تعز المحاصرة تستنفر لمواجهة الحوثيين على وقع القذائف والمسيّرات

عاشت محافظة تعز جنوب غربي اليمن، ليلة دامية أمس الثلاثاء، حيث استهدفت جماعة الحوثيين مناطق متفرقة في المدينة بعشرات القذائف وهجمات المسيّرات، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، بحسب السلطات المحلية.
وكان مكتب وزارة حقوق الإنسان في تعز، أفاد في بيان نشره في وقت متأخر مساء أول من أمس الاثنين، بمقتل 6 مدنيين، بينهم طفلة، وإصابة ما لا يقل عن 17 آخرين في قصف للحوثيين طاول قرى مكتظة بالسكان في ريف محافظة تعز يوم الأحد الماضي”.
وفي مدينة تعز، ذكر المكتب أن “17 مدنياً، بينهم 5 نساء و6 أطفال، أصيبوا بجروح، فيما تضررت 7 منازل جراء قصف شنّته جماعة الحوثيين خلال الـ24 ساعة الماضية”، أي أول من أمس الاثنين. وفجر أمس الثلاثاء. واتهم مركز تعز الحقوقي جماعة الحوثيين باستهداف محيط مستشفى. وأدان المركز، في بيان، “قصف محيط مستشفى الصفوة (غير حكومي) وسط مدينة تعز، بقذيفة مدفعية مصدرها قوات جماعة الحوثي”، وفق البيان.
وذكرت وكالة “سبأ” بنسختها التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، أمس، أن الجيش اليمني شنّ (أمس) 9 غارات على عناصر وعتاد للحوثيين في منطقة الضباب ومديرية المسراخ بمحافظة تعز. وكان مصدر يمني تحدث لوكالة “أسوشييتد برس”، مساء الاثنين، عن “إحباط القوات الحكومية اليمنية هجوماً واسعاً للحوثيين في منطقة الضباب، غربي مدينة تعز، حيث حاول المهاجمون من خلاله الاقتراب من مدخل المدينة”، مضيفاً أن “المعارك استمرت ساعات، وأسفرت عن سقوط عدد من المهاجمين بين قتيل وجريح”.
وتعد منطقة الضباب من أهم الجبهات العسكرية في تعز، لقربها من المدخل الغربي للمدينة المكتظة بالسكان، كما تربط المحافظة بمحافظتي لحج وعدن، جنوبي البلاد. من جهته، بثّ الإعلام الحربي التابع للحوثيين، مساء الاثنين، ما قال إنها “مشاهد لتطهير وتأمين ما تبقى من مديرية جبل حبشي ومثلث البيرين ومفرق يفرس بمحافظة تعز وطرد تحشيدات العدو السعودي منها”. وتحدث عن عمليات “من مسافة صفر”، و”تنوع في الأسلحة”، مع عمليات “أسر” لمقاتلي القوات الحكومية، بحسب “سبأ”، الخاضعة لسيطرة الجماعة.
وجاء ذلك بعدما تمكّن المقاتلون الحوثيون من خلال سلسلة هجمات نفّذوها ليل الأحد – الاثنين، من إغلاق كل مخارج تعز، مشدّدين بذلك الخناق على المدينة، وهو ما أكدته مصادر عسكرية حكومية لوكالة فرانس برس.
ولم يعد التصعيد العسكري للحوثيين عند تخوم المحافظة مقتصراً على خطوط المواجهة مع القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، بل امتدت تداعياته لتطاول تفاصيل الحياة اليومية في مديريات المدينة (المظفر، القاهرة، صالة) ومديريات جبل صبر الخاضعة لسيطرة الحكومة (المسراخ، الموادم، مشرعة وحدنان). وبين حذر المشهد اليومي ونبض الشارع الذي يغلي، تعيش المحافظة حالة استنفار شاملة تُعيد إلى الأذهان مناخ البدايات الأولى للحرب، إذ تحوّلت الأحياء والقرى إلى جبهة خلفية متكاملة الدعم والإسناد. ويتجسد هذا التحول في تصاعد الإجراءات الأمنية الصارمة، وعودة تشكيلات مسلحة سابقة لترتيب صفوفها، إلى جانب تشكيل لجان أهلية لمراقبة الأحياء، وتدشين مبادرات مجتمعية ميدانية لتوفير السلاح والذخيرة والإمدادات الغذائية للمقاتلين، في التفاف شعبي يهدف إلى مواجهة أي تهديدات عسكرية طارئة قد تطاول قلعة المقاومة الصلبة.
استنفار أمني وميداني في تعز
وتعيش مدينة تعز والمديريات الخارجة عن سيطرة الحوثيين حالة استنفار أمني وميداني، في ظلّ استمرار العمليات العسكرية التي أطلقتها القوات الحكومية ضمن عملية “فجر اليمن” التي انطلقت في الرابع من شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي، وما رافقها من مخاوف من تسلل عناصر مرتبطة بالحوثيين، أو استغلال الظروف الأمنية لجمع المعلومات عن المواقع والتحركات العسكرية. وانعكست هذه التطورات على حركة السكان، وعلى طبيعة التعامل بين الأهالي والغرباء، وعلى الأجواء العامة في الشوارع والأحياء، التي باتت تتداخل فيها مظاهر الحياة الاعتيادية مع إجراءات الاحتياط والاستعداد لاحتمالات اتساع المواجهات.
ورصدت وسائل إعلام عربية وعالمية، كيف تحولت أحياء مدينة تعز وقرى مديرياتها الخارجة عن سيطرة الحوثيين إلى مسرح لإجراءات أمنية واستباقية مكثفة أملتها التحركات العسكرية الأخيرة، حيث سادت حالة طوارئ غير معلنة، تمثلت في تشكيل لجان أمنية أهلية في مختلف الحارات والقرى والمنافذ الفرعية، بالتعاون والتنسيق مع الأجهزة الرسمية. وتتولى هذه اللجان مهمة متابعة التحركات غير المألوفة، ورصد الوافدين الجدد، والتدقيق في هويات الأشخاص غير المعروفين، فضلاً عن الإبلاغ عن أي سلوكات مشبوهة وفي مقدمتها محاولات تصوير المواقع والمناطق ذات الأهمية العسكرية والأمنية الحيوية. وتأتي هذه التدابير في سياق تعبئة مجتمعية أوسع تستحضر سنوات الحرب الطويلة التي عاشتها تعز، وما خلّفته من مخاوف متراكمة من الاختراقات الأمنية والقصف ومحاولات التقدم العسكري.
تعاون مجتمعي
يقول أحد سكان المدينة الذي يعمل في اللجان المجتمعية لحفظ الأمن، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، في تصريحات للإعلام، إن “الناس يشعرون بأن المرحلة الحالية مختلفة عن السابق، وأن مسؤولية حماية الأحياء لم تعد مقتصرة على الأجهزة الأمنية وحدها، خصوصاً مع تصاعد المواجهات مع مليشيا الحوثي”. ويشرح أن “من مهام اللجان الخاصة بحفظ الأمن، متابعة حركة الأشخاص غير المعروفين، والتأكد من هوياتهم، والتواصل مع الجهات المختصة عند ملاحظة أي اشتباه”.
ويشير المصدر إلى أن “هذه الإجراءات تمتاز بالمسؤولية، حيث تفرض ضرورة التعامل بحذر مع الأشخاص، حتى لا تتحول المخاوف إلى اتهامات عشوائية أو تضييق على المواطنين، وهناك تعاون مجتمعي كبير مع اللجان المجتمعية التي تحمي الأحياء”.
وفي مديرية مشرعة وحدنان، إحدى مديريات جبل صبر، أعلنت السلطات الأمنية يوم الخميس في الثامن من أكتوبر الحالي، إلقاء القبض على خلية يُشتبه بارتباطها بجماعة الحوثيين، وفق بيانات أمنية. ويعكس الإعلان جانباً من المخاوف التي ترافق التصعيد العسكري، خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط التماس أو التي تتمتع بمواقع جغرافية مطلة على مساحات واسعة من المحافظة.
وتعتمد أهمية هذه المناطق، في الحسابات الأمنية والعسكرية، على طبيعتها الجغرافية وموقعها بالنسبة إلى المدينة والطرق المؤدية إلى المديريات المجاورة.
ويقول محمد مهيوب، من أبناء مديرية مشرعة وحدنان، في تصريح صحفي، إن “الأجواء في المديرية باتت أكثر حذراً، وإن السكان يتبادلون المعلومات بشأن التحركات غير المألوفة، كما تتوزع لجان أمنية في جميع القرى، وفي مداخل المديرية، خصوصاً مع تزايد الحديث عن محاولات اختراق المناطق المحررة”.
وفي موازاة الاستنفار الأمني، بدأت تشكيلات مسلحة شاركت في الحرب ضد الحوثيين خلال السنوات الماضية إعادة ترتيب صفوفها، وسط أجواء تعبئة متصاعدة في المدينة ومحيطها. ومن بين هذه التشكيلات، لواء الصعاليك، ولواء الحفاظ المعروف بارتباط اسمه بحفظة القرآن الكريم، إلى جانب جماعات سلفية ومجاميع مسلحة محلية في مديريات جبل صبر الثلاث: مشرعة وحدنان، والموادِم، والمسراخ.
وتستند هذه التحركات إلى شبكة من العلاقات الاجتماعية والحزبية والتجارب التي تشكلت خلال سنوات الحرب، حين قام مقاتلون وتشكيلات محلية بأدوار عسكرية في الدفاع عن هذه المناطق، في ظلّ تعدد التشكيلات العسكرية والأمنية وتفاوت مستويات التنسيق بينها. ومع عودة التصعيد، تستعيد هذه المجموعات حضورها في المشهد المحلي، وسط دعوات إلى تعزيز الجاهزية وإسناد القوات الحكومية في مواجهة الحوثيين.
ويوضح بشار الشيباني، أحد سكان المدينة ممن عايشوا سنوات الحرب الأولى، في حديث للإعلام، أن “تعز اعتادت أن يتحرك أبناؤها بصورة جماعية عندما يشعرون بأن المدينة مهددة، فالجميع يتركون انتماءاتهم الحزبية والمناطقية، ويتحولون إلى جنود للدفاع عن تعز”.
بدوره، يقول معاذ الصبري، أحد أفراد المقاومة المسلحة في تعز، في تصريحات صحفية، إن استعادة بعض المجموعات المسلحة لنشاطها العسكري يعكس الحسّ الوطني للأفراد، فالجميع في تعز لا يريد ترك المواجهة المسلحة محصورة على الجيش وحده، وطالما استدعى الواجب حمل السلاح، فجميع أبناء تعز يتحولون إلى جنود يدافعون عن مدينتهم في مواجهة المليشيا الحوثية”.
وتشير أجواء الاستنفار إلى أن المجتمع المحلي يستعيد جانباً من أنماط التعبئة التي رافقت سنوات الحرب، حين لم تكن المواجهات تقتصر على المقاتلين في الجبهات، بل امتدت إلى الأحياء والأسواق والقرى، من خلال جمع التبرعات، وتوفير الاحتياجات الأساسية، ومساندة الأسر المتضررة. غير أن التصعيد الراهن يضع هذه المبادرات أمام تحدي الموازنة بين الحماسة الشعبية ومتطلبات الأمن والانضباط المؤسسي.
على المستوى المعنوي والمجتمعي، أعادت أجواء التصعيد الحالي في تعز إحياء الملامح التعبوية الملتهبة للسنوات الأولى من المواجهة، حيث عادت السيارات الخاصة المزودة بمكبرات الصوت لتجوب شوارع المدينة وأحياءها المختلفة، صادحة بالتكبيرات والأناشيد الوطنية والحماسية التي تحث السكان على رفع درجة اليقظة ومساندة القوات الحكومية في مواجهة جماعة الحوثيين. وتعيد هذه المشاهد اليومية اللافتة، إلى الأذهان، مناخ التعبئة العامة الذي شهدته المحافظة في مراحل سابقة من الحرب، حين تحولت الشوارع والساحات العامة إلى منصات حيّة للتعبير عن التضامن مع المقاتلين، ورفع الروح المعنوية، وحشد الدعم الشعبي واللوجستي لحماية المدينة وصون استقرارها.
ولا تتوقف حالة التعبئة والتضامن عند حدود الخطاب المعنوي، بل تجسدت ميدانياً في حملات شعبية واسعة لجمع التبرعات المالية والعينية لشراء الأسلحة والذخائر وتوزيعها على المجاميع المسلحة في خطوط الإسناد، بالتوازي مع تفعيل مبادرات أهلية لتوفير الطعام والتموين اليومي للمقاتلين في الجبهات.
اتساع دائرة الإسناد الشعبي
وتستعرض هذه الأنشطة اتساع دائرة الإسناد الشعبي وتكاتف العمق المجتمعي لتعز، حيث يقدم السكان كل ما في وسعهم من دعم، تأكيداً على أن معركة الدفاع عن تعز تتطلب تضافر الجهود العسكرية والأمنية والشعبية، وأنها شأن مجتمعي يلتف حوله الجميع.
ويقول فارس الصلاحي، وهو مسؤول في مبادرة مجتمعية لدعم الجبهات، في تصريحات صحفية، إن “الواجب يستدعي من الجميع أن يساهم حسب قدرته في الدفاع عن المدينة، فالذي يستطيع حمل السلاح لا بد أن يقاتل، بينما الذي لا يستطيع حمل السلاح يمكنه المساهمة على قدر استطاعته في تجهيز المقاتلين، سواء عبر التبرع لشراء أسلحة وذخائر، أو عبر دعم الجبهات بمواد غذائية وتموينية”.
وتبرز هذه المبادرات بوصفها امتداداً لدور المجتمع في تحمل أعباء الحرب، في ظل الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر اليمنية بعد سنوات من تراجع الدخل وارتفاع تكاليف الحياة. لكن اتساع حملات جمع التبرعات وتداول السلاح يضعان السلطات أمام مسؤولية ضمان أن تجري هذه الأنشطة وفق الأطر القانونية، وأن تصل المساعدات إلى مستحقيها، وألا تتحول التعبئة إلى مدخل لانتشار السلاح خارج السيطرة المؤسسية.
وتكشف تفاصيل الحياة اليومية في تعز عن مشهد يتجاوز الاستنفار العسكري المباشر، فهناك مجتمع يستعيد أدوات التضامن والتعبئة التي طورها خلال سنوات الحرب، وأجهزة أمنية تحاول تشديد الرقابة وحماية المعلومات، وتشكيلات مسلحة تعيد ترتيب صفوفها، في وقت يظل فيه المدنيون الأكثر تأثراً بأي توسع محتمل في المواجهات.
وبين الأناشيد التي تجوب الشوارع، واللجان التي تراقب الأحياء والقرى، والمبادرات التي تجمع الطعام للمقاتلين، تبدو تعز أمام مرحلة تتطلب قدراً أكبر من التنسيق بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي. فنجاح الاستنفار لا يتوقف على رفع مستوى الجاهزية وحده، بل يرتبط أيضاً بمنع الانفلات الأمني، وصون الحقوق، وحماية المدنيين، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في محافظة أنهكتها سنوات الحرب والحصار.
وفي نهاية المطاف، يظل التحدي أمام تعز هو تحويل التعبئة الشعبية إلى عامل حماية واستقرار، لا إلى عبء جديد على السكان، فمواجهة التصعيد العسكري تحتاج إلى يقظة أمنية، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى مؤسسات قادرة على إدارة المرحلة، ومجتمع يحافظ على تضامنه من دون أن يسمح للخوف والشائعات والاتهامات غير المثبتة بتقويض الثقة بين أبنائه.
