أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

ضرب “النموذج” وإخفاقات الذات.. إسلاميو المغرب مثالا

د. إبراهيم الخطيب -أستاذ العلوم السياسية وحل النزاعات

تستمر حالة الانعتاق من الأنظمة السلطوية التي يعيشها العالم العربي في مواجهة انتكاسات متزايدة ومفهومة، فهذه الأنظمة ليس من السهل عليها تقبّل خروجها من السلطة والتأثير، ويبدو أنها تحاول ملاءمة نفسها لمطلب التغيير الذي أرادته الشعوب العربية مع بداية 2011، ولكن حالة التكيّف مع هذه المطالب لا تعني بالضرورة تبنيها، بل بناء منظومة من الالتفاف قدر المستطاع عليها، بشكلٍ خشن كما كان في مصر أو ناعم كما يحدث الآن في بعض البلدان.

بنفس الوقت، شكّل دخول الإسلاميين لساحة التنافس على الوصول للسلطة، في إطار سعيهم الطبيعي للتأثير في مسيرة بلدانهم، تحديا للمنظومة السلطوية أو التسلطية التي تُريد التفرد في السلطة، فقامت بعض الأنظمة باجتثاث هؤلاء الإسلاميين، أو بتقليص دورهم بشكل يُفرغ وصولهم للحكومات من مضمونها. ومع هذه التجارب تظهر عدة دروس يمكن الاستفادة منها، وسأحاول أن أركّز في هذا المقال على تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب.

شكّل تحدي مطالب التحوّل للحرية والسعي لحالة من التغيير الديمقراطي وبنفس الوقت الالتزام الهوياتي المحافظ للشعوب العربية، تحديا للأنظمة العربية، وتحديا للإسلاميين أنفسهم في تعاملهم مع السلطة وتطلعات الناس منهم، والتي أدت إلى انتخاب الناس لهم. هذا الدعم والرصيد الشعبي نابع من 3 ركائز أساسية:

ترابطهم الهوياتي مع هوية شعوبهم بصفتها شعوباً محافظة ملتزمة ترى الإسلام مكونا أساسيا يعبّر عنها، ويترافق مع هذا طرح قيمي ومبدئي متفرّع من فهمها للإسلام.

نضال هذه الحركات ضد الأنظمة السلطوية التي حكمت بالحديد والنار شعوبنا العربية.

الاهتمام بشؤون الناس الحياتية ومعيشتهم لتعيش همومهم وآلامهم.

بقدر هذه المنطلقات لدعم الإسلاميين، يبدو أن الحالة من المثالية المُطلقة المُتخيلة لدور الإسلاميين في السلطة التي تصورها الجمهور في العالم العربي، تصادمت مع واقع مركّب تعيشه البلدان العربية ويحياه هؤلاء الإسلاميون، وخصوصًا في تعاملهم مع السلطة والأنظمة السياسية العربية القائمة أو المستحدثة.

ففي حين كانت استراتيجية الإسلاميين في عدة بلدان عربية أن التغيير البطيء من خلال السلطة أو في السلطة هو الطريق الوحيد للخروج من حالة الاستبداد أو الضعف الذي تعيشه البلدان العربية، يبدو أن هذا الرهان لم يكن ناجحًا على الدوام، لعوامل بنيوية مرتبطة بمصالح النخب المستبدة، ولطبيعة حالة التعصب السياسي والتنافس والتوجس السياسي التي تعيشه الأحزاب السياسية الأخرى وقاد للإقصاء أو في أحسن الأحوال للتعاون المتربص أو المتحفظ.

ذلك بالإضافة لعوامل إقليمية ودولية متخوفة من وصول الإسلاميين للسلطة والنموذج الذي يمكن أن يوفروه، ناهيك عن الظروف الموضوعية التي تعوّق أي حزب يصل “للسلطة” في سياق تحوّلات كبرى ترافقها تحديات عظمى من قبيل إعادة بناء النظام والدولة كما حدث في العالم العربي مع أحداث الربيع العربي، ورأينا من خلال ما حدث كيف أن الإسلاميين جازفوا بالدخول لمعركة السلطة عقب الربيع العربي مع وضع من الترهل والأزمات الاقتصادية وعدم الاستقرار، في مسعى منهم للحصول على الشرعية، لطموحهم بالسلطة وبنفس الوقت لشعورهم بأنه يجب عليهم التضحية من أجل بلدانهم.

في المقابل، وبينما قامت أنظمة عربية مختلفة بـ “سحق” أو “إقصاء” الإسلاميين من السلطة بقوة السلاح أو الملاحقة والتهميش كما حدث في عدة بلدان عربية، يبدو أن السلطات المغربية سعت لضرب فكرة “النموذج” الإسلامي الذي يمكنه صنع التغيير وبناء الدولة في موازنة مع هوية الشعب وطموحاته الحياتية والقيمية المرتبطة بالحرية والعدالة الاجتماعية، من خلال موازنة تضع إسلاميي المغرب في واجهة إدارة الحكم، بينما هم لا يملكون القرار الاستراتيجي ولا السلطة الحقيقية.

هذه الحالة من ضرب النموذج تسعى من خلالها الدولة لأمرين مهمين: أولاً، وضع الناس في حالة من الشعور بوجود حيز من التنافس السياسي “الموهوم” على السلطة، يتبعه تقييم “غير موضوعي” أو “جزئي” لأداء الأحزاب هذه، لا يكون فيه واضحًا من فشل ومن تم إفشاله، بينما تبقى المنظومة الماسكة بزمام السلطة الحقيقية بعيدة عن هذا الخلاف وفوقه. وثانيًا، ضرب القاعدة الشعبية للإسلاميين (أو من تريد السلطة ضربه) بشكلٍ يجعلها أقل قدرة على إحداث تغيير سياسي أو قيادته، ناهيك عن انفضاض الثقة الشعبية من حولها.

لا شك أن هذه السياسة لن تنطلي بالضرورة على الناس، ولكن تكمن المشكلة في إذا ما تبنت الحركة أو الحزب السياسي نهجا من “حسن الظن” بالسلطة أو “تبني النضال البطيء”، واستمرارها بأن تكون أداة لتحقيق منظومة السلطة المتنفذة لغايتها بضربها هي نفسها!

مع حالة حقيقة استمرار وجود الأنظمة السلطوية في العالم العربي، وحالة بعض النخب والقيادات التي لم تقبل مفهوم انتقال السلطة بل باتت تستخدم أدوات مختلفة للالتفاف على الإرادة الشعبية ومحاولة ضربها، خصوصا فيما يخص تجارب الإسلاميين في السلطة في دول الربيع العربي، فإنه لا يجوز غض الطرف عن بعض الأخطاء التي ارتكبتها هذه الأحزاب وأوصلتها إلى طريقٍ يشوبه التراجع السياسي والشعبي.

ويبدو أن هذا ما حدث في الحالة المغربية، وقبل الاسترسال في تحليل الدروس الأخرى المستفادة من خسارة العدالة والتنمية في المغرب للانتخابات الأخيرة، يجب أن نُدرك أن هناك عوامل غير الخارجية (خارج الحزب أو الدولة)، مرتبطة في السياق والواقع وأخطاء داخلية وقعت بها هذه الأحزاب، لكونها مهما كانت هي ليست بدعًا من الأحزاب والحركات التي تمر بتحديات، ولديها إخفاقات وقرارات غير صائبة ومشاكل تنظيمية داخلية أدّت بها للتراجع السياسي والشعبي، فهويتها الإسلامية لا تعني تنزيهها عن الخطأ.

وفي هذا السياق ومع سياسة “ضرب النموذج” التي اتبعها المخزن في المغرب، فهناك عدة أخطاء ارتكبها إسلاميو المغرب وساهمت في نجاحٍ (على الأقل جزئي) في النيل بشكل ناعم من تجربتهم وخسارتهم الانتخابية، كما أن هناك عدة أسباب موضوعية تفسّر الخسارة.

وفي سياق هذه الأخطاء، لم يستطع العدالة والتنمية العمل على تغيير المنظومة القائمة في المغرب، أو على الأقل تحديها بشكل واضح. فقد كان مكبل الأيدي بالنسبة لعدد من القرارات التي يبدو أنها كانت صادرة من المخزن، وفي سعيه لبعض المكتسبات تنازل الحزب مرات ومرات أمام هذه القرارات. ليفقد النفس النضالي المنادي بالتغيير، وليصبح محط حساب لكونه بات يمثّل السلطة، وهذا قاد لشعور الناس بالخذلان. فأن تدخل السلطة وتوهم الناس بوجودها، وبنفس الوقت أن لا تحظى بقوة في إدارتها ولو حتى في الجانب المعيشي، وبنفس الوقت لم تنسحب من السلطة أو تُظهر حقيقة ذلك لجمهور ناخبيك وعدم سعيك لتبني لمسار آخر، ستكون عواقبه وخيمة وستكون قد “خنت” مصوتيك، ورفعت سقفًا لم تنجح في تحقيقه وبقدره كان الخذلان الشعبي وتبعه العقاب الجماهيري.

ثانيًا، معركة المبادئ والقيم والطروحات والبرامج معركة شرسة بين الواقع الصعب وبين جمهور ناخبيك وبالأساس مع ذاتك، قضية التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي والشؤون المحلية التي رفعها الحزب لسنوات، ولكنه تنصل منها وتراجع عنها بل دعم نقيضها، كل ذلك في سبيل تحقيق بعض المصالح أو الشرعية من النظام، قد انقلبت عليه، فخسر الحزب ذاته وقاعدته ومبادئه لتكون خسارة سيستمر وقعها لفترة ولتضر بثقة الناس فيه وبمجمل التيار الإسلامي.

ثالثًا، فإن الأحزاب والحركات ذات الطرح الهوياتي في مجتمعات منقسمة هوياتيًا يمكن أن تنجح، ولكن في مجتمعات أقل انقسامًا لن يبقى مجديًا الطرح الهوياتي وحده، ما لم يرافقه نجاح في إدارة السلطة وفي تطبيق هذه الأحزاب لرؤيتها ومبادئها الأيديولوجية والقيمية المنبثقة من انتمائها.

أخيرًا، وبغض الطرف عن السياقات والأسباب المرتبطة بها، يجب أن تكون هناك قناعة بأن الإسلاميين ليسوا بدعًا في الأداء، ويمكن أن ينجحوا ويفشلوا في إدارة الشأن العام، وسيعاقبهم الجمهور بناًء على ذلك، وهذا ليس حجة بالضرورة على المبادئ والفكر الذي يحملونه، بل هو مرتبط بسياق الأداء والظروف.

في النهاية، يبدو أن حالة التغيير في العالم العربي لن تكون سهلة وفيها ديناميكيات من الشد والجذب، ومع عدم سماح الأنظمة التسلطية للتغيير بأن يحدث بسهولة واستخدامها لأدوات ناعمة وخشنة في إفشال التجربة، فإنها كذلك تسعى لكسر وضرب النموذج الإسلامي الذي يمكن أن يشكّل لها تحديا، ولكن يبقى السؤال كيف لهذه الحركات الإسلامية أن تفلت من فكي السلطة وألاعيبها وتنجح في مجاراة معيقات الداخل والخارج، وهذا يبدو تحديًا لن يكون من السهل التعامل معه من قبل هذه الحركات، وخصوصًا أنها كانت وما زالت تملك دعمًا شعبيًا معتبرًا.

(المقال من موقع الجزيرة نت)

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى