التشادية والسودانية.
وتقع بلدة الطينة في أقصى شمال غرب ولاية شمال دارفور، وتنقسم إلى بلدتين؛ إحداهما تشادية والأخرى سودانية، يفصل بينهما مجرى مائي، وتربط بين قاطنيها علاقات أسرية ممتدة.
ونفذت القوات المسلحة التشادية سلسلة من عمليات التفتيش في المناطق الحدودية لمصادرة الأسلحة، كما فرضت السلطات التشادية قيودًا على حركة المركبات المدنية على الحدود ومنعت سكان المناطق الحدودية من ارتداء الزي العسكري أو أي زي يشبه الزي العسكري، وسط مخاوف من تصعيد ميداني واحتمال تفاقم الوضع على الحدود.
اتهامات متبادلة
يوم 19 آذار/ مارس الجاري تعرضت بلدة الطينة التشادية قرب الحدود مع السودان لهجوم خلف 17 قتيلاً وعشرات الجرحى، إثر غارة نفذتها طائرة مسيرة يرجح أنها تابعة لقوات الدعم السريع، انطلقت من الأراضي السودانية واستهدفت تجمعاً لمدنيين كانوا يشاركون في تشييع جنازة.
وقد أعلن الجيش السوداني أن المسيرة التي نفذت الهجوم تابعة لمتمردي قوات الدعم السريع، معتبرا أن الحادثة تأتي في إطار نهجٍ متكرر لما وصفها بالمليشيا الإرهابية في استهداف المواطنين، في الطينة التشادية والطينة السودانية، خلال الفترة من 25 كانون الأول/ ديسمبر الماضي وحتى 18 آذار/ مارس الجاري ، في انتهاكٍ صارخ للقوانين والأعراف الإنسانية”.
في المقابل نفت قوات الدعم السريع مسؤوليتها عن الحادثة واعتبرت أن طائرة تابعة للجيش السوداني هي من نفذت الهجوم.
أما الحكومة التشادية فقد وصفت الحادثة بالخطيرة ولوحت بملاحقة المسؤولين عنها داخل الأراضي السودانية، مؤكدة أنها قامت مباشرة بعد الهجوم بتعزيز جاهزية قوات الدفاع والامن “التي تقف مستعدة لتطبيق حق الملاحقة داخل الأراضي السودانية، مع الالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي”.
حالة تأهب قصوى
وقد أمر رئيس جمهورية تشاد وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة التشادية محمد إدريس ديبي، بوضع الجيش في حالة تأهب قصوى، ووجه قادة القوات العسكرية والأمنية بالنزول إلى الميدان وتقييم الأوضاع وحصر الخسائر.
وقالت رئاسة جمهورية تشاد، في بيان إن رئيس الجمهورية المشير محمد إدريس ديبي، عقد اجتماعاً أمنياً رفيعاً طارئاً على خلفية الاعتداء بطائرة مسيّرة على منطقة طينة في الجانب التشادي قادمة من السودان، مضيفة أن المسيّرة استهدفت عدداً من المواطنين، ما أوقع عدداً من الضحايا، وأوضحت أن الجيش في حالة تأهب قصوى نتيجة لذلك.
البداية من سقوط الفاشر
ويرى الناشط السياسي والاجتماعي التشادي، محمد البشير حسن حسن صالح، أنه إذا أردنا الحديث عن أحداث منطقة طينة “فعلينا فعلياً أن نبدأ من سقوط مدينة الفاشر في يد قوات الدعم السريع، فإثر هذا السقوط اضطرت قوات الجيش السوداني والقوات المشتركة، للانسحاب نحو المناطق المتاخمة للحدود التشادية، وتحديداً منطقة طينة التي يقسمها الخط الحدودي إلى مدينتين: تشادية وسودانية”.
ولفت في تصريح صحفي، أن بلدة طينة “شكلت حاضنة اجتماعية وعسكرية للقوات المنسحبة من الفاشر؛ إذ ينتمي حوالي 90% إلى 95% من سكان المنطقة على ضفتي الحدود إلى قبيلة الزغاوة وهي ذات الإثنية التي تنحدر منها القوات المشتركة”.
وأضاف: “هذا التداخل العرقي العميق حيث تتشابك العائلات عبر الحدود دفع الأهالي لتقديم دعم قوي بالسيارات والمعدات العسكرية لأقاربهم مما مكنهم من شن هجوم عكسي واستعادة طينة السودانية مؤقتاً قبل أن تسيطر عليها قوات الدعم السريع مجدداً”.
ولفت البشير حسن حسن إلى أن التوترات تصاعدت بشكل خطير مع إغلاق الحكومة التشادية للحدود وتحذيرها الصارم من أي توغل، خاصة بعد اشتباكات سابقة أدت إلى مقتل ثمانية من جنودها على يد الدعم السريع أثناء ملاحقتهم للقوات المشتركة داخل تشاد.
وأكد أنه قبل أيام قليلة ضربت طائرة مسيرة مجهولة خيمة عزاء وقت المغرب في منطقة طينة التشادية مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 17 شخصاً، واتهم الجيش السوداني قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن الحادثة، واتهم الدعم السريع الجيش السوداني.
وأضاف: “شخصيا أرى أن الاحتمال الأكبر أن قوات الدعم السريع هي من نفذت الضربة انتقاماً من التحشيد المستمر للقوات المشتركة والأهالي المسلحين داخل تشاد خاصة وأن الدعم السريع ممنوع من التوغل عبر الحدود، أما فرضية قيام الجيش السوداني بقصف حلفائه لاتهام الدعم السريع فهي ضعيفة جداً، لأن الجيش في أمس الحاجة لهذا الدعم لفتح جبهة غربية بعد ما سيطر الدعم السريع على كامل دارفور”.
قرار نزع سلاح المواطنين
وأكد البشير حسن حسن في تصريحات صحفية أنه بعد الحادثة بيوم استنفرت الحكومة التشادية وحاولت جمع أدلة لتحديد مصدر الطائرة المسيرة وأصدرت قراراً بنزع السلاح من المواطنين ومنع دخول أي قوات مسلحة من الجانبين.
وتابع: “هنا تكمن العقبة الكبرى؛ فالمواطنون في طينة التشادية مدججون بالسيارات العسكرية والأسلحة الثقيلة كالـ (آر بي جي) وغيرها، ويرفضون التخلي عن سلاحهم ومساندة أبناء عمومتهم في السودان، بل تشير الأنباء إلى شروع بعضهم في تشكيل قوات دفاع ذاتي لمواجهة قرارات الحكومة التشادية عن أوضاع طينة الحالية”.
أوضاع مرشحة للانفجار
ونبه المتحدث إلى أن الأمور معقدة جدا في شرق البلاد، محذرا الحكومة من محاولة فرض السيطرة بالقوة ونزع سلاح قبائل الزغاوة المتداخلة حدودياً، معتبرا أن ذلك يمثل إنذاراً شديد الخطورة.
وتابع: “إذا لم تتعامل الحكومة بحكمة بالغة لحل هذه الأزمة وتجنب الحلول الأمنية القسرية فإن الأوضاع مرشحة للانفجار إلى نقطة اللاعودة، لتتحول المنطقة الحدودية إلى بؤرة صراع قد تكون نهايتها مأساوية”.
ويخشى متابعون من أن يتسبب أي تصعيد بالمنطقة في عرقلة وصول المساعدات إلى عشرات آلاف النازحين السوادنيين في الأراضي التشادية.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان تدفق عشرات آلاف النازحين من دارفور نحو تشاد، حيث تستضيف تشاد حاليا قرابة مليون نازح سوداني.
وترتبط السودان وتشاد بحدود تمتد لنحو 1403 كيلومترات، وهي الأطول بعد حدود السودان مع جنوب السودان، فيما يجمع البلدان تداخل اجتماعي معقّد يبرز في وجود 13 قبيلة مشتركة على جانبي الحدود.
