ماذا قال الحاخام جينتر بلاوت عن توراة اليوم؟

الشيخ رائد صلاح
نحن نؤمن بأن سيدنا موسى عليه السلام هو رسول من رسل الله، وهو كليم الله، وهو واحد من أولي العزم من الرسل، ونؤمن بأن الله تعالى قد أنزل عليه التوراة فيها هدى ونور، وفي ذلك يقول الله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) المائدة آية 44.
ولكن ماذا كان مصير التوراة بعد موت سيدنا موسى عليه السلام؟ هل ظلت كما أنزلت عليه حتى اليوم أم ماذا؟
حول هذا السؤال يقول الله تعالى في سورة البقرة: (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه)، ويقول الله تعالى في سورة النساء: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه)، فهل يقر بذلك علماء توراة اليوم أم ماذا؟
إن أول دراسة باسم النقد التاريخي للتوراة التي تسمى بالعهد القديم كانت في عام 1678 الذي وضعها الأب ريتشارد سيمون، ثم صدر بحث لموريس بوكاي في القرن العشرين بعنوان (كتاب العلم والقرآن والإنجيل) قال فيه: (ومن هنا حق لنا القول بأننا يمكن أن نجد في العهد القديم تناقضات وأخطاء تاريخية وفرضيات لا أساس لها وتناقضًا مع حقائق العلم الثابتة وهو أمر طبيعي في أي عمل بشري تم خلال فترة زمنية طويلة).
كما صدر بحث بقلم جينتر بلاوت حول سفر التكوين كبداية لدراسة جديدة حول توراة اليوم، وبدأ بحثه عام 1974 ثم صدر هذا البحث حول سفر التكوين عن الهيئة العبرية الأمريكية كبداية لسلسلة إصدارات تحمل دراسة جديدة لتوراة اليوم.
وفي مقدمة هذا الإصدار الجديد حول سفر التكوين يقول جيمس بلاوت وهو حبر (حاخام) يهودي: “هذه الدراسة تنبع من فرضية أن سفر التكوين كما هو الحال في الأسفار الأربعة المكونة للتوراة، هو كتاب بشري من وضع البشر”.
ثم يقول: “إذا كان الرب ليس مؤلف التوراة بالمفهوم السلفي، فإن التوراة هي كتاب يدور حول فهم الإنسان للرب وخبرته معه، وهذا الفهم قد اختلف عبر القرون بقدر ما اختلفت تلك الخبرة، وبما أن التوراة قد تداولت شفاهة في البداية ولم تكتب إلا بعد أجيال، فإن النص المكتوب النهائي قد تضمن أفكارًا متباينة عن الرب والإنسان، وكلها تقف متجاورة في الكتاب وتخبرنا بتغير وتطور قناعات أسلافنا، وعلى هذا الأساس فإن الكتاب ليس من عند الله ولكن من صنع البشر”.
ثم يقول: “ولكن هذه الدراسة تذهب أبعد من ذلك فنحن نذهب إلى أنه من الممكن القول بأن التوراة هي السجل القديم المتميز لبحث إسرائيل عن الله ومحاولات إسرائيل تسجيل اللقاء بين الإنسان والمطلق، ولذا فإن الكتاب تشيع فيه نفحة قدسية، إن التوراة هي شهادة رجال لهم شفافية روحية غير عادية، فالله ليس مؤلف الكتاب بل هو من وضع رجال، ومع ذلك فإن صوت الرب يمكن أن يسمع خلال كلمات هؤلاء الرجال إذا ما أنصتنا بقلوب مفتوحة”.
ثم يتساءل جينتر بلاوت في مقدمته ويقول: “هل هذا صحيح بالنسبة لكل آية وحكاية في التوراة؟ نحن لا نرى ذلك، ولكن من الصعب أن نعرف إذا ما كان هذا الصوت الذي يتكلم ينطق بالحق الأبدي أو يعكس وهمًا أو حتى سوء فهم عصر بعينه، وإدراكنا هو أننا لسنا في الموضع الذي يتيح لنا أن ننتقد مطمئنين للعصور الماضية من موقع المتفوق، ففي مواجهة التقاليد العريقة التي تواجهنا يجب أن نتحلى بالتواضع والحذر، وهذا لا يعني بالطبع أن نحني الرأس لكل الأحكام أو أن نعامل الأسطورة كالحقيقة أو أن نغمض العين عن هذه النصوص التي تصور الله في صورة بشرية”.
ثم يختم جينتر بلاوت مقدمته قائلًا: “وهذه الدراسة للتوراة ليست اعتذارًا ولا توثيقًا أو تحقيقًا لكل فقرة فيها، إنها محاولة لتزويد القارئ المعاصر بأدوات الفهم ثم تترك الخيار له”.
والأسطورة في التوراة أن الإنسان بنى برجًا وأراد أن يصعد إلى السماء، فخاف رب التوراة وقرر تمزيق وحدة الإنسان، ومن ثم بلبل ألسنتهم، ومن هنا ظهرت اللغات وعجز الإنسان عن التفاهم، وهذه الرواية لم تعد تتلاءم مع الدراسات الحالية لأصل اللغات ولا مع الصورة المفترضة لله، وكذلك كيف تجري مصارعة بين هذا الإله ويعقوب ينتصر فيها الإله بصعوبة.
وفي الوقت الذي يبين فيه جينتر بلاوت أن اللجنة التي أشرفت على نشر بحثه ليست جهة غير يهودية ولا حتى يهودية ملحدة، بل هيئة دينية معترف بها تضم أكثر من حاخام، وفي الوقت الذي يبين فيه أن هذه اللجنة الناشرة للبحث لا تؤمن أن توراة اليوم كتاب منزل من السماء، فقد ورد في مقدمة بحثه ما يلي:
“فضلًا عن أن التوراة التي نستعملها الآن هي مجرد إحدى النسخ المتاحة لنا -ولو أنها النسخة المعتمدة- وأيضًا حقيقة أن معظم الأرثوذكس الذين لا يعرفون الأصل العبري يقيمون حجتهم على ترجمة بعينها وهي بدورها مجرد تفسير، أي ليست مصدرًا مباشرًا”.
وجملة (التي نستعملها الآن) توحي بوجود توراة أصلية صحيحة غير متداولة، وأن النسخ المتداولة ذات تفسيرات بشرية خاطئة محرفة للنص الأصلي الضائع.
ثم تقول هذه المقدمة: (إن القارئ المعاصر الذي يعرف تاريخ وطبيعة النص يجب أن يتذكر أن الفهم الحرفي للتوراة يفضي إلى تصورات فادحة الخطأ، فحتى حكماء اليهود القدماء الذين آمنوا بأن التوراة كتاب منزل من السماء لم يأخذوا بحرفية النص، بل تعاملوا مع النص بتوقير ولكن حاولوا دائمًا أن ينفذوا خلف حروفه).
ثم تقول هذه المقدمة: (إن القدماء يعتبرون الأرض مركز الكون، وأن قوانين الطبيعة ليست ثابتة ولكنها خاضعة لإرادة الله، وهذه النظرة هي الأساس في كثير من الحكايات وخاصة في بداية سفر التكوين الذي أصبح عقبة كؤود تصد عن قراءة التوراة).
ثم تقول هذه المقدمة: (إن القارئ يجب أن يفهم أن التوراة تحتوي على مواضيع كثيرة متنوعة: تاريخ، أساطير، فولكلور، أغانٍ، أمثال، شعر، وبصفة خاصة في الفصول الأولى من سفر التكوين توجد أساطير وخرافات تدور حول الكائنات البشرية والقوى الإلهية).
ثم يتساءل جينتر بلاوت: (كيف كتبت التوراة؟) ويرد: (منذ قرون بدأ الشك حول قضية هل التوراة من وضع مؤلف واحد هو موسى.. إلا أنه ليس قبل القرن التاسع عشر عندما خضعت التوراة لدراسات مكثفة ونقدية على مستوى شديد التخصص، وقد لاحظت الانتقادات الأولى اختلاف استعمال أسماء الرب في مختلف أجزاء التوراة والتناقض بين الوقائع والأرقام واختلاف الأسلوب، وفي فترة لاحقة استطاع النقاد تحليل النص التوراتي على نحو ميزوا به عدة مؤلفين وعدة كتاب أعادوا الصياغة ووضعوا نظريات حول الأزمنة والأحداث التي كتبت فيها هذه الفصول، ثم جمعت أخيرًا في هذه التوراة التي لدينا الآن).
وتقول إحدى هذه الدراسات: إنه كانت هناك أربع وثائق أساسية بتركيبها معًا في القرن الخامس قبل الميلاد ظهر كتاب واحد وهو التوراة… التي أعلنت مقدسة بتشريع رسمي حوالي عام 400.
ثم تمضي دراسة جينتر بلاوت ومن سانده في شرح الخلاف بين كتابات المؤلف الذي تحدث عن الرب باسم “يهوه” والآخر الذي سماه “إلوهيم”، وكلا المؤلفين ساهما في تأليف سفر التكوين، بل هناك آراء حول وجود مؤلف ثالث من أصل إسرائيلي بل من أصل كنعاني.
وبموجب هذه الآراء فإن سيدنا موسى الذي عاش في القرن الثالث عشر قبل الميلاد لا دخل له في الصياغة الأخيرة للتوراة، بل وضع اسمه عليها كمؤلف عندما تم تكريس الكتاب.
وباختصار فإن رأي الحاخام جينتر بلاوت وهو من أواخر آراء اليهود عن توراة اليوم يعترف بأن توراة اليوم أو العهد القديم المتداول حاليًا ليس من عند الله بل من وضع بشر، وحافلة بالأساطير والخرافات التي لا تتفق مع الواقع ولا التاريخ ولا العلم ولا الحقيقة.
وبالطبع أؤكد أننا كأمة إسلامية نؤمن بوجود توراة حق أنزلها الله تعالى على نبي الله موسى عليه السلام، ثم بعد موته تعرضت للتحريف وضاع من أصلها ما ضاع وأضيف عليها ما أضيف، وهكذا لم تعد كتابًا مقدسًا يعتمد عليه، واختلط ما فيه من صحيح بما هو محرف، وهو ما يوافق قول الله تعالى في القرآن الكريم: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون).
وهكذا أكد القرآن الكريم التحريف في التوراة في القرن السابع الميلادي قبل أن يعترف بذلك الحاخام جينتر بلاوت في ثمانينات القرن الماضي.
فإذا كان هذا هو حال توراة اليوم كما كتب عنها موريس بوكاي وجينتر بلاوت وأصحاب أبحاث أخرى بدأت منذ القرن التاسع عشر فصاعدًا، فهذا يعني أنه لا يمكن الاستناد إليها باسم الفهم الديني والتوراتي لتبرير الاستيطان في الضفة الغربية، ولا لتبرير مواصلة إيقاع الكرب الشديد على غزة، ولا لتبرير مواصلة اقتحام المسجد الأقصى المبارك ومواصلة المجاهرة العلنية بأداء طقوس تلمودية فيه، ولا لتبرير مواصلة الحديث عن وعد إلهي للشعب الإسرائيلي في الأرض المباركة، ولا لتبرير مواصلة الحديث عن نظرية شعب الله المختار في مقابل شعوب الأغيار وكأن الله تعالى اختار جنس شعب من دون سائر أجناس الشعوب وجعله شعب الله المختار لا لسبب إلا لجنسه، ولا لتبرير مواصلة الحديث عن شرعنة سلوك شباب التلال في الضفة الغربية أو السكوت وغض الطرف عنه أو توفير الحماية له بدعوى الاستناد إلى توراة اليوم، ولا لتبرير مواصلة التضييق على مجتمعنا في الداخل ما بين الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية عكا وحيفا ويافا واللد والرملة، ومواصلة مطاردته بسياسة التنكيل الأمني والحبس الإداري وهدم البيوت ومصادرة الأرض واقتلاع بلدات كاملة عن بكرة أبيها في النقب، وتسهيل انتشار نكبة العنف فيه وكأن وجودنا في الداخل هو وجود طارئ غير مسلّم به، وكأن هذا الوجود يمثل معضلة لا بد من البحث عن حلها من الجذور.
والعجب كل العجب أن بعض الساسة الإسرائيليين يستندون في كل هذه السلوكيات إلى فهمهم لتوراة اليوم.
وأنا على يقين أن نبي الله موسى عليه السلام لو كان بين ظهرانينا، ولو وضع التوراة كما أنزلت عليه من الله تعالى بين أيدي الجميع، لما وافق على هذه السلوكيات الممتدة ما بين الضفة الغربية وغزة والقدس المباركة والمسجد الأقصى المبارك والداخل الفلسطيني، لأن من المقطوع به أن سيدنا موسى عليه السلام جاء برسالة دينية من الله تعالى لا من عند نفسه، وجاء بكتاب اسمه التوراة من عند الله تعالى لا من عند نفسه، والمجزوم به أنها لا توجد رسالة دينية إلهية ولا يوجد كتاب إلهي يبرر لأصحابه احتلال شعوب أخرى، ولا وضع اليد على أرضها وخيراتها، ولا حصار حياتها، ولا التضييق على أنفاسها، ولا مواصلة الاعتداء عليها باسم حق ديني ولا باسم حق تاريخي.