يا أهل غزة: لمّا اجتمع عليكم الصوم والظلم فأبشروا

الشيخ كمال خطيب
نحن في الساعات الأولى والأيام المباركة المشهودة من شهر رمضان المبارك، موسم الخير وشهر الصيام والقرآن والتراويح والسحور والصدقات والإحسان وصلة الأرحام، فاللهم أهلّه علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، هلال رشد وخير يا هلال رمضان، ربنا وربك الله.
إنه شهر رمضان الذي كان إذا هلّ هلاله بشّر رسول الله ﷺ أصحابه قائلًا: “قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، يفتح الله فيه أبواب الجنة ويغلق فيه أبواب الجحيم وتغلّ فيه الشياطين. فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم”. وكان يقول لهم: “أتاكم رمضان سيّد الشهور فأهلًا مرحبًا”.
بل إنه كان ﷺ يستبق رمضان بالقول: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان”
مرحبًا أهلًا وسهلًا بالصيام يا حبيبًا زارنا في كل عام
لقد لقيناك بحبّ مفعم كل حبّ في سوى المولى حرام
فاغفر اللهم منا ذنبنا ثم زدنا من عطاياك العظام
الصيام والنسب الشريف
لقد وردت كلمة الصيام في القرآن الكريم ثلاثة عشرة مرة. ستّ مرات في سورة البقرة، ومرتان في سورة المائدة ومرتان في سورة الأحزاب، ومرة في سورة النساء، ومرة في سورة مريم، ومرة في سورة المجادلة، وإن كانت أشهرها آيات سورة البقرة التي قال فيها ربنا سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [183 سورة البقرة].
وإذا كان الله سبحانه قد خاطب الذين آمنوا وإذا كان المؤمنون هم الذين يستجيبون لخطاب الله وندائه {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [285 سورة البقرة]، وعليه، فإن المؤمنين ممن سبقونا قد استجابوا لأمر الله بالصيام، {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [183 سورة البقرة]. وعليه فإن عبادة الصيام عبادة لها نسب وحسب شريف، وإذا كان الناس يعتزّون بحسبهم ونسبهم بعلاقة الدم، فإن المؤمنين يعتزّون بحسبهم ونسبهم بعبادة الصوم وعائلة الصائمين.
إننا نعتزّ بنسبنا إلى موسى عليه السلام الذي لما ذهب للقاء ربه فإنه كان قد صام ثلاثين يومًا، فلمّا شعر برائحة فمه أخذ يستاك “ينظّف أسنانه بالسواك”، فأوحى إليه ربّه سبحانه: أما علمت أن خلوف فم الصائم عندي أحبّ من ريح المسك؟ يا موسى صُم عشرة أخرى. {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [142 سورة الأعراف].
وإننا نعتزّ بنسبنا إلى داوود عليه السلام الذي قال عنه نبينا محمد ﷺ: “خير الصيام صيام داوود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا”.
وإننا نعتزّ بنسبنا إلى عيسى عليه السلام الذي كان يلبس مسوح الصوف وخشن الثياب، وكان كثير الصيام.
إنه النسب الذي يمتد إلى محمد ﷺ الذي قال: “إن في الجنّة غرفًا يُرى ظاهرها من بطونها وبطونها من ظاهرها. فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن طيّب الكلام وأطعم الطعام وأفشى السلام وأدام الصيام وصلّى بالليل والناس نيام”.
أتى رمضان مزرعة العباد لتطهير القلوب من الفساد
فأدّ حقوقه قولًا وفعلًا وزادك فاتخذه للمعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها تأوّه نادمًا يوم الحصاد
أيّ كرامة لك أيها الصائم:
أيّ كرامة لك أيها الصائم قد جعل الله ثواب الصيام أعظم من ثواب أيّ عبادة أخرى، قال ﷺ: “كلّ عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه لأجلي”.
أيّ كرامة لك أيها الصائم وقد جعل الله لك دعوة تستجاب ولا تردّ. قال النبي ﷺ: “للصائم عند فطره دعوة لا تردّ”. “ثلاث لا تردّ لهم دعوة: الإمام العادل، ودعوة الصائم ودعوة المظلوم تفتح لها أبواب السماء. ويقول الربّ عزّ وجل: وعزتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين”. وكيف لا يكون ذلك وقد جعل الله تبارك وتعالى آية الدعاء بين آيات الصيام، فسبقها قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [185 سورة البقرة]، وأتبعها قوله سبحانه: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ} [187 سورة البقرة]، وبين الآيتين كان قوله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [186 سورة البقرة].
وأي كرامة لك أيها الصائم وأي باب من أبواب الخير يسوقه الله إليك في هذا الموسم العظيم وأنت الذي أكرمك الله بجملة كرامات كما قال الحبيب محمد ﷺ: “والصوم جُنّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن قاتله أحد أو شاتمه فليقل إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان، إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصيامه”.
أي كرامة لك أيها الصائم وأنت الذي قال عنك رسول الله ﷺ: “لا يصوم عبد يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا”.
وأي كرامة لك أيها الصائم وأنت الذي جعل الله لك بابًا إلى الجنة لا يدخل منه أحد سواك، فإذا دخلت أيها الصائم والصائمون مثلك، أغلق هذا الباب فلا يدخل منه أحد، “إن في الجنة بابًا يقال له الريّان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد”.
أيّ كرامة لك أيها الصائم وأنت المغفور لك ما تقدّم من ذنبك، قال رسول الله ﷺ: “من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه”.
أيّ كرامة لك أيها الصائم وقد قرن الله تعالى وجمع بين صيام رمضان وبين نزول القرآن، فقد قال سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [185 سورة البقرة]، وقال ﷺ: “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصائم أي رب إني منعته الطعام والشهوة فشفّعني فيه. ويقول القرآن أي رب إني منعته النوم بالليل فشفّعني فيه فيشفعان”.
فيا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى ربّه في شهر شعبان
لقد أظلّك شهر الصوم بعدهما فلا تصيّره أيضًا شهر عصيان
واتل القرآن وسبّح فيه مجتهدًا فإنه شهر تسبيح وقرآن
الطبيب يمسح الذنوب
فصُم أيها المسلم وجُع لتشبع يوم الجوع يوم تكون ضيفًا على مائدة الرحمن يوم يجوع الناس. وقد روى أحد السلف قائلًا: “بلغنا أنه يوضع للصائمين مائدة يأكلون عليها بينما الناس يحاسبون، فيقولون: يا ربّ نحن نُحاسب وهم يأكلون؟ فيقال لهم: طالما صاموا وأفطرتم وطالما قاموا ونمتم”.
فصُم أيها المسلم واعطش وأظمئ نفسك لتشرب يوم القيامة من حوض الكوثر، حوض النبي ﷺ يوم يكون الساقي بيديه ليس إلا رسول الله ﷺ ومعه سبعون ألف ملك يسعون معه حول حوضه الموعود، عنه قال ﷺ: “طوله شهر وعرضه شهر، عدد آنيته عدد نجوم السماء، ماؤه أحلى وأبرد من الثلج وأبيض من اللبن، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا”.
ليصُم أيها المسلم لسانك عن الكلام، وعينك عن الحرام، وبطنك عن الطعام، ويداك ورجلاك وكلّك لعلك تنال تلك الكرامات الخمس التي قال عنها ﷺ: “أكرم الله أمتي في شهر رمضان بخمس كرامات:
إن خلوف فم أحدهم أطيب عند الله من ريح المسك.
إن الحيتان تستغفر لأحدهم في البحار حتى يفطر.
إن الله يزيّن الجنة كل يوم، يقول لها تزيني يوشك عبادي أن يلقوا عنهم المؤونة ويدخلوك.
إن الله يصفّد مردة الشياطين، فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه من قبل.
إن الله يعتق في آخر ليلة من رمضان ما أعتق سبحانه وتعالى في الليالي الأخر”.
من ناله داء دوٍ بذنوبه فليأت في رمضان باب طبيبه
فخلوف هذا الصوم يا قوم اعلموا أشهى من المسك السحيق وطيبه
أوليس هذا القول قول مليككم الصوم لي وأنا الذي أجزي به
لبيك يا عبدي
وما أجمل ما قيل: “السنة شجرة والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، وأنفاس العباد ثمرتها، فشهر رجب أيام توريقها، وشهر شعبان أيام تفريعها، وشهر رمضان أيام قطافها والمؤمنون قُطّافها”.
ولو قيل لأحد أهل القبور تمنّوا لتمنى كل واحد منهم أن يرجع إلى الدنيا فيصوم ولو يومًا واحدًا. فما دمت حيًا، وإذا كانت هذه الأمنية قد فاتته فلا تفتك أنت، فصُم قبل إذ تتمنى ولن يكون لك ذلك.
فيا كثير المعاصي ابكِ على الذنوب الماضية، وأسفًا عليك إذا جاءك رمضان وما أنبتّ، واحسرتا إذا دعيت إلى التوبة فما أجبت، وكيف تصنع وماذا تفعل إذا نودي للرحيل وما تأهّبت.
روي أن موسى عليه السلام قال يا ربّ: ماذا تقول للعبد إذا قال لك يا ربّ وهو راكع؟ قال: أقول له لبيك يا عبدي.
يا ربّ، وماذا تقول للعبد إذا قال لك يا ربّ وهو ساجد؟ قال: أقول له لبيك لبيك يا عبدي.
يا ربّ وماذا تقول للعبد إذا قال لك يا ربّ وهو عاصٍ؟ فقال: أقول له لبيك لبيك لبيك يا عبدي.
يا ربّ وماذا تقول للعبد إذا قال لك يا ربّ وهو صائم؟ قال: أقول له يا عبدي إني قريب، أنت تدعو وأنا أجيب. {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [186 سورة البقرة].
على أهلنا في غزة اجتمع الصوم والظلم
ها هم أهلنا وأخوتنا وأبناء شعبنا في قطاع غزة ممن دخل عليهم شهر رمضان للمرة الثالثة على التوالي وهم يعيشون أتون ونار المجزرة والإبادة التي تشنّها عليهم إسرائيل. فزيادة على التهجير والتدمير والتقتيل والجوع والعطش والخوف، فإن ما هو أصعب من ذلك فإنه خذلان الإخوة الأشقاء.
إنهم أهلنا وأبناء شعبنا الذين أصبحوا مدرسة في الصبر والثبات، وإذا كان النبي ﷺ قد جمع في حديث الذين يستجيب الله دعاءهم ولا تُردّ لهم دعوة بين الصائم والمظلوم: “دعوة الصائم ودعوة المظلوم تفتح لها أبواب السماء، ويقول الله عز وجلّ وعزتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين”.
أما وأنه قد اجتمع عليكم يا أهلنا في غزة أنكم صائمون وأنكم مظلومون فلا عليكم وربّكم قد أقسم بجلاله وعزّته، أن يستجيب دعواتكم وأن ينصركم ولو بعد حين.
فاطمئنوا وثقوا بوعد الله وقسمه، وأنه سبحانه لن يخزيكم، لأن مقامكم عنده سبحانه عظيم، فأنتم أهل القرآن وصوّام رمضان وقائدكم محمد المصطفى العدنان. فكونوا على يقين أنكم بين يدي فرج سيعجب له أهل السماوات وأهل الأرض وإن غدًا لناظره قريب.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



