أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرالضفة وغزةمرئياتومضات

عام على التهدئة.. هل يرسم “الخط الأصفر” خريطة جديدة لغزة؟ (شاهد)

على تخوم “الخط الأصفر” شرق محافظة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، حيث ترسم التموضعات العسكرية الإسرائيلية حدودا للموت والتهجير، تحوّلت حياة العائلات النازحة إلى رحلة عذاب مستمرة لا تنتهي.

ففي مركز إيواء قريب من “الخط الأصفر” تعيش 17 عائلة واقعا كارثيا؛ إذ تعرض مخيمهم لاستهداف مباغت، الخميس الماضي، بعدما أطلقت طائرات الاحتلال المسيّرة سلسلة من القذائف الحارقة، التهمت خيامهم وتجهيزاتهم بالكامل، مما دفعهم للنزوح القسري مجددا مشيا على الأقدام، وبحثا عن مأوى وسط شح مقومات البقاء.

يقول فداء أبو جامع، وهو أحد سكان المخيم -في تصريحات صحفية- إن الاستهداف لم يترك لهم أي خيار سوى الفرار بأرواحهم. بينما قال موسى أبو سعادة إن النازحين اضطروا لترك كل ما يملكون، باحثين عن مأوى وهم فاقدون لأدنى احتياجات العيش.

توسع وتمدد
ليست هذه الحادثة سوى نموذج مأساوي لما يلاقيه السكان القريبون من “الخط الأصفر” الذي يتمدد يوميا، ليجسد ظاهرة جغرافية وعسكرية تعيد هندسة القطاع المحاصر. فمنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025، شهدت حدود السيطرة الإسرائيلية تغيرات ميدانية متتابعة، وفق تقارير إعلامية وشهادات ميدانية.

ويعرف “الخط الأصفر” ميدانيا بمكعبات إسمنتية مطلية بالدهان الأصفر. ومع تحريك هذه العلامات غربا، وإقامة حواجز ومواقع عسكرية، وتدمير منازل ومناطق سكنية، أخذت المساحة المتاحة للفلسطينيين تتقلص، وسط مخاوف من أن تتحول ترتيبات الانسحاب وإعادة التموضع المؤقتة إلى واقع جغرافي طويل الأمد.

وعقب توقيع الاتفاق بدأ جيش الاحتلال في تكوين المنطقة العازلة بقطاع غزة، وإعادة تموضع القوات، وفي الـ20 من الشهر ذاته أعلن بدء تحديده وفقا لتوجيهات المستوى السياسي، بوضع مكعبات إسمنتية صفراء، مع تحذيرات للفلسطينيين من الاقتراب.

لكن تحقيقا لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، نُشر في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2025، كشف تجاوز العلامات الموضوعة للمسار المحدد في خرائط الاتفاق بنحو 500 متر بمنطقة العطاطرة في بيت لاهيا شمالي القطاع، ونحو 290 مترا في خان يونس جنوبا.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، امتد التوسع إلى حي التفاح شرقي مدينة غزة، حيث تحركت مواقع السيطرة نحو 200 متر، وتعرض ما لا يقل عن 40 مبنى للتدمير في المساحة الواقعة بين مواضع الخط القديمة والجديدة، بحسب الرصد الذي أوردته الهيئة.

ثلثا مساحة القطاع
وخلال يناير/كانون الثاني 2026، أظهرت علامات إسرائيلية متقدمة مئات الأمتار غرب المسار السابق في خان يونس، بينها مكعبات تبعد نحو 390 مترا وأخرى نحو 220 مترا عن مواقعها السابقة، بالتزامن مع هدم مبان وتفكيك تجمعين لخيام النازحين.

وفي 28 من الشهر نفسه، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) باستمرار عمليات التجريف والتفجير بمحاذاة “الخط الأصفر”.

ولم يقتصر الأمر على تحريك المكعبات الإسمنتية. ففي مايو/أيار 2026، أُبلغت الأمم المتحدة بضرورة تنسيق تحركات فرق المساعدات الإنسانية مع إسرائيل عند تجاوز ما عُرف لاحقا بالخط البرتقالي، في إشارة إلى نطاق إضافي من القيود على الحركة في المناطق الواقعة بمحاذاة “الخط الأصفر”.

وفي الشهر نفسه، قالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” إن الخط امتد بصورة ملحوظة في مدينتي غزة وخان يونس، ما جعل 5 مواقع تابعة لها قريبة من المنطقة العسكرية، بينها مدرستان تستخدمان لإيواء النازحين، كما رُصد تقدم آليات إسرائيلية غرب “الخط الأصفر” في عدة مناطق، بينها محيط محور نتساريم (وسط القطاع) وحي التفاح، والمناطق الشرقية من مخيمي المغازي والبريج وسط القطاع.

وفي يوليو/تموز 2026، وثّقت تقارير إعلامية وشهادات مواطنين توسيع نطاق السيطرة في أحياء الزيتون والتفاح والشجاعية شرقي غزة، وأجزاء من دير البلح (وسط) وخان يونس ورفح، بالتزامن مع تحريك العلامات وإصدار أوامر إخلاء جديدة.

ونقل موقع تابع للجيش الإسرائيلي، في 2 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عن قائد “فرقة غزة” ليرون باتيتو قوله إن الجيش يسيطر على 63% من مساحة القطاع، وإنه أقام 40 موقعا عسكريا جديدا، معتبرا أن ذلك يمنحه “حرية عمل ميدانية”.

الهدف التهجير
وتزيد تقديرات مديرة المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في قطاع غزة، مها الحسيني، حول السيطرة الإسرائيلية، عمّا ذكره باتيتو، وتقول -في تصريح صحفي- إنها تصل حاليا إلى 70% من مساحة القطاع، بعد أن كانت عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار 53%.

وأضافت مديرة المرصد أن قرابة مليوني فلسطيني، حُشروا في مساحة لا تتجاوز 120 كيلومترا مربعا من أصل 360 كيلومترا مربعا، تشكل مساحة القطاع.

وتوضح أن المساحة المتاحة للسكان بدأت بالتقلص تدريجيا منذ الأسابيع الأولى للتهدئة، مع تقدم قوات الاحتلال وإعادة تموضع “الخط الأصفر” بصورة غير معلنة، واستخدام القصف ونسف المناطق المحيطة به لدفع السكان نحو الغرب.

من جهته، يوضح مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، علاء السكافي، أن عمليات توسيع “الخط الأصفر” امتدت -بحسب رصد باحثي مؤسسته- إلى مناطق واسعة من مختلف مناطق قطاع غزة.

ويقول -في تصريحات صحفية- إن جيش الاحتلال أقام نحو 38 موقعا وثكنة عسكرية، معظمها على تلال مرتفعة، إلى جانب تعبيد طرق عسكرية وإنشاء أبراج اتصالات، بما يعزز الوجود العسكري على امتداد الخط.

وقدّر أن 95% من المنازل الواقعة خلف “الخط الأصفر” دُمرت، إلى جانب تدمير البنية التحتية ومقومات الحياة الأساسية، لافتا إلى أن جيش الاحتلال توغل بعمق يتراوح بين 4 و6 كيلومترات في بعض المناطق.

عند تخوم المنازل
في جنوب القطاع (رفح وخان يونس) يقول الصحفي محمد العمور -في حديث صحفي- إن مناطق السيطرة الإسرائيلية شهدت تمددا ملحوظا خلال العام الذي أعقب اتفاق وقف إطلاق النار، مما انعكس على مواقع انتشار القوات ومسارات حركة السكان، موضحا أن قوات الاحتلال تقدمت مئات الأمتار في رفح وخان يونس، وهو ما دفع عائلات كثيرة إلى النزوح.

وفي المحافظة الوسطى، يرصد الصحفي يوسف ريان تمدد “الخط الأصفر” والآليات العسكرية نحو الغرب، خصوصا على المحور الممتد من المشارف الشرقية لدير البلح إلى شمال شرقي مخيم البريج.

وقال إن التحركات الإسرائيلية رافقها تجريف منازل وبنى تحتية، حتى بات الوجود العسكري أقرب إلى الكتل السكانية في المناطق الشرقية لمخيمات النصيرات والمغازي والبريج، بعدما كانت بعض المنازل تبعد مئات الأمتار عن خطوط التماس السابقة.

وقد أجبر ذلك عائلات على النزوح نحو غرب المحافظة، بما يشمل أجزاء من دير البلح والنصيرات والزوايدة. وتبرز آثار التوسع أيضا في المناطق الزراعية شرقي المحافظة، التي كانت توفر مساحات أوسع للسكن والعمل مقارنة بالمناطق الغربية المكتظة.

خطوط داخل الأحياء
أما شمال القطاع، فيشير الصحفي الميداني همام عسلية -في تصريحات صحفية- إلى أن “الخط الأصفر” تجاوز في مناطق عدة مواقع انتشاره السابقة، واخترق عمق مناطق مأهولة، حتى بات يشق أجزاء من بلدة ومخيم جباليا، ومنطقة الشيخ زايد، وبلدة بيت لاهيا في محافظة شمال القطاع، مع استمرار إطلاق النار من الآليات والرافعات العسكرية باتجاه خيام النازحين.

أما شرقي مدينة غزة، فتبدو الأمور أكثر صعوبة، حيث يبتلع “الخط الأصفر” 3 من أكبر وأهم أحياء المدينة، وهي:

– حي الزيتون، الذي تحوّل الجزء الشرقي منه إلى منطقة عسكرية محظورة، فيما يتعرض الجزء الغربي لعمليات إطلاق النار من المسيرات والآليات.
– حي التفاح الذي يبتلع الخط نحو 3 أرباعه، وهي المنطقة الشرقية منه.
-حي الشجاعية الذي بات بالكامل ضمن نطاق “الخط الأصفر”.

أهداف سياسية
من جانبه، يرى الخبير العسكري اللواء سمير عباهرة أن “الخط الأصفر” يمثل تحولا يتجاوز الإجراءات الأمنية المؤقتة، بالنظر إلى اتساع المساحات الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، مع استمرار إقامة مواقع عسكرية ومراكز مراقبة، وتواصل تدمير المنازل والبنى التحتية.

وأضاف في -تصريحات صحفية- أن التوسع المتواصل وتقليص المساحة المتاحة للفلسطينيين يعكسان توجها لفرض وقائع ميدانية قد يصعب تغييرها لاحقا، خصوصا مع غياب مؤشرات واضحة على العودة إلى خطوط الانتشار السابقة.

ويربط عباهرة استمرار العمليات العسكرية بالحسابات السياسية داخل إسرائيل، ولا سيما مواقف اليمين المتطرف ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، معتبرا أن إبقاء الوضع في غزة مفتوحا على التصعيد يخدم أهدافا سياسية داخلية، إلى جانب الأهداف الأمنية المعلنة.

كما يشير إلى أن إسرائيل تعتبر إجراءاتها في غزة، جزءا من ضغوطها على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لإجبارها على “تسليم السلاح”.

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى