باستغلال مشاهد رمضان.. حملة إسرائيلية جديدة لتزييف الواقع الإنساني في غزة (شاهد)

تنشط حملة رقمية إسرائيلية مُمنهجة تركز على تصدير ونشر صور موائد الإفطار الرمضانية في غزة بين ركام الأحياء المدمرة، ومقاطع تعج بحركة المتسوقين وتوافر البضائع، بهدف نفي وجود أزمة إنسانية داخل القطاع جراء الحرب وتداعياتها الكارثية.
وتسعى الحسابات الإسرائيلية إلى ضرب مصداقية التقارير الدولية التي تحذر من تدهور الأوضاع في غزة، وذلك عبر إنتاج وترويج محتوى بصري انتقائي يحاول تغيير صورة الواقع بشكل مضلل.
ويشير تقرير “وحدة المصادر المفتوحة” في قناة الجزيرة القطرية إلى أن الحملة اعتمدت على اجتزاء مشاهد محددة وتعميمها على منصات التواصل الاجتماعي؛ لفتح نقاشات وتصدير روايات تنفي معاناة الغزيين.
ويتتبع التقرير مصادر هذا المحتوى، ويحلل نمط نشره، ويقارن هذه الصورة الجزئية بالمعطيات الميدانية الأوسع، لتسليط الضوء على الفارق الجوهري بين تقارير تستند إلى مؤشرات علمية لمستوى التغذية والإمدادات، وبين محتوى انتقائي يُعاد توظيفه لإنتاج رواية مضادة تخدم خطابا سياسيا محددا.
محاولة إعادة صياغة الرواية
تصدّر هذه الحملة حساب “أونيست ريبورتينغ” (HonestReporting) عبر نشره مقطعا مجتزأ من تقرير تلفزيوني يُظهر سوقا في غزة يعج بالسلع والمتسوقين.
وأرفق الحساب المقطع بتعليق يوحي بأن هذه المشاهد تنقض روايات نقص المساعدات أو الحديث عن أزمة غذائية، ولم يطرح الحساب المقطع بوصفه مشهدا جزئيا من واقع معقد، بل سوّقه على أنه دليل بصري كاف لإسقاط التحذيرات الإنسانية الدولية.
وسرعان ما تبعت ذلك حسابات إسرائيلية أخرى، أبرزها “GAZAWOOD1” و”Imshin”، اللذان دأبا على نشر مقاطع تحت وسم “غزة التي لا ترونها” (TheGazaYouDontSee)، وتُظهر هذه المقاطع أجواء رمضانية، وأسواقا نشطة، وعائلات تجتمع حول موائد الإفطار، وقد قُدمت هذه المشاهد للبرهنة على عودة “الحياة الطبيعية” إلى القطاع، في صياغة تتجاوز التوثيق الاجتماعي لتصبح أداة لإنتاج رواية تضرب التقارير الدولية.
واللافت أن هذا المحتوى أُدرج ضمن خطاب أوسع يشكك صراحة في المعطيات الإنسانية؛ إذ جرى توظيف مشهد توفر الطعام في سوق أو على مائدة عائلية للإيحاء بأن الحديث عن المجاعة مبالغ فيه.
ويتجلى هذا التوجه بوضوح في منشور لحساب “Documenting Israel”، الذي لجأ إلى السخرية المفرطة لتقويض الرواية الإنسانية، معتبرا المشاهد الرمضانية دليلا على “زيف الحديث عن المجاعة”، في محاولة لتحويل النقاش من أزمة إنسانية موثقة إلى مادة للتشكيك والاستهزاء.
من النفي إلى الاتهام بالتزييف
لم تتوقف الحملة عند استغلال مشاهد الأسواق وموائد الإفطار، بل صعدت إلى مستوى أكثر حدة تمثل في التشكيك في الصور التي توثق معاناة السكان أنفسهم.
ففي منشور حصد أكثر من مليون مشاهدة، ادعى حساب “Eyal Yakoby” أن صورة لعائلة فلسطينية تفطر في رمضان “مصنوعة بالذكاء الاصطناعي”، زاعما أن توقيت الإفطار الظاهر في الصورة لا يتوافق مع ساعات الصيام، في محاولة لتصوير المشهد على أنه مفبرك.
لكن التحقق من الصورة أثبت عكس ذلك تماما؛ فالصورة التقطها مصور لوكالة الأناضول، وتوثق أسرة فلسطينية أقامت أول إفطار رمضاني على أنقاض “مسجد أبي العباس المرسي” المدمر في غزة، كما أن النسخ الأصلية للصورة منشورة عبر حسابات موثقة ومنصات إعلامية متعددة، مما يدحض ادعاء فبركتها رقميا.
يكشف هذا التحول تغيرا ملحوظا في أدوات الدعاية الرقمية الإسرائيلية، فبدلا من الإنكار الكلي، أصبح التركيز منصبا على تفكيك الأزمة الإنسانية نفسها عبر التشكيك في صور المعاناة وتحويلها إلى اتهامات بالتزييف، وبذلك يصبح الهدف ضرب مصداقية أي صورة توثق الواقع، حتى وإن صدرت عن مؤسسات إعلامية معروفة.
ماذا تقول التقارير الدولية؟
في مقابل الخطاب الرقمي الإسرائيلي، تقدم التقارير الأممية صورة أكثر تعقيدا، فبحسب تحليل مدعوم من الأمم المتحدة صدر في ديسمبر/كانون الأول 2025، استنادا إلى نظام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، فإن وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول ساهم في تحسين نسبي في وصول الغذاء، وأبعد خطر المجاعة المباشر مؤقتا، لكنه لم يُنهِ الأزمة.
ويؤكد التقرير أن أكثر من 75% من سكان غزة ما زالوا يواجهون مستويات حادة من الجوع وسوء التغذية، مع بقاء معظم مناطق القطاع ضمن حالة طوارئ غذائية، واستمرار مئات الآلاف في ظروف شديدة الخطورة.
كما حذرت الأمم المتحدة من أن أي توقف في تدفق المساعدات أو عودة التصعيد قد يعيد القطاع سريعا إلى ظروف المجاعة، مما يعني أن مظاهر الحياة التي تظهر في بعض المقاطع تبقى هشة ومرتبطة باستمرار الدعم الإنساني.
إرادة الحياة في غزة
ورغم الأزمة الإنسانية الخانقة التي لا يزال يعانيها سكان قطاع غزة بعد حرب مدمرة دامت عامين، يُعد شهر رمضان هذا العام محطة استراحة نسبية؛ إذ يأتي بعد أن عاش الغزيون موسمين رمضانيين سابقين تحت نيران الحرب، وجحيم النزوح، وشبح المجاعة.
وفي ظل هذه التحديات، يحاول السكان التشبث بالأمل وابتكار سبل للعيش بما يتوفر لديهم من إمكانات ووسائل بسيطة، سعيا لاستعادة جزء من حياتهم الطبيعية، وهذا التمسك بالحياة هو تحديدا ما تعكسه المشاهد التي تعمدت الحملة الإسرائيلية اجتزاءها وتوظيفها، متجاهلة أن هذه اللحظات المسروقة من الفرح لا تخلو من المعاناة التي لا تزال ترافق يوميات الناس هناك.
وتتصدر مشاهد الإفطار الجماعي بين ركام المنازل المدمرة المشهد في الأيام الأولى من رمضان؛ إلا أن هذه التجمعات ليست دليلا على الوفرة أو الرفاهية كما تروج الحملة، بل هي في الغالب مبادرات تكافلية تشرف عليها هيئات وجمعيات خيرية، بهدف تقديم المساعدة للنازحين وإطعامهم خلال الشهر الفضيل للتخفيف من وطأة مأساتهم.
