مؤسّسات المجتمع المدني كبديل للعمل السياسيّ

توفيق محمّد
يحمل العمل الخيريُّ في ظاهره العملَ لخدمة الناس تطوعًا، والقيام على حاجاتهم المختلفة سواء السياسيّة أو الاجتماعيّة أو التعليميّة أو الخدماتيّة، ومما قد يحمل في بعده التنظيميِّ المنفعة الشخصيَّة والفردانيَّة -إن لم يتمّ ضبطه وفق الضوابط الأخلاقيّة والقانونيّة والالتزام بها- ويحمل في بعده التخطيطيّ بعيد المدى أهدافَ مموِّليه، فإن كان المموِّلون جمعيّات صهيونية مختلفة، فهو يحمل أهدافها ومشاريعها عبر التسلُّل الناعم إلى مفاصل حياة المجتمع، وبالذّات إلى مفاصل حياة شبابه وشابّاته الذِّين يشكلون مستقبل المجتمعات البشريّة، وهذه الجمعيّات الصهيونيّة قد تكون جمعيّات تُحسب على ما يطلق عليه اليسار الاسرائيليِّ الذي يسعى إلى إعادة السيطرة على الحياة في الدولة، وقد تكون جمعيّات يمينيّة متطرِّفة تسعى إلى محو ومحق قيم الإسلام والعروبة والفلسطنة من حياة شعبنا، وفي كلتا الحالتين فإنَّ أهداف هذه الجمعيّات والصناديق هي تغيير القيم والمفاهيم والمبادئ والثوابت التي يجب أن يتربى عليها أبناؤنا.
وقد تكون هذه الجمعيّات أو الصناديق الداعمة أوروبيّة، ولها أيضًا أهداف وبرامج تسعى إلى تحقيقها في المجتمعات البشريّة التي تدعم الجمعيّات الكائنة بها، إذ إن الساذج وحده هو من يعتقد أنَّ مثل هذه الصناديق تقدِّم أموالها بسخاء لسواد عيون فلّان أو علّان، أو لسواد عيون هذا الشعب أو ذاك، أو لخدمة “المجتمعات” التي تعمل داخلها تلك الجمعيات فقط.
هذه الصناديق ومسؤولوها الذين بدأوا ينكشفون -وسينكشفون أكثر وأكثر- على العلن يسعون إلى هندسة حياة البشر، وفق رؤاهم، وتحويلهم إلى براغي وأدوات في ماكينة العبوديَّة البرَّاقة التي تدار في الخفاء، تارة باسم الحريّة وتارة باسم الإنسانيّة، وتارة باسم حقوق الإنسان -نعم باسم حقوق الإنسان المُداسة بنعالهم القذرة- وتارة باسم الأخوّة، وتارة باسم وحدة الأديان!، وتارة باسم حوار الأديان!، وتارة باسم الإبراهيميَّة، وتارة باسم التقدم والحضارة والحداثة والتطور.
وقد تقدِّم هذه الجمعيّات مشاريع خيريّة للمجتمعات البشريّة تحت أيٍّ من المسميّات أعلاه، أو غيرها، لكنَّ هذه المشاريع مغموسة بمال الإذلال الناعم الذي يتسلّل إلى هذه المجتمعات دون أن تطلب هذه الجمعيات ولاءً منها، فتكفي عملية الإغراق المالي الداعم للمشاريع “الخيريّة” من أجل تمرير القيم والمبادئ التي تسعى إلى أدلجة العقول وفق منظومتها الفكريّة والاجتماعيّة.
الناظر إلى العمل الجماهيريّ، اليوم، يلاحظ أنَّ مثل هذه المؤسَّسات والجمعيّات، لا أقول بدأت، وإنما غزت كل السلطات المحليّة العربيّة، بل والمجتمع الفلسطيني في الداخل، وأصبحت هي أحد المقاولين التنفيذيِّين للعمل الجماهيريّ الذي يمسُّ حياة الناس، ويأتي ذلك تحت ذريعة غير مقبولة وغير مبررة بتاتًا من قبل رؤساء وقيادات تقول: ما المانع أنْ نستفيد من هذه الأموال لتنفيذ نشاط كذا وتمويل نشاط كذا، وتكبر المصيبة عندما يصدر هذا التبرير عن قيادات من المفروض أنْ تكون واعيةً ومدركةً ومستوعبةً أن أهداف هذه الجمعيات والمؤسسات وداعميها تتغلغلُ في مفاصل ناخبيهم وتُهندسُ وعيَهم، وتعيد تشكيل مفاهيمهم للحياة وللقضايا المصيرية وفق ما يريد المُمَوِّل، فالحذر!، وإلا فقدنا البوصلة.
العمل الأهليُّ عبر المؤسسات والجمعيّات الخيريّة بحدّ ذاته هو عمل محمود وجيد ويعين على خدمة المجتمع في كل مفاصل حياته فقط في حالة كان فيها التمويل ذاتيًّا، وليس مستوردًا، لأنَّ ساعتها تكون الفكرة من الرأس لأنَّ الضربة أساسًا كانت من الفأس، ومثل هذا العمل كما نلاحظ يُضيَّق عليه مؤخرًا ليس في بلادنا فحسب بل أينما وجَّهت تقريبًا، لصالح إتاحة الفرص والمجال لمؤسسات وجمعيّات المجتمع المدنيِّ المدعومة والمموَّلة من الصناديق ذات الأهداف المشبوهة، ليس هذا فحسب، بل إننا نلمس أنه يراد لهذه المؤسّسات أنْ تكون بديلًا للعمل السياسيّ وللأحزاب السياسيّة، وهكذا تتم أدلجة العقول والمفاهيم السياسيّة والاجتماعيَّة بامتياز.
وعندما تبحث عن مؤسسات العمل المدنيِّ في محركات البحث فإن أول ما يصادفك جمل العمل التطوعيِّ وغير الربحيِّ، وخدمة المجتمع، وغير ذلك من المصطلحات الجميلة والبرّاقة، ولكن عندما تفحص مقياس الشفافيّة في حسابات هذه الجمعيَّات تجد أنَّ في بعضها ما يزيد عن نصف المدخولات تذهب إلى الصرف على الرواتب والإداريّات، ولذلك كتبت في بداية هذه المقالة: “… ومما قد يحمل في بعده التنظيميِّ المنفعة الشخصيَّة والفردانيَّة -إن لم يتمّ ضبطه وفق الضوابط الأخلاقيّة والقانونيّة والالتزام بها”.
