أخبار وتقاريرمقالاتومضات

عندما أكتب عن انتخابات الكنيست

توفيق محمّد

عندما أكتب عن انتخابات الكنيست فإنَّني لا أقصد مناكفة من يشاركون بها بتاتا، وإنما أعبِّرُ عن رأيي، ولذلك فإنَّني استغرب كلَّ الغرابة من تلك الحدَّة التي يتلقى بها بعض من يؤيدون المشاركة في انتخابات الكنيست ما أكتب، أو ما يكتب غيري ممَّن لا يشاركون في انتخابات الكنيست، الى درجة تشغيل فرق مما يطلق عليها في لغة شبكات التواصل الاجتماعيِّ ” الذباب الالكترونيِّ، لا للرَّد الموضوعي والموزون وإنما للمناكفة والسخرية والاستهزاء من الرأي المخالف، بل أحيانا إلى حدِّ التحريض، وهذا، والله، ليس من شِيَمِ الواثقين من طريقهم ونهجهم، إنَّما هو من شِيَمِ من اختلَّت عنده الموازين، وتزعزعت عنده المفاهيم والثقة في النفس والنهج، فالحجَّة بالحجَّة، والقناعة بالقناعة، فقد لا تستطيع إقناعي بصدق نهجك، وقد لا أستطيع اقناعك بخطئه، ولكن لكلٍّ منَّا كامل الحقِّ بالتعبير عن رأيه الذي هو مقتنعٌ به، ثمَّ فإنَّ الذي لا مراء فيه ولا جدال ولا شكَّ انَّنا بعد 27/10/2026 سوف نلتقي في خارج ساحة انتخابات الكنيست، فاتركوا لساحات العمل المشترك مساحات نقيَّةً من الشوائب والتنابز والحدَّة. 

بن غفير ظاهرة أم واقع

غالبيَّة الاحزاب المشاركة في انتخابات الكنيست حتى اليهوديَّة منها بنت دعايتها الانتخابيَّة على وجوب إزاحة بن غفير وسموطريتش من المشهد السياسيِّ، وحصرت كلّ المعاناة التي نعاني منها ويعاني منها أبناء شعبنا الفلسطينيّ بوجود هذين الشخصين في مركز القرار في الحكومة الاسرائيليَّة. 

 لا شكَّ أنَّهما من أسوأ، وربما أسوأ من عرفتهم السياسة الإسرائيليَّة، فهم يعبِّرون عن حقدهم وكراهيتهم للإسلام والمسلمين، وللعروبة والعرب وللفلسطينيّين في كلِّ مناسبة ومن على كلِّ منصَّة، بل إنَّهم يبنون برنامجهم الانتخابيَّ واستقطابهم للناخبين على هذا الأساس، ويبذلون كلَّ جهد للإضرار بنا، وبأبناء شعبنا.

 لكن الذي يجب أن نحذِّر منه، حتى لا نتفاجأ غدا إذا نجح معسكر التغيّير بتشكيل حكومة بديلة للحاليَّة، هو حصر معاناتنا ومعاناة أبناء شعبنا الفلسطينيِّ بهذين الشخصين دون السياسات الاسرائيليَّة التي اضطهدتنا وسلبت حقوقنا على مدار ما مضى من سنين، وحتى لا تنهار الأحلام الورديّة التي يبنيها البعض على حكومة التغيّير في حال إقامتها، فبن غفير وسموطريتش هما الوجه البشع المكشوف الذي يصرح علنا بالكراهيَّة والتحريض علينا وعلى أبناء شعبنا الفلسطينيِّ، ولكن في النظر إلى سياسات باقي الاحزاب الصهيونيَّة، فهي تتقاسم ذات الرؤية السياسيَّة تقريبا، والاختلاف بينها محصور في شخص نتنياهو وليس في الرؤى السياسيّة التي تحكم تعاملها مع الملف الفلسطينيِّ بكل تفرعاته وجغرافيته، وليس ادلَّ على ذلك من تصويت من يوصف بيسار الخريطة الاسرائيليّة رئيس حزب الديموقراطيين يائير غولان مع بن غفير لصالح شطب سامي أبو شحادة من الترشُّح في انتخابات الكنيست القادمة (طبعا لست بصدد نقاش موقف أبي شحادة المهين في المحكمة، والذي كان يمكن أن يتحاشاه أصلا قبل الوصول إلى ذلك الموقف فيسيء إلى ما وصفه ثلاثين سنة من النضال).

 لم تبدأ معاناتنا من السياسات الاسرائيليَّة مع عهد بن غفير وسموطريتش، وإن كانا الأسوأ واختفاؤهما من المشهد السياسي هو الأفضل، ولكن لنستعرض بعضا بل بعيضا من هذه السياسات التي عانينا منها: 

  • (أطلق اليئور عزاريا رصاصة مباشرة على رأس عبد الفتاح الشريف من تل الرميدة في الخليل (21 عاماً) وهو ملقى على الأرض مصاباً بجروح بالغة ولا يشكِّل أيَّ تهديد، ووثّقت منظمة “بتسيلم” الحقوقيَّة الحادثة بمقطع فيديو أثار ضجَّة دوليَّة واسعة، أُدين “عزاريا” بتهمة “القتل الخطأ” وحُكم عليه بالسجن لمدة 18 شهراً فقط. حظي بتضامن واسع من قِبل اليمين الإسرائيليِّ والمسؤولين، وتم تخفيف عقوبته لاحقاً ليُطلق سراحه بعد قضائه 9 أشهر فقط في السجن، وفي خطوة قوبلت بتنديد حقوقي، اتخذ الرئيس الإسرائيليُّ الحاليُّ يتسحاق هرتسوغ (هرتسوغ كان رئيس حزب العمل الذي خسر الانتخابات أمام نتنياهو في العام 2015 ) قراراً بمحو السجل الجنائيِّ -بالكامل- لعزاريا بتاريخ 19/9/2026 أي قبل أقل من شهر.
  • قتلت الشرطة الإسرائيليَّة خلال هبَّة القدس والأقصى التي نحيا في أفيائها الآن ثلاثة عشر مواطنا عربيا، ولم يُحاكم أيُّ قاتل على جريمته حتى الآن، بل إنَّ تقرير لجنة “أور” لم يُحَمِّل مسؤوليَّة ذلك لأيٍّ من ممثِّلي المؤسَّسة لا كأفراد (الشرطة والمسؤولين السياسيِّين) ولا كجهاز. 
  • قتلت قوات “الأمن” التي ترأسها وزير “الأمن” الاسرائيليِّ شمعون بيرس (حمامة السلام الذي كانت سمَّاعات العرب لاحقا تهتف باسمه يوم الانتخابات في العام 1996 وتقول: صوِّت لبيرس والسلام) في العام 1976 ستَّة مواطنين من سخنين وعرَّابة وكفر كنَّا ونور شمس (قتل في مدينة الطيبة) ولم يُحاكم على ذلك أحد، ومن يَعُدْ الى الكتاب الاسود الذي وثَّق روايات أسرى وجرحى يوم الأرض يَجِدْ روايات تقشعرُّ لها الأبدان، ويجدْ هناك أيضا روايات حول الاعتداءات الجنسيَّة التي تعرَّض لها المعتقلون في ظلِّ حكومة رابين الاولى التي كان وزير أمنها والمسؤول عن كلِّ الحدث وما لحقه من اعتقالات واعتداءات، حمامة السلام بيرس. 
  • في 29/10/1956 نفذت قوات حرس الحدود مجزة كفر قاسم التي راح ضحيُّتها 49 شخصا من قرية كفر قاسم (وفق بعض المصادر الرسميَّة والتاريخيَّة تضم: 19 رجلاً، 6 نساء، و23 طفلاً دون الثامنة عشرة.
  • من المؤكد أنَّني لن أقوم باستعراض قوانين مصادرة الارض التي بدأت منذ العام 1948 وما زالت مستمرة، لأنَّ ذلك يحتاج كتبا ولكن الذي لا ينتطح به عنزان أنَّ من قام بسنِّ هذه القوانين التي انتزعت من الفلسطينيِّين تقريبا كلَّ ما يملكون من أرض (ما بقي للفلسطينيّين مواطني الدولة من أراض نتيجة هذه القوانين لا يتعدى 3% لا تزال المؤسَّسة تلاحقهم عليها) هي حكومات حزب العمل المتعاقبة، بل إنَّ غالبيَّة سكان “الكيبوتسات” المحاذية للبلدات العربيَّة التي صودرت اراضيها لصالح هذه “الكيبوتسات” والتي ما زالت تنازعها على ما بقي من أراض هم من الشركاء السياسيِّين للأحزاب العربيَّة وتحديدا ممّن يطلق عليهم اليسار الإسرائيليِّ.

ومن أراد الاستزادة من هذه الاحداث المرعبة في تاريخ هذه المؤسَّسة مع أبناء شعبنا فيمكنه روية الكثير منها عبر محرِّكات البحث في الانترنت، ولكنَّ الذي دعاني لاستحضار هذا النزر اليسير منها، هو التحذير من حصر هذه السياسات بشخص بن غفير أو سموتريطش، فهؤلاء ليسوا سوى جعجعة الطاحونة التي ما تزال تطحن منذ كانت إلى الآن، فقد عملت كلَّ الوقت دون توقُّف، ولكن بصمت ودون جعجعة، إلى أن جاء هذان فأسمعانا الجعجعة التي كنا نعاني من فعلها دون أن نسمع صوتها، وقد كشفا لنا وللعالم أجمع أنَّ هذا “الطحين” من هذه الطاحونة التي تتشكل منها حكومات إسرائيل المختلفة سواء كان اسمها يمين متطرف أو يمين “معتدل” أو “يسار” أو “مركز” أو غير ذلك من الأسماء التي يسوِّقونها، ليس لنا، انَّما لهذا العالم المنافق، ليست إلّا أوجها متعددة لسياسة واحدة. 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى