أخبار عاجلةمقالاتومضات

متفائل، مستبشر، موقن بالفرج.. ليتهم عيّروا بما هو عار

الشيخ كمال خطيب 

يومها واليوم وفي كل يوم، حتى وإن اختلفت الأماكن والأسماء والأشخاص، إلا أنها لا تختلف طبيعة الكيد والعداء لحملة الرسالات من الأنبياء ولمن ساروا على دربهم من العلماء والدعاة. فرغم أن قريش قالت عن رسول الله ﷺ إنه الصادق الأمين، إلا أنهم أصرّوا على معاداته ومحاربته والكيد له بل واتهموه بالسحر والكذب والجنون {وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [4 سورة ص]، {كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [52 سورة الذاريات].

إنهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم صفوة الله من خلقه ومن ربّاهم الله وصنعهم على عينه، إلا أنهم لم يسلموا ولم ينجوا من ألسنة الفاسدين، فرموهم بأقذع العبارات، ووصفوهم بأحطّ الأوصاف لا لشيء إلا لأنهم جاؤوا يصارحون أقوامهم بما هم عليه من سوء وقبائح أعمال وينهونهم عنها، لكنهم وبدل أن يقابلوا هذا بالشكر والثناء، فإنهم قابلوه بالكفر والعداء.

فهذا نوح نبي الله ما زاد على أن قال لقومه {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [59 سورة الأعراف]. فما كان منهم إلا سرعة الردّ ورميه بالضلال {قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [60 سورة الأعراف]، {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [ 32 سورة هود].

وهذا هود نبيّ الله، فإنه ما زاد على أن قال لقومه { وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [65 سورة الأعراف] فردّوا عليه بسلاطة لسان ورموه بالسفاهة والكذب {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [66 سورة الأعراف]، {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [70 سورة الأعراف].

وهذا نبيّ الله صالح، فما زاد على ما جاء به إخوته من الأنبياء في دعوة قومه للتوحيد ونبذ الشرك والكفر {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [73 سورة الأعراف]، {قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [63 سورة هود]. كان جوابهم له يحمل كل معاني سوء الأدب والاستكبار، فقالوا له، لقد كنت فينا صاحب مكانة عالية واحترام وتقدير قبل أن نسمع منك ما نسمع، وهذه شهادة منهم لنبي الله صالح، أما وإنك تقول ما تقول، فلم يعد لك عندنا احترام ولا مكانة.

وهذا نبيّ الله إبراهيم، فإنه ما زاد على أن يستهجن ما هم عليه من عبادة الأصنام {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [52 سورة الأنبياء]، فسرعان ما ضاقت به صدورهم ولم يعودوا ليحتملوا ليس فقط سماعه، بل حتى رؤيته، فعمدوا إلى طريقة قتل وحشية غير مسبوقة {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} [97 سورة الصافات]، {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [68 سورة الأنبياء].

وهذا نبيّ الله شعيب فإنه ما زاد على أن نهاهم عن سلوك اجتماعي مشين وغير مقبول، وهو التطفيف في الكيل والميزان {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [85 سورة الأعراف]، فكانت ردة فعلهم مجنونة وحادة وتنضح باللؤم بالتهديد بطرده من بيته ووطنه، {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [88 سورة الأعراف].

وهذا نبيّ الله لوط عليه السلام، ما زاد إلا أن نهى قومه عن ذلك السلوك الشاذّ المشين الذي يتنافى مع الفطرة لما قال لهم {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ*إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [80-81 سورة الأعراف]. ولأنه عاب عليهم الشذوذ الذي مارسوه، فإنهم رموه بأجمل وأفضل ما فيه وهو الطهر {أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [82 سورة الأعراف].

وهذا خاتم الأنبياء رسول الله محمد ﷺ فإنه ما زاد إلا أن قال لقومه وقد رآهم يعبدون الأصنام، يصنعونها من الحجارة والطين ومن التمر فقال لهم {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ*وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ*أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ*تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} [19-21 سورة النجم]، فكان ما كان من رميه بالسحر والجنون ومحاولة سجنه وقتله وطرده من بلده وموطنه {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [30 سورة الأنفال].

 

حينما يعيَّر المؤمن بإيمانه 

وإذا كانت حقبة النبوّة والرسالات قد انتهت بمبعث خاتم النبيين وسيّد المرسلين محمد ﷺ وحمل الراية من بعدهم ورثتهم من العلماء والفقهاء والدعاة الذين وصفهم ﷺ بقوله: “إن العلماء ورثة الأنبياء. إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر”. ولأن وظيفة ومهمّة العلماء هي إكمال مسيرة الأنبياء، بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ويعلّموا الناس أمور دينهم وأن يقولوا كلمة الحقّ في وجه سلطان جائر، فإنهم بذلك قد وضعوا أنفسهم في نفس موقع الأنبياء بأن تُوجّه إليهم السهام. وإذا كان من الأنبياء من رُمي بالسحر والجنون وعُيّر بالطهر ورجاحة العقل باعتبارها عيبًا ومنقصة في فهمهم الضيّق والأعوج، فإننا عشنا ووصلنا إلى الزمان الذي تحدّث عنه أحد كبار ورثة الأنبياء، إنه كعب الأحبار كعب بن ماتع الحميري اليماني وكان من كبار أحبار اليهود في اليمن والذي دخل في الإسلام بعد موت النبي ﷺ، وقد جاء المدينة وعايش الصحابة وكان حَسَن الإسلام وله علم واسع في كتب أهل الكتاب عامّة واليهود خاصّة، فقد قال رحمه الله: “ليأتين على الناس زمان يعيَّر المؤمن بإيمانه كما يُعيَّر الفاجر بفجوره، يقال للرجل إنك مؤمن فقيه”.

فإذا كان الأنبياء يُرمون بالسحر والجنون ويعيَّرون بالطهر ورجاجة العقل وفضائل الأخلاق، فإن الأيام ستدور كما كانت فراسة وقراءة كعب الأحبار فقرأ المستقبل

ودارت الأيام على الناس وجاء الزمان الذي فيه أصبح المؤمن يعيَّر بإيمانه كما يعيَّر الفاجر بفجوره، أي لكأن الإيمان أصبح عيبًا وتهمة ومنقصة.

وها هم الدعاة والعلماء ورثة الأنبياء تسلّط عليهم ألسنة وأقلام ومنابر ومواقع وصفحات الأشرار والأراذل والسفلة ترميهم بكل نقيصة، وإن أحد أولئك المتطاولين لا يساوي شسع نعل عالم وداعية يحفظ في صدره كتاب الله ويدعو الناس إلى دعوة ودين الله ربّ العالمين.

وهل شرّ أعظم ولؤم أعظم من أن تكون في بلاد الحرمين هيئة تسمّى هيئة الأمر بالمعروف والنهيّ عن المنكر يشرف عليها أهل العلم والفضل فيتمّ حلّها ويسرح العاملون فيها، وبدلها يتم إقامة ما تسمّى هيئة الترفيه التي تقوم بالأمر بالمنكر والدعوة إليه وإشاعته والنهي عن المعروف ومحاربته وتشيع الفاحشة والفساد والعريّ والفجور.

وأيّ شرّ أعظم من أن يُحرم العلماء والدعاة والمصلحون وحفظة القرآن من منابر المساجد، فيُمنعون من الخطابة ويُزجّ بهم في غياهب السجون، بينما تفتح المنابر فقط للمطبّلين والمتلوّنين من علماء السلطان، وتفتح المسارح والمدرجات والساحات العامة للمغنين والراقصات الخالعات، ينشرون الرذيلة ويعيثون في الأرض فسادًا.

وأيّ شرّ أعظم من أن يتم تصنيف كل من يعمل للإسلام وإعلاء رايته ورفع الظلم عنه بأنه متطرّف وإرهابي، ولأجل ذلك يقام ما سميّ التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي قامت عليه أمريكا وعكاكيزها من العرب والمسلمين ومن شايعهم من أعداء الإسلام، وهي في الحقيقة ليست إلا حربًا على الإسلام تحت ستار الحرب على الإرهاب، ليصدق في ذلك قول الشاعر:

حكموا علي بأنني إرهابي       قالوا بأني قد فقدت صوابي

زعموا بأني مسلم متطرّف      والويل كل الويل للإرهاب

حكموا بسجني حيث أني        مسلم أبغي الكرامة أو يهال ترابي

 

ليتها عيّرت بما هو عار

وإن انقلاب الموازين وشقلبة المعايير، وإننا في زمن السنوات الخدّاعات التي تحدّث عنها النبي ﷺ فيها يصدّق الكاذب ويكذّب الصادق، ويخوّن الأمين ويؤتمن الخائن ويتكلم في الناس الرويبضة، فإن هذا لا يقتصر على بلاد الحرمين وعلى مصر السيسي وعلى إمارات الشرّ وعلى تونس المهرّج قيس سعيّد وعلى سلطة التنسيق الأمني في رام الله، وإنما هي حالة عامة ومرض أصاب وضرب أرجاء وشعوب الأمة كلها.

فالفاسدون إذا لم يجدوا للمصلحين والصالحين تهمة وعيبًا، عيّروهم بأجمل ما فيهم، الصلاح.

واليائسون والمحبطون إذا لم يجدوا للمتفائلين والواثقين بوعد الله تهمة أو عيبًا، عيّروهم بأجمل ما فيهم، إنه التفاؤل.

وإن المنبطحين إذا لم يجدوا للثابتين والشامخين تهمة وعيبًا، عيّروهم بأجمل ما فيهم، إنه الثبات.

تمامًا مثلما أن من وقعوا في الرذيلة ودنس الشذوذ الأخلاقي من قوم لوط عليه السلام، فإنهم لم يجدوا تهمة يعيّرون بها من أنكروا عليهم فعلتهم إلا أنهم أطهار، فقالوا، {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [56 سورة النمل].

وهكذا يتعامل وفي نفس المنطق من سلكوا الشذوذ والانحراف الفكري والسياسي، فإنهم يصفون غيرهم، بل يعيّرون غيرهم بالتشدّد وحتى بالتطرّف ويعتبرونها مذمّة ومنقصة، وقديمًا قال الشاعر يردّ على من عيّرته بالشيّب بأنه عيب بينما هو وقار، فقال:

عيّرتني بالشيب وهو وقار     ليتها عيّرت بما هو عار

إن تكن شابت الذوائب مني     فالليالي تزيّنها الأقمار 

أي فكما أن عتمة الليل يزيّنها ضوء الأقمار، فإن سواد الشعر يزيّنه الشيّب. ومثل هذا يندرج على كل الفضائل والمكارم في الأخلاق وفي المعاملات وفي السياسة.

وفي نفس المنطق كان جواب الشاعر السموأل على من عيّروه بقلّة عدد عشيرته، فقال مفاخرًا بالعزّ والشرف والرجولة والوفاء عنوانًا للفخر وليس بكثرة العدد، فقال:

 تعيّرنا أنا قليل عديدنا       فقلت لها إن الكرام قليل 

وما قلّ من كانت بقاياه       مثلنا شباب تسامى للعلى وكهول

وما ضرنّا أنا قليل وجارنا     عزيز وجار الأكثرين ذليل

 

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا 

حينما نزل بالأمّة الإسلامية بلاء الانقسامات وكثرة الإمارات والدويلات، وأصبح الأمراء والسلاطين يوالون أعداء الدين من أجل تمكينهم للحفاظ على كراسيهم وملكهم، خلال ذلك ضاع المسجد الأقصى المبارك واحتله الصليبيون ودنّسوه وأخرسوا صوت الأذان فيه بل ورفعوا الصلبان على قبابه ومآذنه، بل وجعلوه اسطبلًا لخيولهم. وخلال تلك النازلة ظلّت طائفة من العلماء من أصحاب البصيرة والثبات على الحقّ يبصرون الناس بدينهم ويحملون راية التثبيت في مواجهة التثبيط، والأمل في مواجهة اليأس، والاستبشار في مواجهة التيئيس، ويطمئنون المسلمين بأن هذا حال لن يدوم وأن فرج الله آت، وأن في الأمّة من الخير والإيمان ما يجعلها تحوّل هزيمتها إلى نصر وتفرّقها إلى وحدة، وهوانها إلى عزّ.

في مواجهة هؤلاء كان يقف علماء السلاطين الذين باعوا دينهم بدنيا الأمراء والملوك، حتى انهم أصدروا الفتاوى التي تجيز للمسلمين التحالف مع المحتلين الصليبيين وإمدادهم بالطعام والسلاح، وليس هذا وحسب، بل إنهم انساقوا وراء جموع رعاة الناس وعوامهم من اليائسين والمحبطين الذين كانوا يسخرون من أهل العلم والفضل الذين يحدّثون عن الأمل، وأن بعد الليل فجرًا وبعد الكرب فرجًا، فأصبحوا يردّدون عبارة ساخرة، يقولون فيها: “ما زالوا يحدثوننا عن مجيء الفرج حتى جاء الإفرنج”.

لكنها السنوات التي مرّت وتغيّر حال الأمة وجاء الفرج وجاء صلاح الدين وحرّر القدس والأقصى ومرّغ أنوف الصليبيين في تراب حطين. ولم يسلم صلاح الدين من ألسنتهم المريضة فأصبحوا يقولون عنه إنه “هلاك الدين” بدل صلاح الدين، رغم انتصاراته العظيمة وتحريره المسجد الأقصى.

ودارت الأيام وتبدّلت الأحوال وعادت الأمة إلى حالة التشرذم بعد سقوط الخلافة الإسلامية، وتسلّط على رقاب الأمّة رؤساء وزعماء عملاء للشرق والغرب، وضاع المسجد الأقصى من جديد، وراحت تتسلل إلى الأمّة من جديد معاني اليأس والإحباط والتشاؤم. وليظلّ على العهد والثبات علماء ودعاة وأخيار يبثّون روح الأمل والاستبشار، وأن ما عليه الأمة هي كبوة وستنهض منها، وليلة مظلمة حتمًا سيطلع صبحها وتشرق شمسها.

وإنني لأعتز وأحمد الله بأنني من هؤلاء المستبشرين المتفائلين الذين هم على يقين أن هذا حال سيتغيّر، وأنني أردد دائمًا مقولتي “نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا” وهي ليست عبارة تخدير كما يزعم اليائسون والمحبطون، وإنما تعزّزها كل المتغيّرات والمؤشّرات التي تدلّ على أن المستقبل هو لشعبنا وأمتنا وديننا.

ومع الأسف، إن دعاة وحملة راية الإحباط والتيئيس والتثبيط، كانوا يومها، وهم يعودون اليوم يعيبون علينا أننا متفائلون، ويعيّروننا أننا على يقين بقرب الفرج، يعيّروننا بأننا واثقون بأن المستقبل للإسلام وأن دين محمد سينتصر ويظهره الله كما وعد على الدين كله، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا} [28 سورة الفتح]. 

يعيّروننا أننا على يقين أن راية الإسلام الخضراء لن تسقط بإذن الله، وكيف تسقط وقد حملها شباب ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا، ولسان كل واحد منهم يقول:

أبدًا أظلّ مع التقاة مع الدعاة العاملين الرافعين لواء أحمد عاليًا في العالمين

وإذا كان الشاعر قد قال:

عيّرتني بالشيّب وهو وقار      يا ليتها عيّرت بما هو عار 

فلأن الشيّب وقار وليس عار، فإن الثبات والأمل والاستبشار واليقين بأن القادم أفضل وأن المستقبل لنا ولديننا، فإن هذا ليس عارًا نعيّر به وإنما هو فخر ووسام شرف، ولكن العار والشنار هو اليأس والإحباط الذي يقود صاحبه إلى الذلّ والهوان والضياع والزحف على البطون وتقبيل يد بل رجل الظالم.

وسيأتي اليوم الذي سيتحقق فيه استبشارنا وأملنا بفرج الله علينا، {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [ 44 سورة غافر]، وإن غدًا لناظره قريب. 

لا عزاء للمحبطين واليائسين والمثبّطين.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا. 

 

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة. 

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى