أخبار عاجلةمقالاتومضات

معركة الوعي (305) الذين يريدوننا أن نأكل لحم الميتة!

حامد اغبارية

1)

لأنَّ الرسالة جاءت للمقاطعين فقد اقتضى بيان الموقف من دعوتنا إلى “أكل ميتة” الكنيست الإسرائيلي. 

بدِّلوا وغيِّروا كيفما شئتم، أما نحن فلا… لن نبدّل ولن نغيّر، ولن نأكل الميتة، لا السياسية ولا غيرها! فقد اخترنا طريق الأخذ بالعزيمة.. بعيدا عن “رخصة” أكل ميتة السياسة الكنيستية!

في تفسير آية أكل الميتة في سورة “البقرة، آية 173، (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) جاء أن المقصود في (غير باغ) ألا يستحلّه، وألا يبتغي فيه شهوته، وألا يشبع منها، وأن يكون قد أُكره على ذلك بغير اختياره. وهذا يقع على المُكره الذي لا يجد مناصا إلا أن يأكل من الميتة، أي أن سيف الموت مُسْلط فوق رأسه!!

أما الذين يدعوننا إلى أكل الميتة الإسرائيلية (اضطرارا)، فقد استحلّوها، وجعلوها زلالا صافيا، وشهوتهم فيها ظاهرة لا تخفى على كل ذي بصيرة، وقد امتلأت منها بطونهم حتى التُّخمة. فشتان بين هذا وذاك. هذا مع العلم أن “الاضطرار” هنا ليس اضطرارا حقيقيا تهلك معه النفوس وتُزهق فيه الأرواح، بل هو “اضطرار” مصطنع، بل هو ليس اضطرارا، وإنما هو خيار حتى الشبع، عن سبق إصرار. وقد أقدمتم على ذلك منذ 30 سنة باختياركم، إذ لم يكرهكم عليه أحد… 

أما الحديث عن إسقاط الحكومة (الحالية) لأنها كارهة للدين وللعربي، وأنها لا تريد لنا الخير، فواعجبا! ويكأن البديل (إنْ وقع..) يعشق ديننا ويحب العرب حبا جما، ويبذل كل ماله ووقته وجهده كي يحقق لنا الخير! وقد عشنا في هذا “النعيم المقيم” عقودا ثمانية، لكننا لم نكن نعلم. ولكي نعلم علم اليقين، علينا أن نأكل الميتة!!

2)

هناك مجموعة من الحقائق تعمدت تغييبها عن الجمهور أطرافٌ كثيرة، ومنها وعلى رأسها تلك التي تزحف إلى الكنيست:

أولا: نحن، أبناءَ مجتمع الداخل الفلسطيني، تعتبرنا المؤسسة الإسرائيلية- بكل أجهزتها- خطرا أمنيا وديمغرافيّا وتتعامل معنا بعقلية العسكر والمخابرات. وعندما يأتيك حزبٌ ويقول إنه يريد أن يحقق المساواة ويحصّل لنا الحقوق والرفاهية ورغد العيش (وهو ما لم ينجح به طوال ثمانين سنة، ولن ينجح فيه مستقبلا) فإنه يُسهم في تغييب هذه الحقيقة وإخفائها عن الناس.

ثانيا: في كل حملة انتخابات يوهمون الجمهور بأن المسألة تقع في دائرة العمل الوطني، وأحيانا يجعلها بعضهم من واجبات الدين، بينما الحقيقة أن كل عضو كنيست ملزمٌ بأداء يمين الولاء ليس للوطن وليس للدين وإنما بالنص التالي: “أتعهد بالإخلاص لدولة إسرائيل، وبأداء مهمتي في الكنيست بإخلاص”!!

ثالثا: وما هي مهمة عضو الكنيست؟! بالنص -كما هو وراد في موقع الكنيست- واجبه قبل كل شيء، أن يحافظ على القيم الأساسية لدولة إسرائيل والإخلاص لمبادئها، وهو مُلزم بتفريغ وقته وجهده لأداء وظيفته هذه!! أي أن أصل وظيفته، كعضو كنيست، أن يخدم قيم الدولة الإسرائيلية ويخلص لمبادئها. ولا بد أنك تعلم ما هي مبادئها!!

رابعا: إن أكبر عملية خداع تمارسها الأحزاب العربية التي تشارك في انتخابات الكنيست هي زعمُها أنه يجب إسقاط حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، وكأن تحقيق هذا الهدف سيحل كل قضايا شعبنا ومجتمعنا، وأن البديل لهذه الحكومة سيكون أفضل. وهذا في الحقيقة لا علاقة له بالواقع الذي يعاني منه مجتمعنا الفلسطيني في الداخل. وقد تتذرع هذه الأحزاب بأنها حققت أشياء كثيرة، ولذلك فإن استبدال الحكومة الحالية سيساهم في تحسين أوضاع الناس. وهذا بحدّ ذاته وهمٌ تسوّقه هذه الأحزاب للجمهور، وللأسف تجد من يشتريه. وحقيقة الأمر أن كل الحكومات الإسرائيلية تعمل وفق استراتيجية واحدة، مع اختلاف الأساليب والتكتيكات، وهي استراتيجية تتعامل معنا بعنصرية وتمييز وفق رؤية أمنية واضحة. وهذا ما تعترف به الأحزاب العربية في مناسبات مختلفة، عندما تتحدث عن أوضاعنا المزرية في مختلف المجالات الاقتصادية والتعليمية والبنى التحتية والاجتماعية والتطويرية والإسكانية والسياسية والقانونية وغيرها.

كذلك فإن شعار “إسقاط حكومة اليمين المتطرفة” يُوهِم الجمهور بأن هذه الأحزاب تطرحُ نفسها بديلا لتلك الحكومة، وهذا على أرض الواقع لا يمكن أن يتحقق، وهي في التالي تخدم تيارا صهيونيا آخر ليحل محل حكومة اليمين المتطرفة هذه. وأيا كانت رؤية هذا التيار الصهيوني ومفرداته السياسية التي يستخدمها، فإنه في نهاية المطاف موجود لخدمة المشروع الصهيوني، لا لخدمة الداخل الفلسطيني، وهو مشروع نقش على رايته اقتلاعنا من أرضنا، ومصادرة أملاكنا، والتعامل معنا كخطر أمني- ديمغرافي، ويسعى إلى استراتيجية بعيدة المدى نعرفها جميعا. وإن أقصى ما يخدعُنا به أيُّ تيار صهيوني هو تقديم الوعود الكاذبة ودغدغة المشاعر، ونفي العنصرية والتميز والاضطهاد عن نفسه (يائير غولان كمثال)، حتى إذا تمكّن كشّر عن أنيابه وسقط القناع عن وجهه. وفي ثمانين عاما من التجارب ما يكفي ويزيد.

خامسا: تمارس الأحزاب العربية المشارِكةُ في انتخابات الكنيست على الجمهور أسلوب “الصدمة العنيفة” إلى درجة الدعوة لأكل لحم الميتة، حين تزعم أن عدم التصويت ومقاطعة الانتخابات معناه أن الأصوات ستذهب للأحزاب الكبرى، حسب القانون المعروف باسم قانون بدر- عوفر. وكأن التصويت سيمنع الأحزاب الكبرى من الوصول إلى سدّة الحكم، وهذا هو الخداع بعينه. 

سادسا: تدّعي الأحزاب العربية أن المشاركة في الكنيست تحقق فوائد مرجوة. ونريد أن نفترض صحة هذا الزعم، مع أن الواقع يكذّبه، ولنفترض أن مصالح الناس كلها ستتحقق، فإن هذا لا يغير من حقيقة أن الكنيست يمثل مؤسسة ظالمة، وأن المشاركة فيه هي ركونٌ إلى طاغوت ظالم، وإقرار بظلمه وقهره الذي مارسه ويمارسه علينا. وهو ظلم لا شك فيه، ولا يقبل التأويل، ظاهرٌ بيّنٌ تراه العين وتسمعه الأذن ويمزق سوطه جلودنا.

سابعا: منذ 1948 أصدر الكنيست الإسرائيلي الكثير من القوانين والتشريعات التي تستهدف الفلسطينيين عموما وفلسطينيي الداخل تحديدا، وتتميز هذه القوانين والتشريعات بطابعها العنصري الهادف لتضييق الخناق والحد من الحريات الفردية والجماعية للفلسطينيين.

وقد شملت هذه القوانين مجالات عديدة، من بينها شرعنة الاستيطان، وحظر حملات المقاطعة، وقانون القومية، وقانون منع الأذان، وقانون محاربة الإرهاب، وقانون النكبة، وقانون لمّ الشمل، ومصادرة الأراضي وغيرها من القوانين. هذا إضافة إلى استخدام أنظمة الطوارئ ضد من لا يروق نهجه وخياراته وطريقه للمؤسسة الإسرائيلية. 

فهل نجحت الأحزاب العربية في منع سن قانون واحد من هذه القوانين؟ هل تمكنت من منع تنفيذ قرار هدم بيت واحد، أو مصادرة أرض؟

إن المشاركة في الكنيست بحجة تحقيق المصلحة وتحصيل الحقوق هي وهمٌ كبير يسحرون به أعين الناس، بينما حقيقة الأمر أنها إقرار للظالم بظلمه، ذلك الظلم الذي طال أذاه كل أبناء شعبنا في الداخل والضفة والقطاع والشتات، ويقع على أرضنا وعلى وجودنا، ويقيد حريتنا، ويلاحقنا حتى على الكلمة، أو حتى على تألمُّنا لما يقع على أهلنا في غزة والضفة، ويضيّق علينا، ويكمم أفواهنا ويسجننا ويقمعنا بالحديد والنار.

3)

لكي نعرف الجواب الشافي على السؤال: لماذا يجب عدم الترشح للكنيست الإسرائيلي ولا المشاركة في التصويت؟ علينا أن نسأل الأسئلة الأهم: ما الذي نريده نحن؟ ما هو سقف أهدافنا؟ ما الذي نطمح إليه ونرجو تحقيقه؟ وهل حققت لنا المشاركة في الكنيست (عضوية وانتخابًا) شيئا مما نريد؟ هل لامست سقف الأهداف؟ هل اقتربت بنا إلى ما نطمح إليه؟ 

إن الانتخابات ليست مجرد حقّ (قانوني) يمارسه “المواطن” كجزء من آلية اختيار حكم سياسي، بل هي مقياسٌ يستطيع الفرد والجماعة قياس مدى فائدة هذه الوسيلة من خلال كونها رافعة لتحقيق الأهداف التي يرجوها الفرد وترجوها الجماعة. وإن من العقلانية والمسؤولية، ومن الذكاء السياسي البسيط جدا أن يفحص الفرد، وأن تفحص الجماعة – في كل مرة من جديد- ما حققوه من خلال الانتخابات والعضوية في الكنيست، وأن يقفوا عند التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، كيما يقرروا ما إذا كان من الطبيعي ومن المُجدي الاستمرار في هذه اللعبة.

وفي حالتنا نحن نجد الجواب على كل ذلك من خلال الواقع الذي نعيش.

ولسنا نحتاج إلى كبير جهد كي ندرك- إن كنا نبحث عن الحقيقة- أن هذا الملعب لا يصلح لنا، بل إنه ألحق بنا أضرارا خطيرة، يبدو أنه لا شفاء منها إلا ببتر العضو الفاسد الذي يهدد سائر الجسد.

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى