المرأة.. قلب التغيير ونبض المستقبل

ليلى غليون
تتطلع عيوننا وهي ترقب متوكلة على الله عز وجل طلوع الفجر بعد إذ طال الليل وادلهمت الظلمات بعضها فوق بعض، وتخفق قلوبنا يحدوها الأمل واليقين بتغير هذا الحال وأن بعد العسر يسرى أكيدًا، وأن الله الرحمن الرحيم سيبث السكينة والطمأنينة والأمان في أرواح ونفوس كلت ولكنها ما ملت ولا استكانت وهي تدعوه سبحانه أن يعجل بالفرج القريب، وأن يغير هذا الحال بأحسن حال، بعد أن سُدت كل الأبواب واستُنفدت كل الأسباب الأرضية، ولم يبق إلا باب المولى نقف على أعتابه متذللين راجين، ولم يبق إلا حبله جل جلاله نعلق به رجاءنا وأملنا ودعاءنا أن يخلصنا من هذا الأتون الذي يحترق فيه مجتمعنا ويغرق فيه حتى النخاع.
ونحن إذ نتوق إلى التغيير بكل ما نملك من رجاء وأمل، تتجلى كلمات الله سبحانه منبهة ومحذرة أن عملية التغيير لن تتحقق بالتمني والرجاء فقط، بل بحاجة إلى وعي وسعي وإرادة للتغيير، يقول تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). سورة الرعد، آية 11.
فالمجتمعات حتى تتغير للأفضل، يجب أن تقوم بمراجعة ذاتها وتصلح أخطاءها وتفتح أبوابها للإصلاح والأفكار البناءة، والتغيير الواعي لا يبدأ من القوانين وحدها، بل يبدأ من الإنسان نفسه، من وعيه وسلوكه ونظرته إلى الحياة، وحين يسعى كل فرد إلى إصلاح ذاته، تتشكل حركة تغيير واسعة ستقود المجتمع حتمًا نحو الرقي والازدهار والأمن والأمان، وفي قلب عملية التغيير تقف المرأة عنصرًا أساسيًا حيويًا في صناعة التغيير والمستقبل المشرق الذي ننشده، فهي المدرسة الأولى، والمربية، والملهمة، وصانعة الأجيال وبدونها يبقى التغيير ناقصًا لا روح فيه.
فما هو دور المرأة في عملية التغيير الاجتماعي؟
إن تقدم أي مجتمع وازدهاره يبدأ من الأسرة، والمجتمع هو مجموعة من الأسر، والأسر هي مجموعة من الأفراد ، وبقدر صلاح وسلامة الأفراد والأسر، يكون صلاح وسلامة المجتمع، والمرأة هي المدرسة الأولى في حياة الفرد، فهي التي تغرس القيم وتعلم الأخلاق وتبني الشخصية المتوازنة، ومن بين يديها يتشكل وعي جيل كامل قادر على نهضة مجتمعه، وحتى تنجح المرأة في مهمتها العظيمة هذه، فهي بحاجة لمهارات وأدوات أهمها:
- بحاجة بداية لرغبة في التغيير، ووعي تام لإشكاليات القواقع الذي تحيا فيه.
- أن تؤمن أنها لم تخلق عبثًا، وأنها مسؤولة ولها رسالة ودور كبير في البيت والمجتمع، وإذا اختل هذا الدور فستكون العواقب مدمرة.
- لدي تحفظ كبير على المقولة التي تقول: (المرأة يجب أن تتعلم لتثبت ذاتها، المرأة يجب أن يكون لها وظيفة لتثبت شخصيتها، المرأة يجب أن تكون طبيبة، إعلامية، مهندسة،… لتعزز مكانتها) أعتقد أننا إذا آمنا بهذه المقولات، فإننا نبخس المرأة حقها ورسالتها ودوها العظيم، فرسالتها ودورها أعظم وأكبر من أن نختزلها في (إثبات الذات)، فهذا ليس الهدف الحقيقي من وراء تقدم المرأة وتطورها في ميادين العلم. (وإن كان الأمر ليس سلبيًا بالمطلق، فكل إنسان بطبعه يحب أن يشعر بقيمته وقدرته على الإنجاز). فدورها يكمن في توظيف مهنيتها وعلمها وشهاداتها ومواهبها في خدمة أسرتها ومجتمعها، وعندما تشعر المرأة بحجم وعظم المسؤولية في أي موقع كانت، في بيتها، في عملها، وأنها قطب الرحى في عملية التغيير، وأنها يجب أن تقدم كل ما لديها من موهبة أو فكر أو مهنة، عندها تحدث عملية التغيير.
- على سلم أولويات التغيير الاجتماعي الواعي تقع الأسرة، والاستثمار الحقيقي هو في تربية الأبناء، خاصة في هذا الوقت العصيب الذي لا يخفى على أحد، والذي يحوي من المخاطر التربوية ما لا يعلمه إلا الله، فلا يعقل أن تنجح المرأة علميًا ومهنيًا واجتماعيًا وترقى لأعلى الدرجات في وظيفتها ولكنها في نفس الوقت تفشل كأم أو كزوجة، فليس لديها من الوقت ولو ساعة واحدة تقضيها بصحبة زوجها أو أبنائها تتعرف على عالمهم وما يخالجهم من شعور وما يواجههم من مشاكل وغيرها، ليبحث الولد أو البنت عمن يستمع إليه، وربما بل في كثير من الأحيان يكون هذا الذي يستمع إليه غير مؤتمن وربما يتورط أو تتورط في أمور لا تحمد عقباها.
وصدق حافظ إبراهيم لما قال:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق
الأم أستاذ الأساتذة الأولى شغلت مآثرهم مدى الآفاق
- وللمرأة العاملة دور في عملية التغيير في أي موقع كانت، وذلك عندما تؤمن بقرارة نفسها أنها لا تسعى فقط لكسب لقمة العيش، بل من خلال هذا السعي فإنها تنشد التغيير. فالمعلمة في مدرستها تزرع القيم والمبادئ الراقية في نفوس طلابها وهي تلقنهم المعلومة، فالمعلومة يمكن أن ينساها الطالب بمجرد انتهائه من التعليم، ولكن تبقى القيم راسخة في نفسه خاصة إذا كانت المعلمة لها تأثير وحضور ومحبة عند الطلاب، وهكذا تُخرج المعلمة ليس فقط طلاب وطالبات علم، وإنما تُخرج شبابًا وشابات حاملين للمسؤولية واعين دورهم في الحياة وفي مجتمعهم.
- والمرأة في مكتبها أو وظيفتها: تكون القدوة والسفير للمبادئ والقيم لمن حولها ولمن يتعامل معها، يشاهدون فيها وهي تحمل من المبادئ الراقية، من ابتسامة وتواضع، وتشجيع، وتحفيز، ونصيحة، وأمانة، وصدق، فيحبونها ويثقون بها ويتأثرون بها وربما يقلدونها في كثير من سلوكياتها، وبذلك تكون في مكتبها أو وظيفتها أو في محيطها، قدوة في الأخلاق والسلوك تغير طباع من حولها أو على الأقل تهذب بعض الطباع لديهم، وأعتقد أن الأمر لا يحتاج جهدًا كبيرًا، ربما تصرف وسلوك بسيط جميل وراقٍ يصدر منها يساهم في عملية التغيير حتى لو كان التغيير في فرد واحد.
نقولها وبكل ألم وتوجع وحسرة، مجتمعنا ينزف من العنف المستشري به، مجتمعنا يتألم من كثرة المشاكل الاجتماعية والأسرية والزوجية التي فاقت كل تصور، إن أزمتنا الحقيقية اليوم هي أزمة مبادئ وقيم، وحتى ننجح في عملية التغيير الاجتماعي بحاجة إلى مفاتيح التغيير، ومفاتيح التغيير بأيدينا، ومشروعنا الأول وقبل كل شيء هم أبناؤنا، بناتنا، بيوتنا، أسرنا.
نحن بحاجة لزرع القيم والمبادئ في نفوس الناشئة، خاصة الأطفال الذين يتربون اليوم على الفيسبوك والتيك توك والألعاب الالكترونية وطوفان من الثقافات الوافدة عليهم من كل حدب وصوب والبعيدة كل البعد عن مبادئنا وأخلاقنا الإسلامية.
بحاجة ملحة أن نزرع قيم المحبة والتسامح والعطاء والسلام، نزرعها أولًا في بيوتنا، ثم يقطف بعدها مجتمعنا ثمارها أمنًا وسلامًا واستقرارًا.
والمرأة ليست نصف المجتمع كما يقولون، بل هي التي تصنع النصف الآخر وتصنع في صمت ملامح الغد والمستقبل، فإذا نهضت بعلمها وأخلاقها ووعيها، نهض معها بيت، ثم حي، ثم مجتمع ، ثم أمة بأكملها، فدورها ومسؤوليتها ليس شعارًا يرفع، بل هو الطريق الحقيقي لنهضة المجتمعات، فهي في قلبها تحمل بذور التغيير وفي يديها مفاتيح المستقبل، ومن هنا يبدأ الإصلاح، فالإنسان لا يُصنع إلا في حضن امرأة عرفت قيمة رسالتها، امرأة واعية صالحة، تصنع إنسانًا واعيًا صالحًا ليصنع هذا الإنسان مجتمعًا أفضل.



