أخبار وتقاريرمقالاتومضات

مقولة الوعد الإلهي في حسابات المخططات الصهيو-غربية

الشيخ رائد صلاح

هناك توراة اليوم التي تتألف من خمسة أسفار وهي: (سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر الأحبار، وسفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع).

وقد داخل هذه الأسفار التحريف كما بين ذلك القرآن الكريم، ثم الدراسات المعاصرة التي قامت بها جهات دينية يهودية أكدت فيها دخول التحريف والتناقض إلى توراة اليوم، وقد فصلت في ذلك في مقالة لي بعنوان: (ماذا قال الحاخام جينتر بلوت عن توراة اليوم)، كانت قد نشرتها صحيفة المدينة بتاريخ 27/2/2026.

وهذا يعني أن توراة اليوم ما عادت مرجعًا معصومًا حتى يعتد بها ويُبنى عليها مقولة وجود وعد إلهي، وأن هذا الوعد يحفظ الحق في الأرض المباركة للشعب اليهودي فقط، بل ويحفظ له الحق في الأرض الممتدة ما بين النيل والفرات حقًا وحيدًا له وممتدًا مع مرور الزمن منذ ما يزيد على ثلاثة آلاف عام وحتى قيام الساعة.

ثم لا يُبنى على توراة اليوم القول بعد ذلك أن هذا (الوعد الإلهي) حق مقدس لا يقبل التقادم المسقط، وهو حق يخول الشعب اليهودي بسط سيادته على إسرائيل الكبرى الممتدة بين النيل والفرات، ولو تسبب ذلك بنزاعات طاحنة لا حدود لها ولا نهاية لها قد تقود أهل الأرض إلى حروب إقليمية لا يعرف مآلاتها إلا الله تعالى.

ومع ذلك، هاأنذا أناقش في هذه المقالة البيانات التي وردت في توراة اليوم والتي تستند إليها المخططات الصهيو-غربية في صراعها مع شعبنا الفلسطيني ومصادرة حقه في إقامة دولته المستقلة، ثم في صراعها مع دول عربية وإسلامية شتى، ومواصلة وضع هذه الدول في مرمى هدفها، ثم في تصاعد نبرة أطماعها التي بات الجميع يسمعها اليوم، والتي باتت تتحدث عن مخطط بناء هيكل على حساب المسجد الأقصى المبارك.

وبطبيعة الحال أقف على بعض هذه البيانات التي وردت في توراة اليوم التي ترى فيها المخططات الصهيو-غربية أنها تمنحها لوحدها هذا الوعد الإلهي:

1- تقول توراة اليوم في سياق خطاب الله تعالى للنبي إبراهيم الخليل:

«وأنا أجعلك أمة كبيرة وأباركك وأعظم اسمك». سفر التكوين 12:2.

2- تقول توراة اليوم في سياق خطاب الله تعالى للنبي إبراهيم الخليل:

«إن كل الأرض التي تراها لك أعطيها ولنسلك للأبد، وأجعل نسلك كتراب الأرض حتى إن أمكن أحدًا أن يحصي تراب الأرض فنسلك أيضًا يُحصى. قم امش في الأرض طولها وعرضها فإني لك أعطيها». سفر التكوين 13:15-17.

3- تقول توراة اليوم في سياق خطاب الله تعالى للنبي إبراهيم الخليل:

«من يخرج من أحشائك هو يرثك». سفر التكوين 15:4.

4- تقول توراة اليوم في سياق خطاب الله تعالى للنبي إبراهيم الخليل:

«انظر إلى السماء وعدّ الكواكب إن استطعت أن تعدّها… وقال له: هكذا يكون نسلك». سفر التكوين 15:5.

5- تقول توراة اليوم في سياق خطاب الله تعالى للنبي إبراهيم الخليل:

«لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات». سفر التكوين 15:18.

6- تقول توراة اليوم في سياق خطاب الله تعالى للنبي إبراهيم الخليل:

«ها أنا أجعل عهدي معك فتصير أب عدد كبير من الأمم، ولا يكون اسمك أبرام بعد اليوم بل يكون اسمك إبراهام لأني جعلتك أب عدد كبير من الأمم، وسأنميك جدًا جدًا، وأجعلك أممًا، وملوك منك يخرجون، وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك فيمن بعدك مدى أجيالهم عهدًا أبديًا، لأكون لك إلهًا ولنسلك من بعدك، وأعطيك الأرض التي أنت نازل فيها لك ولنسلك من بعدك كل أرض كنعان ملكًا مؤبدًا، وأكون لهم إلهًا». سفر التكوين 17:4-8.

7- تقول توراة اليوم في سياق خطاب الله تعالى للنبي إبراهيم الخليل:

«غير أن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده لك سارة في مثل هذا الوقت من السنة المقبلة». سفر التكوين 17:21.

8- تقول توراة اليوم في سياق خطاب الله تعالى للنبي إبراهيم الخليل:

«وأما ابن الجارية فهو أيضًا أجعله أمة عظيمة لأنه نسلك». سفر التكوين 21:13.

9- تقول توراة اليوم في سياق خطاب الله تعالى للنبي إبراهيم الخليل:

«لأباركنك وأكثرن نسلك كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك مدن أعدائه». سفر التكوين 22:17.

10- تقول توراة اليوم: «فمضى إسحاق إلى أبيملك ملك الفلسطينيين في جرار، فتراءى له الرب وقال: لا تنزل إلى مصر بل أقم في الأرض التي أعينها لك، انزل هذه الأرض وأنا أكون معك وأباركك، لأني لك ولنسلك سأعطي هذه البلاد كلها، وأوفي بالقسم الذي أقسمته لأبراهام أبيك، وأكثر نسلك كنجوم السماء وأعطي نسلك هذه البلاد كلها، وتتبارك بنسلك أمم الأرض كلها». سفر التكوين 26:1-5.

هذه عشرة نصوص من توراة اليوم تبين أن الله تعالى أعطى لإبراهيم الخليل ولنسله أرضًا، وأن الذي سيرث هذا العطاء الرباني بعد إبراهيم، كل من يخرج من أحشائه وفقًا للنص الثالث، وهذا يعني وفقًا لظاهر هذا النص أن كل ذرية هاجر وسارة وقطورة الذين خرجوا من أحشاء إبراهيم الخليل هم من ورثة هذا العطاء، وهو ما يؤكده النص الثاني والخامس والعاشر.

ولكن المخططات الصهيو-غربية تتجاهل ذلك وتدعي أن الشعب اليهودي هو الوارث الوحيد لهذا العطاء، وبذلك هي تتجاهل نصوص توراة اليوم.

ولعل هذه المخططات الصهيو-غربية تدعي أن النص السابع يدل على أن إسحاق هو الوارث الوحيد لهذا العطاء، ولكن هذا النص في الوقت الذي يثبت فيه الحق لإسحاق في هذا العطاء، فهو لا يصرح بإلغاء هذا الحق عن أبناء هاجر وقطورة، بدليل أن هناك نصوصًا في توراة اليوم وردت بعد النص السابع وقبله تبين أن كل نسل إبراهيم الخليل لهم الحق في وراثة هذا العطاء الرباني، هذا إذا أخذنا بظاهر هذه النصوص.

ولكن السؤال الذي يُسأل: ما هو المقصود بالأرض الموعودة لإبراهيم ونسله في هذه النصوص؟ وهل المقصود في هذه النصوص أن يتحول هذا العطاء الرباني إلى مُسوِّغ يسمح لإبراهيم ونسله بطرد أصحاب هذه الأرض أو قتلهم أو نفيهم إلى المجهول؟

والجواب على ذلك نجده في سلوك إبراهيم الخليل بعد أن نزلت عليه هذه النصوص وفق رواية توراة اليوم، حيث إنه لما نزلت عليه هذه النصوص ومنحته هذا العطاء الرباني، لم يتخذه مُسوِّغًا لإعلان حرب على الفلسطينيين أصحاب الأرض في أيام حياته، بل تودد لهم وتعامل معهم على اعتبار أنهم أصحاب الأرض المالكون لها.

وقد عاش إبراهيم الخليل على هذه الأرض مئة سنة وفق دلالات النصوص الواردة في سفر التكوين، وكان خلال كل تلك السنوات على علاقة طيبة مع الفلسطينيين، وهذا ما تثبته نصوص توراة اليوم.

فقد كان على علاقة طيبة مع الملك ملكي صادق، وفي ذلك تقول توراة اليوم:

«وأخرج ملكي صادق ملك شاليم خبزًا وخمرًا، وكان كاهنًا لله العلي، وبارك أبرام». سفر التكوين 14:18.

وكان على علاقة طيبة مع ملك الفلسطينيين أبيملك، وفي ذلك تقول توراة اليوم:

«فأخذ أبيملك غنمًا وبقرًا وعبيدًا وإماءً وأعطاها لأبراهام، ورد إليه سارة امرأته، وقال أبيملك: هذه أرضي بين يديك، فحيثما حسن في عينيك فاسكن». سفر التكوين 20:14-15.

وكان على علاقة طيبة مع بني حث أهل قرية أربع أو حبرون الواقعة في أرض كنعان، وفي ذلك تقول توراة اليوم:

«فقام أبراهام من أمام ميته – أي سارة – وكلم بني حث قائلًا: أنا غريب ونزيل عندكم، أعطوني ملك قبر عندكم فأدفن ميتي من أمام وجهي». (سفر التكوين 23:3-4).

وكما استجاب له عفرون أحد الحثيين وأعلن لإبراهيم الخليل أنه يهبه حقلًا ومغارة وفقًا لرواية توراة اليوم دون مقابل، أصر إبراهيم الخليل أن يدفع له ثمنها ويأخذها.

وفي ذلك تقول توراة اليوم: «فلما سمع أبراهام ذلك من عفرون وزن له الفضة التي ذكرها في مسامع بني حث أربعمئة مثقال فضة جائزة عند التجار». (سفر التكوين 23:16).

فلو كانت دلالة هذا العطاء الرباني أو الوعد الإلهي لإبراهيم الخليل أن يستولي على الأرض، فلماذا اشتراها من بني حث؟ ولماذا أصر على دفع ثمنها لصاحبها عفرون الحثي؟

مع التأكيد وفق نصوص توراة اليوم أن إبراهيم الخليل كان يملك قوة عسكرية وخاض حروبًا وانتصر فيها، ومعنى ذلك أنه لم يحافظ على علاقة طيبة مئة عام مع الفلسطينيين بسبب ضعفه أو عجز منه، وحاشاه أن يكون قد عصى الله تعالى مئة عام مخالفًا لمدلول الوعد الإلهي وكيفية العمل على ضوئه، وقد أقره الله تعالى على ذلك مئة عام، ومات إبراهيم الخليل بعد مئة عام على ذلك الفهم لذلك الوعد الإلهي الذي ترجمه إلى سلوك قائم على علاقة طيبة مع الفلسطينيين.

ومن المفيد أن نقف على هذا النص في سفر التكوين الذي يقول:

«فلما سمع أبرام أن أخاه قد أُسر، جرَّد رجاله المدربين المولودين في بيته وعددهم ثلاثمئة وثمانية عشر، وجد في أثرهم حتى دان، وتفرق عليهم ليلًا هو وعبيده فضربهم وتعقبهم إلى حوبة التي عن شمال دمشق، واسترجع جميع الأملاك، واسترد لوطًا ابن أخيه أيضًا وأملاكه والنساء أيضًا والشعب».

نلاحظ أن هذا النص يبين أن إبراهيم الخليل كان يملك قوة عسكرية، فلم يستخدمها ضد الفلسطينيين للسيطرة على أرضهم، لأن الوعد الإلهي كما فهمه لم يأمره بذلك.

بل فهم من هذا الوعد الإلهي أن يقيم في الأرض الممتدة ما بين النيل والفرات دعوةً للتوحيد، وأن يدعو أهل هذه الأرض بالتي هي أحسن إلى الإيمان بالله تعالى وعبادته وترك عبادة الأوثان.

بمعنى أنه فهم أن الوعد الإلهي يحمله على إقامة مشروع إيمان وتوحيد لإخراج الناس من ظلمات الكفر والشرك إلى نور التوحيد، وفهم أن هذا الوعد الإلهي سينتقل بعد موته إلى سائر نسله الذين سيحافظون على عهد التوحيد بعده.

ومما يؤكد ذلك، أن توراة اليوم تقول في سفر التكوين:

«فنزل أبرام إلى مصر ليقيم هناك لأن المجاعة قد اشتدت في الأرض». سفر التكوين 12:10.

حيث جاء هذا النص بعد النص الذي يقول في سفر التكوين:

«فتراءى الرب لأبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض».

فلو كان مفهوم «لنسلك أعطي هذه الأرض» هو السيطرة عليها بالقوة حتى لو احتاج الأمر إلى طرد أهلها، لكان إبراهيم الخليل أحق الناس بالبقاء فيها وعدم تركها، ولكنه (رحل إلى مصر ليقيم هناك). سفر التكوين 12:10.

أي ليقيم في مصر تاركًا الأرض التي قال له الرب عنها: «لنسلك أعطي هذه الأرض».

فمن هو مصدر فهم هذا النص؟

إبراهيم الخليل أم المخططات الصهيو-غربية؟

الجواب واضح.

وعلى درب إبراهيم الخليل سار النبي إسحاق بن إبراهيم، فهو النبي إسحاق الذي قال الرب له وفق رواية لتوراة اليوم:

«لا تنزل إلى مصر بل أقم في الأرض التي أقول لك، تغرَّب في هذه الأرض وأنا أكون معك وأباركك، لأني لك ولنسلك سأعطي هذه البلاد كلها، وأوفي بالقسم الذي أقسمته لأبراهام أبيك، وأكثر نسلك كنجوم السماء، وأعطي نسلك هذه البلاد كلها، وتتبارك بنسلك جميع أمم الأرض». سفر التكوين 26:1-4.

فلو فرضنا جدلًا صحة هذا النص، فإن إسحاق لم يفهم أن هذا النص يبيح له وضع يده على الأرض المباركة والتسلط عليها وفرض سيادته بالقوة عليها، وشرعية طرد أهلها منها، بدليل أنه بنى علاقة حسن جوار مع أهلها الفلسطينيين واتفق معهم على وثيقة تحفظ حقوق الجميع وتمنع اعتداء أي طرف على الآخر، ففي ذلك يقول سفر التكوين على فرض صحته في توراة اليوم:

«فذهب إليه من جرار أبيملك وأحزات صديقه وفيكول قائد جيشه. فقال لهم إسحاق: ما بالكم أتيتم إليَّ وأنتم قد أبغضتموني وصرفتموني من عندكم؟ فقالوا: قد رأينا أن الرب معك، فقلنا ليكن الآن حلف بيننا وبينك ونقطع معك عهدًا ألا تصنع بنا سوءًا كما أننا لم نمسك وكما أننا لم نصنع إليك إلا خيرًا وصرفناك بسلام. أنت الآن مبارك الرب. وبكروا في الصباح فحلف كل منهم لصاحبه، وصرفهم إسحاق فمضوا من عنده بسلام».

سفر التكوين 26:26-31.

وظل إسحاق يحافظ على هذا العهد طوال سنوات حياته مع الفلسطينيين، حيث عاش مئة وثمانين سنة وفق رواية توراة اليوم.

وهكذا فهم إسحاق معنى الوعد الإلهي كما فهمه أبوه إبراهيم الخليل، وهو الحرص على ترسيخ رسالة التوحيد في هذه الأرض وعبادة الله تعالى وحده.

ثم سار على درب إبراهيم الخليل وإسحاق نبي الله يعقوب، فهو الذي قال الله تعالى له وفق رواية توراة اليوم في سفر التكوين على فرض صحتها:

«وإذا الرب واقف عليها فقال: أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق. الأرض التي أنت نائم عليها لك أعطيها ولنسلك». سفر التكوين 28:13.

فقد فهم يعقوب من هذا النص ضرورة عقد الجيرة الصالحة وحفظ الحقوق واجتناب إيقاع الأذى على أهل الأرض المباركة.

وفي ذلك يقول سفر التكوين على فرض صحته:

«ثم أتى يعقوب سالمًا إلى مدينة شكيم التي في أرض كنعان حين جاء من فدان أرام، ونزل أمام المدينة، وابتاع قطعة الحقل التي نصب فيها خيمته من يد بني حمور أبي شكيم بمئة قسيطة». سفر التكوين 33:18-19.

وفق هذا النص فإن شكيم كلمة كنعانية، ووفق هذا النص فإن يعقوب سار على سنة أبيه إسحاق وجده إبراهيم، فلم تسوِّل له نفسه سلب شبر من أرض الكنعانيين استنادًا إلى الوعد الإلهي، حيث اشترى الأرض من أصحابها في شكيم ودفع لصاحبها من بني حمور مئة قسيطة ثمن الأرض.

وهكذا فهم يعقوب أن معنى الوعد الإلهي هو ترسيخ عقيدة التوحيد في الأرض المباركة وعبادة الله تعالى فيها.

مما يعني أن هناك إجماعًا بين إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب على أن معنى الوعد الإلهي ليس شرعنة نهب الأرض المباركة من أهلها، بل معناه تظليلها برسالة التوحيد وعبادة الله تعالى.

وهكذا ملأ هذا الفهم قلب وعقل كل نبي جاء بعد إسحاق، للوعد الإلهي وصولًا إلى رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ولكي يكتمل فهم هذا الوعد أكثر، فلا بد أن نعرف من هم المقصودون بنسل إبراهيم الخليل، وهذا ما سأكتب عنه في المقالة القادمة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى