في السنة الـ 71 من النكبة… كلما حاولوا تغييب القضية عادت بقوة إلى مركز الأحداث

في السنة الـ 71 من النكبة… كلما حاولوا تغييب القضية عادت بقوة إلى مركز الأحداث

حامد اغبارية

1- جولة جديدة في “مدرسة غزّة”
أبى الاحتلال إلا أن يسجل في سجله الأسود جريمة عدوان جديدة، عشيّة السنة الحادية والسبعين لنكبة شعبنا الفلسطيني، من خلال عدوانه الأخير على قطاع غزة، في محاولة يائسة لكسر صمود الأهل الغزيين، لكنه عاد يجرجر أذيال الفشل والخيبة والهزيمة، وبقيت غزة رافعة الرأس شامخة بصمودها ومقاومة أهلها وصبرهم على الأذى والمؤامرات، من الأعداء ومن ذوي القربى. لقد أراد الاحتلال أن يسجل نصرا استراتيجيا، ويحقق تغييرا في المعادلة التي فرضتها غزة منذ 11 سنة، لكن النتيجة كانت عكس ما أراد، فكان أنَّ غزةَ هي التي فرضت شكل المعادلة على جميع الأطراف، وخرجت من المواجهة ويدها هي العليا، بعد أن أوضحت للاحتلال بما لا يدع مجالا للشك أن كسر شوكتها ليس نزهة، وأنه رغم سنوات القهر والتجويع والحصار الإجرامي، إلا أن غزة لم ترفع الراية البيضاء، ولم تستسلم، بل إنها فوق هذا الصمود، أفهمت الاحتلال أن كل عدوان سيكلفه ثمنا كبيرا، لا يستطيع أن يتحمل تبعاته، لا على المستوى الداخلي، ولا على المستوى الدولي.
نعم، أقول هذا، رغم أن غزة تقدم الكثير من التضحيات، من دماء أبنائها، ومن بيوتها المدمرة ومؤسساتها المستهدفة، ورغم سنوات الحصار، ذلك أن حقيقة الموازنة لا تقاس بالخسائر البشرية والمادية، وإنما تقاس بتحقيق الأهداف. وواضح لكل ذي بصيرة ورأيٍ أن إرادة غزة لم تُكسر، وأن الاحتلال لم يحقق شيئا من أهدافه التي من أجلها يشن عدوانه على غزة في كل مرة.
لقد وقف العالم كله، وفي مقدمته المجرم الأكبر في واشنطن، وعصابات الإجرام في الأمم المتحدة، وعواصم عربية إلى جانب تل أبيب، في عدوانها الأخير على غزة، ولكن كل هذا الدعم لم يحقق لها انتصارا على غزة، ولم تنل منه سوى الخيبة. وأضيفت هذه الجولة إلى سجل غزة المشرّف، وإلى سجل الاحتلال المخزي والمليء بخيبات الأمل، ولكن الأهم من خيبات الأمل، هو الحيرة الشديدة وحالة الارتباك التي يعاني منها الاحتلال (وليس هو فقط): كيف يمكن التخلص من صداع غزة الذي لا ينتهي وجعه ولا يتوقف. يحدث هذا رغم كل ما يملكه الاحتلال من عناصر القوة المادية، من أسلحة وعدة وعتاد وجيش كان يقال ذات يوم إنه لا يُقهر، وإذا به يُقهر ويُهزم ويُذلّ ويُمرّغ أنفه في رمال غزة. ويحدث هذا رغم كل الدعم العسكري والسياسي والإعلامي الذي يحظى به الاحتلال من واشنطن ومن الأمم المتحدة، ومن الاتحاد الأوروبي ومن روسيا ومن دول عربية أوْغلت في العمالة والخيانة وغاصت فيها حتى أذنيها، ورغم الدور القبيح والخطير الذي تمارسه سلطة رام الله، والذي كان آخره المعلن ما صرّح به محمود عباس، من أنه لا يجب أن يكون في غزة سوى سلاح السلطة، وأن ما سواه هو سلاح مليشيات يجب أن يُنتزع منها، ويجب أن تُحارب. يحدث هذا رغم الخذلان ورغم العدوان.. ذلك أن غزة هي قدر الله الذي به تتحقق رفعة هذا الشعب ويرتفع شأن هذه الأمة.

2- فلسطين اتجاه البوصلة
وإن من قدر الله تعالى أن تجري الأحداثُ في كل مكان وفي كل بلد، ثم تدور وتدور لتستقر حيثُ أصل القضية ومنتهى الأشياء، إلى قضية الأمة، إلى قضية الأمم، إلى القضية الأم، إلى فلسطين، إلى غزة، إلى الضفة، إلى القدس والأقصى، إلى الداخل. وإن من قدر الله أن يُسَخَّر أعداء الأمة ليكونوا سببًا في عودة البوصلة إلى الاتجاه الذي يبذُل أعداءُ الأمة كل وسيلة وكل خُطة وكل حيلة من أجل إلهاء الأمة عنها، ومن أجل إزاحتها عن المشهد الدولي، من خلال إشغال الشعوب بملفات وقضايا وأزمات أخرى، وبؤر توتر وحرائق وحروب، فإذا هذه القضايا بالذات هي التي تعيد اتجاه البوصلة إلى فلسطين. وجدنا هذا في الموجة الأولى من أحداث الربيع العربي عام 2011، حين بدا وكأن الدنيا كلها منشغلة بالميادين، وإذا بالميادين هي التي تذكّر الأمة بأن القضية الأولى هي قضية الصراع على فلسطين، ونرى هذا الآن في موجة الربيع العربي الثانية في الجزائر والسودان، حيث أن راية القضية الفلسطينية ترتفع في ميادين الحرية في البلدين العربيين الإفريقيين، وستبقى حاضرة في كل ميدان وفي كل معركة… ذلك أن فلسطين هي قدر الله الذي حوله تدور الأحداث وتنتهي القضايا والملفات.
إن الاحتلال الصهيوني يتمنى ويسعى إلى إنهاء ملف قضية الصراع على فلسطين، بأقل ما يمكن من الخسائر، وبأقل ما يمكن من الأثمان، ذلك أن المشروع الصهيوني لم يكن يوما، ولن يكون ذات يوم، ساعيا إلى تحقيق سلام أو هدوء أو استقرار في المنطقة، بل إنه من السخرية أن يرتبط اسم المشروع الصهيوني بأية فضيلة أو خير، بل إن كل ما جرى ويجري- منذ مدريد وأوسلو إلى اليوم- هو في الحقيقة عمليات إلهاء متتابعة، على شكل قرارات واتفاقيات فارغة من المضمون، لكسب للوقت، ومماطلات وتسويفات تهدف إلى تمكين المشروع الصهيوني، من خلال بسط الهيمنة والسيطرة، والتمدد السياسي من خلال التطبيع مع أنظمة عربية، والتمدد الجغرافي من خلال التوسع الاستيطاني، والحصول على شرعية مفقودة، من خلال قرارات يصدرها من لا يملك لمن لا يستحق، كما فعل الرئيس الأميركي ترامب، من اعتراف بالقدس عاصمة للكيان، ونقل للسفارة، واعتراف بضم الجولان السوري، ثم التمهيد للاعتراف بضم المستوطنات، كمقدمة لقضْم وضمّ ما تبقى من أراضي الضفة، ليبقى الفلسطينيون مجرد حالة إنسانية، لا أكثر، يكون من الجيد لو وجد العالم طريقة للتخلص منها نهائيا.. ومن ذلك مثلا إنهاء ملف اللاجئين، الذي يمثل بالنسبة لشعبنا الفلسطيني البندَ الأولَ في ملف القضية، والذي لم يجد له حلا حتى الآن، رغم مرور سبعة عقود من جريمة التهجير والتشريد وممارسة كل وسيلة وسخة، وكل طريقة قذرة لجعل الفلسطيني يتنازل عن هذا الحق، أو عن بعض هذا الحق.
ستبقى غزة في هذه المرحلة هي البوصلة التي توجّه شعبنا إلى حيث يجب أن يتجه، وهي البوابة التي تفتح الطريق إلى القدس وإلى الأقصى. وسيبقى حق العودة حاضرا بكل قوة حتى تنتهي هذه المرحلة (المؤقتة والطارئة والموجعة والمكلفة)، مهما طالت.

3- مرحلة الإرادات وزمن الحسم
نحن الآن يُفترض أننا تجاوزنا مرحلة آلام النكبة إلى مرحلة ضرورة إنهاء آثار النكبة، ومن مرحلة الروايات إلى مرحلة الإرادات. ويبدو واضحا من هو الطرف الذي يملك إرادة حديدية، ومن هو الطرف الذي لا إرادة له، بل تسيّره غرائز وأطماع ومصالح، رغم أنه يحظى بدعم غير مسبوق في تاريخ الصراع، حتى من أطراف كانت بالأمس تزعم أنها تقف في الطرف الآخر، وأقصد أنظمة عربية اختارت الخضوع والخنوع والركوع والسقوط في أحضان المشروع.
لا أشك للحظة أن الأيام القادمة سوف تشهد أحداثا جليلة، وسيكون أبناء الأمة الإسلامية، من العرب ومن غير العرب، في الوسط يدفعون الثمن من أرواحهم ومن مقدراتهم، وسيبدو الأمر وكأن المسألة قد انتهت وحُسمت، وأن تل أبيب قد نالت ما تريد، وهيمنت وتمددت وتمطّت، وأن واشنطن قد ثبّتت هيمنتها، وفرضت أجندتها، حتى إذا ظنوا أن الأمور قد دانت لهم، وأن الأرض قد تزينت وأثمرت، وأن سلاّتهم قد امتلأت بثمار ما زرعوه، جاء أمر الله الذي لا يُرَدّ، ليجدوا فلسطين من جديد، ماثلة كالمارد، ذلك أن فلسطين التي فيها غزة والقدس والأقصى، هي قدر الله الذي عليه تُحسم قضايا وملفات ومصائر أمم وشعوب، وبه تُكشف الحقائق وتنجلي الأكاذيب وتسقط الأقنعة، ويُكتب التاريخ من جديد.
نعم… لا بد أن يفهم أبناء أمتنا، وفي مقدمتهم أبناء شعبنا، خاصة أولئك الذي قبلوا بالفتات، وساروا في ركب لعبة الأمم، والذين أقنعوا أنفسهم أنهم لن يستطيعوا تغيير الواقع، وإعادة التاريخ، ولذلك عليهم القبول بما هو موجود، لا بدّ أن سيفهم كل هؤلاء، ومن خلفهم كللا ذي صلة بالقضية أننا في هذه الأيام لا نُحيي ذكرى النكبة، لأن إحياء الذكرى يكون في أمر قد انتهى، وأن الإحياء هو استذكار لما كان في زمن مضى، لكن نكبتنا كشعب فلسطيني لم تنته. نعم كانت ذروتُها في عام 1948، ولكنها تواصلت وما تزال متواصلة حتى هذه اللحظة، وهي لا تنفصلُ عن نكبة الأمة كلّها، وهي نكبة بدأت تنخر في جسد أمة الإسلام منذ أن بدأت بوادر المؤامرة تظهر من خلال المشروع الصهيوني، الذي تحالف مع كل أشرار الأرض لإنهاء الخلافة الإسلامية، لأنه بدون ذلك ما كان ليتمكن من تحقيق الحلم – الوهم. وقد كان لهم ذلك، وبدا كأنهم حققوه، وأن الطريق مُهدّت لبناء أكبر وهْمٍ يقوم على أكبر كذبة، دون أن يدركوا أنهم في الحقيقة إنما يقيمون مملكة الدجال، وأن المسألة كلها إنما هي فخّ أوقعوا فيه أنفسهم، باذلين له المال والأرواح والطاقات، وجاعلين من البشرية وقودا يحقق لهم الوصول، حتى إذا جاءوه لم يجدوه شيئا ووجدوا الله عنده فوفّاهم حسابهم.

4- لا تحزن.. فالصحوة مستمرة
تشعر بالحزن الشديد والأسى والأسف، ثم تقف حائرا أمام مشهد عبثي، أو يبدو للرائي أنه عبثي، يظهر فيه الدكتور عائض القرني، معتذرا عن تاريخه الدعوي، وعن دوره في الصحوة الإسلامية. وتشعر بالغضب والحنق، وتتمنى لو أنك تستطيع أن تُطبق على رقبته حتى تقطع أنفاسه، ثم تتوقف.. وتسأل نفسك: ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانه؟
أرأيتم الحيرة التي نحن فيها؟ أتظنون أن الإطباق على رقبة الدكتور القرني يحل المشكلة؟ أم أنه يشفي غليلك فقط ويسكن غضبك فحسب، قبل أن تنتقل إلى غيره؟ أليس هناك من هو أجدر أن تطبق كلتا يديك على عنقه، محمد بن سلمان مثلا، ولا أقصد الشخص، وإنما أقصد الحالة والظاهرة، وهي حالة سائدة ليس في السعودية فقط، بل في كل بلاد العرب.
لقد كان واضحا أن شخصا بمستوى ذكاء الدكتور القرني وعلمه لا ينقلب بهذه السهولة على نفسه وعلى مبادئه وعلى قناعاته، وكان واضحا أنه قال ما قاله تحت التهديد، والتخويف، وربما عاش حالة ترهيب من إرهابيي محمد بن سلمان، ما لا يطيقه. لا يمكن أن تصدق أن القرني اقتنع فجأة، هكذا وبجرّة قلم، أن الطريق الذي سار فيه كل تلك السنين، كان خاطئا، وجاء الوقت للإعلان عن الندم وتصحيح المسار والمسيرة!!
طبعا أنت وأنا نتمنى أن يتحول القرني إلى “رامبو” سعودي، يتحدى ويتصدى ويدفع الثمن، لكننا (أنا وأنت) ربما لو وقعنا في ذات الاختبار والموقف لرددنا: “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها..”.
نعم… في كل مرة نعيش مثل هذه المشاهد تقفز أمامك تجربة إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ولكننا ننسى أنه في ذلك الزمن لم يكن سوى أحمد بن حنبل واحد، وسط أعداد كبيرة من العلماء، الذين تفاوتوا في صمودهم وصبرهم ورضوخهم للسلطان، تحت القهر والتعذيب والترهيب.
ونحن اليوم كم نجد من أمثال بن حنبل رحمه الله؟ نعم، هناك نماذج بمستوى ابن حنبل، أو نماذج من مدرسة ابن حنبل، بعضهم في السجون وبعضهم مطارد في أصقاع الأرض لا يستقر له قرار، ومنهم من قُتل وأفضى إلى ربه. فلماذا نريد من الجميع أن يكونوا بمستوى ابن حنبل، ونحن نعلم أن هذا لا يمكن أن يتحقق في أنفسنا نحن؟
إن الواجب الآن هو التوقف عند مثل حالة الدكتور القرني، بدلا من الخوض في عرضه والهجوم عليه وتجريده من كل شيء. الأفضل أن تصمت بدلا من أن تهاجم شخصا ربما لو كنت مكانه لتمنيت لو أن أمك لم تلدك.
نعم… أنا لم أستلطف يوما الدكتور القرني، ولم أحبّ أسلوبه، ولا دخوله على السلطان في مرات سابقة، ولا قصائده التي مدح فيها آل سعود، لكن هذا لا يمنعني من أن أقرأ الصورة من كل جوانبها. وأنا لا أصدق أن شخصا بمستوى الدكتور القرني يصيبه “داء” التغير الفكري المفاجئ، ثم تراه بالضبط وتماما وتحديدا يذم الإخوان المسلمين وتركيا وقطر!! يا سبحان الله أية مصادفة هذه، وأي “توارد خواطر” التقى فيه “التغير الفكري المفاجئ” مع الأجندة السياسية لابن سلمان وابن زايد والسيسي وأمثالهم؟! إنه “تغيّر” المغلوب على أمره، الذي ربما لا يطيق ما أطاقه الإمام ابن حنبل والدكتور سلمان العودة وإخوانه، وما أطاقه الدكتور محمد مرسي وإخوانه…
نعم، كان الدكتور القرني صاحب كتاب “لا تحزن” الذي تربّت عليه أجيال متتابعة، وتدارسته قطاعات واسعة من أبناء الأمة بشغف وحب وإقبال، ولا تزال تقول: نعم، لا تحزن، حتى لو بدا لك أن صاحب “لا تحزن” قد سقط أو زلّ أو مال أو رضخ أو مالأ أو حتى رقص في بلاط السلطان.. “لا تحزن” لأن الله مع الحق وهو ناصر الحق.. ولا تحزن لأن الصحوة التي “تبرأ” منها القرني (قهرا أو بإرادته) مستمرة رغم أنفس ابن سلمان وابن زايد والسيسي وترامب ونتنياهو..